أمريكا والدول الغربية ذات الوجهين

بسم الله الرحمن الرحيم

أمريكا والدول الغربية ذات الوجهين: لا تستطيع فرض قبول الشعوب بها، ولا منع فرارهم منها شرقا

د. عادل الخضر أحمد بلة
adilbala58@gmail.com

في البدء كان الحلم الأمريكي. بديلا لاستمرارها، والشعوب الغربية، في قيادة وريادة شعوب العالم لحكمتها وقيمها الراقية وعدلها ومساعداتها في نهضة الشعوب، لماذا تستمرئ الولايات المتحدة الأمريكية ودولا غربية تقمص شخصية المستعمر، زعيم المافيا كثيف التسليح، وقد أدي ذلك إلي رفض الشعوب لهذه العقلية والممارسات، بل ونفر منها شرقا؟ وماذا تتوقع هي كمحصلة نهائية؟
إذا كانت العلاقات الدولية تبني علي المصالح المشتركة، فللإدارات الأمريكية والغربية كامل الحق في أن تمارس علاقاتها بوجه واحد أو بوجهين. بوجه واحد بأن يكون لهم دورا واضحا وإيجابيا وشفافا وعادلا، وستجني تقديرا معنويا وتحقيق مصالح مشتركة مع شعوب العالم، ومنها السوداني. وبوجهين بأن تبدي وجها كذوبا مخادعا، وعمليا لا تراعي سيادة وكرامة ومصالح الشعوب المتعاملة معها. يمكن للإدارات الأمريكية واالغربية، بشعارات حماية المواطنين ومحاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية وغيرها توهم تفاني عبودي من قبل هذه الشعوب، ومنها الشعب السوداني، إما استسلاما أو قهرا. وفي المقابل، وبطبيعة الحال، وبتراكم الخبرة من التعامل مع المحتلين وعقلياتهم وممارساتهم، وشيوع الإنترنت وتوسع المواعين الإعلامية، زاد تعمقا وتجدد وعي المواطن السوداني العميق أصلا، وشعوب المنطقة. وعليه، لا يمكن لهذه الدول الغربية فرض قبول وجهها الآخر ذاك علي هذه الشعوب، ولا تستطيع منع نفورهم عنها والتوجه شرقا، حيث يرحب بكرامتهم وسيادتهم وإستقلاليتهم ومصالحهم بقدر عالي من الشفافية والعدل. عندها، سيكسب الشرق كثير بلا جهد كبير منه، وستخسر أمريكا والغرب كثيرا بلا أدني شك.
الشاهد أن الواقع الصهيوني مؤثرا دوليا لحد كبير من خلال قوة تأثير لوبياته في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وغيرهما من الدول الغربية، المؤدي للدعم اللا محدود لإسرائيل. ويبدو أن هذا التأثير القوي مرتبط مع الأدوار الإسرائيلية التاريخية في زعزعة دول المنطقة عامة وسعيها لزعزعة وتفكيك السودان، ومنها حديثا مقترحات السيد آفي ديختر عام ٢٠٠٨م، مسؤول الأمن الداخلي الإسرائيلي حينها، ووزير الزراعة حاليا، مثلا. وإذا كان هذا الدمار الواسع في المنطقة لتنفيذ فكرة هيمنة اسرائيل علي المنطقة تحت ذريعة أمن إسرائيل، فهل يعقل أن تقبل شعوب هذه الدول وباقي الشعوب الاسلامية والأفريقية وغيرها إعادة هذه الممارسة الإستعمارية الغربية؟ ولماذا لا تفر هذه الشعوب منها شرقا؟ ومن ناحية أخري، ففي نفس الوقت الذي ترفض فيه الإدارات الإسرائيلية تبعية دولتهم كولاية أمريكية، رغم أنها تتغذي بحبل سري منها، فإن اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية قويا ومؤثرا للغاية في سياسات هذه الدول داخليا وخارجيا، فهل الولايات المتحدة الأمريكية، وغيرها، دولا مستقلة فعلا؟ ومعلوم أن الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب وللشعب، ومعمول به أن تمويل الأحزاب والإنتخابات تكون من تبرعات عضوية الأحزاب وتمويل معلوم من الدولة فقط، وذلك منعا لأي تأثيرات أخري علي قاعدية القرار الشعبي. ورغم ذلك فالمعلوم أن للوبيات دعما ماليا وإعلاميا مؤثرا للغاية علي ممارسة إختيار الممثلين في الإنتخابات. بل ربما رجح ولاء المنتخبين لهذه اللوبيات أكثر من ولائهم للمواطنين الذين إنتخبوهم. في واقع كهذا فالسؤال هو : بهذا التعريف للديمقراطية، هل الولايات المتحدة الأمريكية وهذه الدول الغربية هي دولا ديمقراطية فعلا؟ وهل من هنا يأتي الوجه الآخر، وقوة تأثيره فيها داخليا وخارجيا؟
وطبيعيا تتساءل شعوب هذه المناطق بأنه إذا كان تعامل أمريكا والدول الغربية معها بهذه العقلية الإستعمارية المدمرة هو بغرض فرض مصالح وطنية أمريكية وغربية، فلماذا لم تأتي هذه الدول الغربية لشعوبهم بالباب وبشفافية ومباشرة؟ ولماذا تستحسن وتستمرئ إدارات الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية شخصية زعماء مافيا مدججة بالسلاح بدلا عن زعماء وحكماء دول عظمي؟ وما هي إيجابيات علاقتهم مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية هذه؟ وما الغريب إذا إتجهت شعوب المنطقة العربية والأفريقية والإسلامية، ومنها الشعب السوداني، شرقا لروسيا والصين ويذكر هنا أيضا إنعقاد المؤتمر الكوري الجنوبي-الأفريقي في ٤ – ٦ يونيو ٢٠٢٤م؟ ستكسب دول الشرق هذه كثيرا، منافع إقتصادية مشتركة بشفافية وعدل، وأيضا دعما سياسيا ودبلوماسيا دوليا كبيرا كقاعدة إنتخابية داعمة لها في مؤسسات الأمم المتحدة المختلفة مثلآ. كل ذلك وغيره من مكاسب تغتنمه فقط لولوجها لهذه الشعوب عبر الباب ولتقديرها لسيادة هذه الدول وكرامة شعوبها ومصالحها.
من ناحية أخري، ربما تتوهم هذه الإدارات الغربية أنه بإخضاع حكام المنطقة وبعض السياسيين فيها، بالعصا والجذرة، أن النتيجة ستنتهي بتنفيذ ما يريدون آنيا. ويتناسون أن هذا المكر يتراكم لدي هذه الشعوب وهي من تقرر الرفض والنفور منها ومن حكامها. وعندها يأتي سؤالهم: لماذا يكرهوننا؟
ولنتذكر هنا بعض من أمثلة تعامل الإدارات الأمريكية والغربية بوجهين والمتراكمة سلبا لدي الشعب السودان حاليا، مثلا:
يعلم الشعب السوداني الدور السالب للدول الغربية في زعزعة السودان حتي قبل استقلاله وإنفصال الجنوب. ويعلم بأن إدعائها حين الإنفصال بالمساعدة في استقرار ونهضة السودان قد تحول لمزيد من الزعزعة مثل الحملة الإعلامية التي طغت علي أنباء العالم عن دارفور، وهي في حقيقتها لإخفاء قرار محكمة العدل الدولية بعدم قانونية جدار الفصل العنصري الإسرائيلي، فنجحوا في أنه لم يسمع به أحد منذاك، ولكن زادت الزعزعة والمآسي في دارفور والسودان. وأيضا إقتراحات بعض المتنفذين الأمريكان حينها بتكرار غزو العراق في السودان وفصل دارفور ولزقها بتشاد كنتيجة لهذا الغزو المقترح. وحتي في إطار التعاملات الطبيعية بين الدول، مما يؤخذ علي الولايات المتحدة الأمريكية أنها مثلآ يمكن أن تبيعك طائرات ولكنها يمكن أن تمنع عنك الإسبيرات لاحقا. ويمكن أن تجمد أرصدة الدول المتعاملة معها. ويمكن أن تفرض عليها حصارا. ويمكن أن تعاقبها علي أخطاء لم ترتكبها هذه الدولة مثل اعلان السبد أنتوني بلينكن بأن السودان أوفى بواجبه في دفع مبلغ 335 مليون دولار تعويضا لعائلات أمريكية من ضحايا هجمات شنها تنظيم “القاعدة” على سفارتي واشنطن في كينيا وتنزانيا عام 1998. وأتى الاتفاق على دفع هذا المبلغ في إطار اتفاق يرفع بموجبه السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب في العالم وهو ما سيساعد في عودة الاستثمار الأجنبي وتحسين ظروفه الاقتصادية الصعبة. تم ذلك الدفع، رغم أن محكمة أمريكية أقرت بأن لا علاقة للسودان بالحادثة، وأيضا لم تتدفق استثمارات بطبيعة الحال. وفي الظروف الطبيعية فحتي هذه المعاملات يمكن أن تؤدي طبيعيا لخفض التعاملات بينهما لأدني درجة مثلا، ولكن أن تمارس عمليا زعزعة أوضاع السودان والعمل علي تشظيه فهذا يؤدي بالضرورة لرفض الشعب السوداني لذلك بل ونفوره من أي تقارب مع هذه الدول والإتجاه شرقا مثلآ.
بعد الثورة ، تقلد أولا السيد جون قودفري منصب السفير الأمريكي لدي السودان من ٢٤ أغسطس ٢٠٢٢م إلي ٢٣ فبراير ٢٠٢٤، وكان بالخرطوم حتي نشوب الحرب، بخلاف السيد بيرتيلو الذي لم يزر السودان حتي الآن، وهو مبعوثا خاصا له، رغم وجود سفراء دول عظمي في بورتسودان حاليا. تلي السيد قودفري السيد دانيال روبنشتين، قائما مؤقتا بالأعمال حتي مايو ٢٠٢٤م، الذي تلته السيدة كولين كرينويلج قائمة مؤقتة بالأعمال حاليا. هذا ربما يمثل الوجه الأول. أما الوجه الآخر فبدأه السيد فولكر بيرتس، الألماني، مبعوثا خاصا للأمين العام للأمم المتحدة للسودان. تتوهم أمريكا وبريطانيا وغيرهما و”القوي الدولية المخفية”، أن إحتوائها لسودانيين في أعلي كراسي الحكم أو غيرها يمكن أن يجعلها تستعمر الشعب السودان. وأمثلة لذلك: عبر السيد فولكر بيرتس، الألماني، والمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة دعم الانتقال الديمقراطي. والذي أعتبر شخصا غير مرغوب فيه لإتهامه بالانحياز والتركيز على القضايا السياسية وتجاهل تنفيذ التفويض الممنوح للبعثة بإهماله المسائل ذات الصلة بدعم السلام والمساعدة في الانتقال والتحضير للانتخابات. ومن هذا الإنحياز، فبدلا عن حل الدعم السريع كمطلب شعبي رئيسي عند الثورة، تم الدعم للموافقة علي تولي محمد حمدان دقلو في منصب نائب رئيس مجلس السيادة ورئيس مؤتمر جوبا ومآلاته ورئيسا للجنة الإقتصادية ود. عبد الله حمدوك نائبا له. وأدي هذا الدعم العسكري والسياسي لتضخم مبالغ فيه للدعم السريع سياسيا وعسكريا وماليا. تبع ذلك تبنيه ودعمه ل “إتفاق بعضهم الإطاري” ومآلاته السالبة، ثم نشوب الحرب لتنفيذ مؤامرة خبيثة مدعومة خارجيا تستهدف وجود السودان وأهله وتغييره ديمغرافيا. ويبدو أن الدعم السريع أستغل هنا بديلا لتدخل عسكري خارجي مباشرة بدعمه بمعينات عسكرية وبمرتزقة وسياسيا أيضا لدرجة مبالغ فيها. وتابع الشعب السوداني أيضا أدوارا للاتحاد الأفريقي الذي ساعدت لجنته مع فولكر في تقديم الاتفاق الإطاري الذي يعتقد بأنه من أسباب اشعال الصراع الذي قاد لهذه الحرب. ويتابع الشعب السوداني أيضا الدعم العسكري الأماراتي عبر تشاد وغيرها، ودعمها سياسيا لموقع قائد الدعم السريع وقوي سياسية بعينها داخليا، وعبر منظمات أفريقية، مما أمكن معه تلقيبهما ب “اتحاد شخبوط الأفريقي”، و”منظمة إيغاد شخبوط” لدور الشيخ الأماراتي “شخبوط”. وكل ذلك وغيره وثقته الأمم المتحدة ومسؤولون أمريكان وغيرها، وتم أخيرا قبول طلب السودان الموثق تماما والرصين كمستند لدي مجلس الأمن الدولي، ولن يتوقف الأمر إلا بالحساب القانوني بطبيعة الحال. وطبيعيا، فلا يعقل أن ينسي الشعب السوداني هذه المواقف جميعها.
وبعد رفض وإنهاء وجود السيد فولكر بيرتس وربما لصعوبة أن يأتي ممثلا آخرا للأمين العام للأمم المتحدة ليواصل المؤامرة علي السودان، يبدو أن المهمة تحولت ليتولاها مسؤولون أمريكان مباشرة، فكان تعيين السيد توم بيريلو المبعوث الأمريكي الخاص الحالي.
الشاهد أن الأنموذج الذي تم تبنيه بواسطة السيد فولكر، وتضخيم الدعم السريع و”اتفاق بعضهم الإطاري” ومآلات الواقع لحرب، يكرره السيد توم بيرييلو حاليا، والذي لم يزر السودان منذ تعيينه في ٢٦ فبراير ٢٠٢٤ لتنسيق السياسات الأمريكية بالسودان. والشاهد أن السيد توم بيرييلو، يتعامل هنا بعقلية “بريمر العراق”، وهذا أكثر سلوك يجمع الشعب السوداني علي كراهيته. فقد زار أوغندا وأثيوبيا وكينيا وجيبوتي ومصر، كما اجتمع مع نظرائه الأفارقة وفي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ولم يزر السودان حتي الآن. وشاع أنه وبعقلية “بريمر العراق” إشترط السيد بيرييلو لقدومه للسودان أن لا يغادر مطار بورتسودان، وأن يكون هناك تحت حماية المارينز فقط، وأن يأتيه رئيس مجلس السيادة السوداني في المطار للإجتماع به. وشاع حينها أن رد الحكومة السودانية عليه كان تساؤلها عن سبب زيارته للسودان أصلا؟ وحدد السيد برييلو موعدين لاستئناف المفاوضات، وهو الثامن عشر من أبريل، والأول من مايو ٢٠٢٤م ط، وطبيعيا لم ينجح في ذلك. وزار كثيرا من دول الجوار وألتقي بسودانيين موقفهم المتناغم مع خط السيد فولكر والأمارات معروف وغير مرضي عنه من قبل الشعب السوداني. ومثال واحد فقط لذلك هو تصريح د. عبد الله حمدوك، المقيم بالأمارات، لصحيفة ذا ناشونال التابعة لحكومة ابوظبي الذي برأ فيه الإمارات من تهمة المشاركة في الحرب في السودان، وذلك رغم أن التقارير الدولية والمنظمات العدلية وحقوق الإنسان والمنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان وثقت تورط الإمارات بشكل واضح في دعم مليشيا الجنجويد. وكان السيد بيرييلو قد نصح أيضا تنسيقية القوي الديمقراطية المدنية “تقدم” مؤخرا بإستبعاد أعضاء فيها من المليشيا المتمردة حتي يسهل عليهم قبول “تقدم” عند تسويقهم لها لدي المجموعات الدولية. وحتي في ما تلي ذلك من أيام، ففي الوقت الذي تقف فيه بعض وجوه تنفيذية أمريكية، مثل مندوبة أمريكا في الأمم المتحدة، منددة بفظائع الدعم السريع، وورد في الأخبار أن عضو الكونجرس الأمريكي سارا جاكوبس كشفت أنها تقدمت بمشروع قانون لقطع مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى الإمارات العربية المتحدة، قائلة في تغريدة لها: “ان أسرع الطرق لإنهاء الحرب في السودان هي أن تتوقف الإمارات عن تسليح قوات الدعم السريع”، مع ذلك، يقف الوجه الآخر المخفي للولايات المتحدة الأمريكية، ممثلا في مبعوثها الخاص السيد بيرييلو، الذي قال في تصريحات تلفزيونية أن ايقاف الإمارات من مساندة الدعم السريع (مرهون) بإيقاف الجيش من تلقي المساعدات من روسيا وإيران. هل يشير ذلك إلي إثبات دور أماراتي ومدعوم أمريكيآ في دعم الجنجويد؟ وأن دور الأمارات الداعم للحرب ومآسيها مرضي عنه عندهم؟ ولربما لفشل الجنجويد في إنجاح المؤامرة علي وجود ووحدة السودان، فتالياً، هدد السيد توم بيرييلو بإرسال قوات دولية الي السودان اذا رفضت القوات المسلحة السودانية التراجع عن شرط إخلاء منازل المدنيين والاتفاق مع مليشيا الدعم السريع. وهذا الإخلاء، هو الشرط الذي تبناه الفرقاء والوسطاء في منبر جدة في مايو ٢٠٢٣م وبرعاية أمريكية، وعجز هذا الوجه الأمريكي عن تنفيذه، وربما الأسلم أنهم لم يريدوا تنفيذه أصلا ، وإلا لماذا أقاموا منبر جدة أصلا؟ ثم ويأتي تهديد السيد بيرييلو بالتدخل الخارجي هذا مباشرة بعد قول الرئيس الأمريكي في كلمته للمسلمين بمناسبة عيد الأضحي أن إدارته تسعي لإيجاد حل سلمي للنزاع المروع في السودان. وجهان؟!!!. وبديهيا، ولأن الأنموذج والممارسة تبدو متشابهة بين السادة فولكر بيريس وتوم بيريلو، فالتساؤل الطبيعي هو هل السيد بيريلو ممثلا للوجه الآخر، مجموعة فرض عملية “إتفاق فولكر الإطاري”، و”الدعم السريع بديلا عن القوات المسلحة السودانية”؟ وفي هذا الصدد نتذكر أيضا أنه قد تمت محادثة بين السيد أنتوني بلينكن والسيد البرهان، رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش، بعد غياب دام حوالي عامًا كاملًا بينهما. تم انتقاد طريقة حديث السيد بلينكن ومنهم السفيرة الأمريكية سوزان بيج، التي اعتبرتها غير لائقة، وقالت أنه كان يجب أن يتحدث بشكل أكثر احترامًا. تمت المحادثة لمناقشة عودة المفاوضين السودانيين إلى جدة لمواصلة المحادثات بشأن وقف الحرب. وكان رد الحكومة السودانية صادما لهم. السؤال هو هل يمكن أن يكون السيد بلينكن يمثل الوجه الثاني المخفي في هذا السياق؟
أما بريطانيا، فيكفي هنا الإشارة لدورها في تجميد شكوي السودان ضد الأمارات في مجلس الأمن ك “صاحب قلم”. و”صاحب قلم” هذا مما يمقته الشعب السوداني وسيسعي لإزالته. ومعلن أنه تم إجراء محادثات غير رسمية في أديس أبابا لبحث اتخاذ إجراءات قانونية ضد الإمارات بسبب دورها في القتال بالسودان. وأكد الدبلوماسيون الأفارقة أن بريطانيا تحاول إثناء الدول عن إدانة الإمارات. وأيضا معلن أنه تم تقديم خيار الاستقالة أو الإقالة للسفير البريطاني في السودان بسبب دعمه المالي لجهة سياسية محددة، (تقدم)، وتضليله للخارجية البريطانية بتقارير غير دقيقة حول الوضع في السودان. ألا تظهر هذه الأمثلة القليلة أن لبريطانيا دوراً سلبياً آخر مخفي تجاه الشعب السوداني. أما مواقف الإتحاد الأوربي السالبة تجاه الشعب السوداني، وعبر وجوه مختلفة، هي معلومة لدي الشعب السوداني رغم تدثرها بيافطات مثل حماية المواطنين، والدعم الإنساني ودعم الديمقراطية وأمثالها.
عموما، ربما يستغل الوجه الغربي الآخر هذا، القدرات المالية للأمارات، وتنتفخ هي زهوا بحجم أكبر كثيرا من واقعها الفعلي، مساحة وعدد سكان وهشاشة أمنية، بتطبيق المطلوب منها عسكريا عبر جارات السودان، وسياسيا عبر منظمات أفريقية وغيرها، بل وربما عبر طموحات بعض السياسيين السودانيين. وعند تضارب المصالح، لن يكون مستغربا، يوما ما، إن أطاح هذا الوجه الغربي بهذه الرؤوس الإقليمية من كراسي حكمها واستبدلها بوجوه ربما يتصور إمكانية القبول بها في المنطقة، وذلك لإصلاح ما تم إفساده بواسطة حكام وساسة اليوم. ويتوقع ألا يقبل الشعب السوداني بأقل من ذلك. وأيضا المتعاونون يعلمون بمصير أنطوان لحد وأيضا التعلق في طائرات المغادرة. ورغم ذلك، فإن كل هذا مرئي ومتابع وغير غائب عن وعي الشعب السوداني، وطبيعيا يتوقع مجابهته له بما تيسر ويتيسر له، والتاريخ لا يرحم.
المعلوم أن القوات المسلحة هي العمود الفقري للدول عامة. وحاليا، فإن دعم القوات المسلحة السودانية فرض يجب علي كل مواطن سوداني أداءه ولو بأقل مما يتيسر له، ولو بدعاء صادق متواصل. في المقابل، يؤكد الواقع اليوم أيضا، أن بقايا قوات الدعم السريع أصبحت عمليا عصابة نهب مسلح لا أكثر. وبإرتكابها لجرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا يستغرب معها الرفض الشعبي الواسع لوجودها مستقبلا، لا عسكريا ولا سياسيا. وذلك لأنها أصبحت غير مؤتمنة لا علي سلامة الوطن ووحدته، ولا علي سلامة مواطنيه وممتلكاتهم. ولا بد من المحاسبة الشفافة العادلة، وجبر الضرر وجبر الخواطر. كما أنه ليس من أهداف الثورة أصلا شرط إستمرار من أفرزتهم الثورة بدءا لقيادتها بلا إنتخابات. وطموح الشعب السوداني هو التأسيس للدولة السودانية المدنية الآمنة العادلة المزدهرة المأمولة. ومقترحي أن يشارك كل الشعب السوداني، كل في مجاله، بإعطاء الخبز لخبازه. ومزيد من التفاصيل لهذه المقترحات يمكن الحصول عليها من صحف الراكوبة وسودانيل تحت عناوين :
= مؤتمر أهل السودان ٣: لدولة مدنية، ديمقراطية الحكم.
= إعادة تعريف الجبهة الداخلية جغرافيا كأساس للتخطيط الاستراتيجي للأمن القومي السوداني..
وهذا جهد المقل لمواطن من حوالي ٤٠ مليون سوداني، فكيف إذا تضافرت جهودهم جميعا؟
ختاما، يروي التاريخ قصصا يفترض تعلم العبر منها، فنجد أمثلة مثل قصة قتل قابيل لهابيل رغم عدم وجود إلا قلة من أبناء سيدنا آدم علي الأرض كلها؛ وقصة أدولف هتلر الذي دمر ألمانيا بتصرفاته السلبية ولو كان قد تبع أنموذجا إيجابيا لسادت ألمانيا العالم الآن بلا منازع؛ كما نجد أمثلة على القوى العظمى التي تضمحل كثيرا مثل الإمبراطورية التي أصبحت تابعة لأمريكا. ألا يجب علي شعوب العالم أن تتعلم من مثل هذه القصص وتتجنب الأخطاء البشرية التي ارتكبها الآخرون.
وآخر قولي مثل ما قلت أولا، في البدء كان الحلم الأمريكي. بديلا لاستمرارها، والشعوب الغربية، في قيادة وريادة شعوب العالم لحكمتها وقيمها الراقية وعدلها ومساعداتها في نهضة الشعوب، لماذا تستمرئ الولايات المتحدة الأمريكية ودولا غربية الإستمرار في تقمص شخصية المستعمر، زعيم المافيا، كثيف التسليح، وقد أدي ذلك إلي رفض الشعوب لهذه الممارسات، بل ونفرت، وستنفر، منها ولو شرقا؟ وماذا تتوقع هي كمحصلة نهائية لتفعيلها هذه الذهنية؟
ولله في خلقه شؤون.
يعدلا عليكم في الدارين

  • نشر سابقا في الواتساب في ٥ يوليو ٢٠٢٤م.

عن د. عادل الخضر أحمد بلة

شاهد أيضاً

لا لجلد الذات .. كن واثقا وإيجابيا.. فالنصر لاح .. بقلم: د. عادل الخضر أحمد بلة/ معاشي ، جامعة الجزيرة

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الشاهد أن الأحداث تتفجر تباعا وتظهر …