أمراض السّياسة السّودانية – الإستبداد وصعود الإنتهازيين (3) .. بقلم: أحمد يعقوب
يمكن القول أن “الاستبداد الحزبي” لا يرتبط بعمر القائد أو بمرجعيته أو برامجه، فلا سلامة من هذه المعضلة حتى كادت أن تكون جزء من الهوية السياسيّة السودانية.
*(1)*
ووفقاً لـ ميتشل، فإن هناك عوامل تؤدي إلى نشوء هذه الظاهرة. ويمكن شرحها كالآتي: إن الحياة الحديثة تجمع أناس كثيرين ذوي مشارب شتى، ولكيما يحقق الناس مطالبهم المشتركة بأكبر قدر من الفاعلية تنشأ ضرورة التنظيم، والتنظيم يتطلب شيئين مهمين: تفويض السلطة (Delegation of power)، والبيروقراطية وبالتالي التراتبية Hierarchy. وحسب ميتشل، فكلما كبرت التنظيمات وتعقدت العمليات تطلب الأمر تركيز السلطة في أيدي قليلة من أجل المزيد من الفاعلية. ولكن الذين تتركز السلطة في أيديهم يسعون بكل ما يملكون لتكريس سلطتهم وللحفاظ على هذه السلطة وتعضيدها في المستقبل، الأمر الذي يؤدي إلى سيطرة هذه النخبة والعمل لخدمة مصالحها باسم الجماهيرـ وهو جوهر الأوليغارشية.
ولكن ؛هل يمكن القول أن غياب الإستقرار السياسي وضعف شرعية السلطة ، واتجاه الحياة السياسية إلى علاقات العنف بين مكونات المجتمع، وكثرة القوى المؤثرة في صنع القرار، والتخلف السّياسي الذي يُرى في صراعات الاحزاب وصراع الايدلوجيا والاجندة الوطنية، وعدم وجود مشاركة شعبية في النظام السياسي، وعدم تعميق الشعور بالولاء والإنتماء السياسي، إضافة إلى وجود جماعات مصالح لها نفوذ قوي وتسيطر على عملية اتخاذ القرار، و ضعف نفوذ السلطة التنفيذية، وعدم وضوح الأهداف وتعارضها؛ هل يمكن القول أن ما ذكر أعلاه هو نتاجٌ طبيعي للأزمة التي تعيشها الاحزاب وإغتراب مشاريعها النظرية عن الواقع أو غياب الممارسة ، نسبة لسياسة مسرح الرجل الواحد المستبد التي أبتليت بها أحزابنا السياسية مع التصاعد المستمر للإنتهازيين والنّفعيين؟.
ثمة تمايز بين مفهوم الحزب القائد والحزب الواحد. من حيث علاقة التّنظيم بالجماهير. ففي حين يولد الحزب القائد استجابة لحاجة جماهيرية من القاعدة الشعبية ، فإن الحزب الواحد تنشئه السلطة ليستقطب الجماهير، وبينما تسود الديمقراطية المركزية علاقات الأعضاء بين بعضهم، وبين قياداتهم في الحزب القائد، فإن الطاعة والخضوع هي التي تحكم العلاقة بين الأعضاء والقيادات في الحزب الواحد، وفي حين يستجيب الحزب القائد لمتطلبات الجماهير وقضاياها في صياغة استراتيجيته وسياسته. فإن الحزب الواحد هو الذي يفرض على الجماهير سياسته في صيغة تعليمات وأوامر لها طابع قدسي. ولكن كيف يفسر تحول حزب قائد تنشئه الجماهير؛ ليتحول الى الحزب الواحد؟.
يتبع…….
لا توجد تعليقات
