صديق الزيلعي
كتب الصديق والزميل أمير زين العابدين نور الدائم مقالا موضوعيا، عرض فيه ما طرحه الحزب الشيوعي من رؤية لقضايا الحرب والسلام، وقارنها برؤية صمود لنفس القضايا. وحلل الرؤيتين، مبينا أوجه الاتفاق ونقاط الاختلاف. وتوصل الى ان رؤية الحزب الشيوعي هي الاصوب، لأنها تعتمد على الجماهير. وأعلن انه يتفق معها ويدعمها. وهذا المقال يناقش عدم واقعية الطرح الذي قدمه الحزب الشيوعي، خلال سنوات، ويشيد بالتغيير الذي بدأ مؤخرا في موقفه.
أبدأ بالإشادة بأسلوب الزميل في الحوار الهادئ والاعتماد على مقارنة الاطروحات المقدمة، وعدم التعجل في اصدار احكام مبتسرة، حول قضايا معقدة، مثلما يحدث من الكثيرين. وسأطرح نقاط اختلافي معه ، وادعو لرؤية تفهم الواقع الراهن في بلادنا، وتحدد منهجا منطقيا، لاخراج بلادنا من هذه الكارثة.
اتفق مع رأي الزميل أمير في انه ركز على مناقشة ما هو مطروح الآن كحل للازمة، التي تعاني منها بلادنا وشعبنا. ولم يلجأ للمقولات الشائعة، باننا لن نتحالف معهم لانهم هبوط ناعم، وينفذون سياسة المؤسسات المالية الدولية، وانهم تنكروا، تماما، لبرنامج الثورة الاقتصادي، وقتلوا الشباب في الشارع، وغيرها، مما يثار، باستمرار، خلال أي نقاش عن قضية ايقاف الحرب. وهي قضايا من السهل الرد عليها، وتفنيدها. لكن الدعوة حاليا لضرورة توحيد الصوت المدني، بمختلف آليات التنسيق أو التشبيك أو الطرح الموحد، لمخاطبة العالم بخطاب مدني واحد. خطاب يدعو لإيقاف الحرب، ومعالجة جذور مسبباتها، وإقامة حكم مدني انتقالي، يفتح الطريق لديمقراطية راسخة.
توقف أمير في محطة صمود، مثلما يفعل اغلب الزملاء، عند مناقشة قضية الحرب. ولكن الجهد المدني توسع، وظهر اعلان المبادئ السوداني الذي تم توقيعه، في نيروبي، في مايو 2026. وشمل بالإضافة لتحالف صمود، حركة تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبد الواحد محمد النور، وحزب البعث الأصل. ثم جاء لقاء أديس ابابا ليشكل اكبر مظلة مدنية سودانية، تحت اسم القوي المدنية المناهضة للحرب وغير المنحازة لاي من طرفيها، بمشاركة حزب المؤتمر الشعبي وحزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل، وعدد من منظمات المجتمع المدني.
يلخص الزميل أمير رؤية الحزيب الشيوعي في الفقرة الآتية:
” تضع مبادرة الحزب الشيوعي «استعادة دور الحركة الجماهيرية» في صدارة مشروعها، وتنطلق من أن وقف الحرب واستعادة الثورة يمران عبر «الحراك الجماهيري الواسع وتنظيم الجماهير»، وصولاً إلى «وحدة جماهيرية قاعدية عميقة». وتدعو المواطنين في مواقع النزوح والريف والحضر واللجوء إلى تنظيم أنفسهم وتحديد مطالبهم وموقفهم من الحرب، باعتبارهم أصحاب المصلحة المباشرة في وقفها والتغيير”
وأيضا كتب الزميل أمير:
” في مبادرة الحزب، يفترض أن يبدأ المسار بتنظيم أصحاب المصلحة أنفسهم، وصياغة مطالبهم وربط تنظيماتهم وبناء قوتهم الاجتماعية، بحيث يصبحون قادرين على فرض وقف الحرب والتأثير في شكل السلطة اللاحق”.
اتفق مع الزميل أمير بان استعادة دور الحركة الجماهيرية، هو الأساس. هذا صحيح مبدئيا، وفي الظروف العادية. لكن طرحه الآن، كواجب فوري وكأساس لإيقاف الحرب، هو كلام نظري مجرد، وبعيد عن الواقع المعاش في السودان، في ظل سلطتي الأمر الواقع. وذلك لعدة أسباب:
• أهم سبب ان جوهر الماركسية هو التحليل المحدد للواقع المحدد، وليس القفز، فوق المراحل، لآفاق مستقبلية بعيدة. فالواقع المحدد الآن هو حرب مدمرة، وشعب يعاني من المجاعة، وانعدام ابسط الضرورات. لذلك تصبح الأولوية لحق الحياة، قبل كل شيء.
• شهد العالم مئات عمليات السلام في كل القارات، تم فيها تحقيق السلام بواسطة قوة دولية خارجية، فمثلا تمت اكثر من ثلاثين عملية سلام من الأمم المتحدة لفض النزاعات المسلحة، في افريقيا.
• بناء حركة جماهيرية قوية وموحدة يحتاج لفترة طويلة، حتى تكون لها القدرة على فرض أي موقف على اطراف النزاع المسلح. فقد صارعنا لثلاثين عاما لنبني حركة جماهيرية قوية لإزاحة البشير عن السلطة.
• هذا الطرح يتجاهل الاحتياجات الملحة للجوعى والمرضى والنازحين (داخليا وخارجيا)، حتى نبني الحركة الجماهيرية الموحدة، القادرة على فرض شروط التغيير. ونقول، ما أكدته تجارب العالم من حولنا، ان المجتمع الدولي، بكل آلياته ووسائل ضغطه العنيفة وغير العنيفة، هو من سيحقق إيقاف الحرب.
• هل سيكون السودان، كما نعرفه، عندما تكمل حركتنا الجماهيرية من بناء تحالفها القاعدي، داخل السودان، أم سيتحول، بلدنا، الى دويلات فاشلة يحارب بعضها البعض. وحينها تكون واجبات التحالف القاعدي، المشتت بين تلك الدويلات، القيام بمهام أخرى أكثر صعوبة من الآن.
• هل سيقوم التحالف القاعدي بإعادة بناء ما دمرته الحرب، أم سيلجأ للمجتمع الدولي.
.
يطرح الزميل أمير سؤالا مركزيا وهو:
” السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: كيف تتوقف الحرب؟ وإنما: من يصنع السلام، ومن يمتلك القوة التي تحدد شروطه؟
لكنه أجاب بطريقة تقفز عن أولوية إيقاف الحرب. كما لم يتعرض لطرح القوى المدنية (حسب وثائقها المجازة في نيروبي وأديس ابابا) ان عملية السلام يجب ان تبدأ، بشكل مواز، مع عملية إيقاف الحرب، وليس بعدها. لأنها اذا تركت بعد إيقاف الحرب، ستحدد اطراف الحرب، شكل النظام السياسي الذي سيعقب الحرب. كما اكدت القوى المدنية، ان الحوار السياسي هو عملية سودانية بالكامل. وان دور الخماسية هو التسهيل فقط للعملية السياسية.
موقف الحزب الشيوعي
حديث الزميل أمير هو موقف الحزب الشيوعي، خلال سنوات الحرب، ولكنه يتناقض مع التغيير الذي تم في الموقف، وتمثل في مذكرة الحزب الشيوعي الى الخماسية، التي قدمها الزميل صالح محمود والزميل آدم شريف، في يونيو الماضي. التي ذكرت بالحرف، ما يلي:
” ان نجاح اي مسار سياسي يتطلب وقف الحرب وأشراك القوي التي قادت ثورة ديسمبر 2018″.
وما كتبه الزميل أمير كان موقف الحزب الشيوعي، فعلا، طوال فترة الحرب، وتكرر ذلك الموقف، وعبر عنه بوضوح عبر هجومه المستمر والمتواتر على المجتمع الدولي، و على الذين يتحاورون مع المجتمع الدولي للمساعدة في ايقاف الحرب.
وأيضا ما ورد في مانشيت جريدة الميدان الصادرة بتاريخ 15 أكتوبر 2026، ما يلي:
الجذري للخماسية: وقف الحرب وحل شامل بلا محاصصات.
جاء في داخل العدد: كثف تحالف قوى التغيير الجذري اتصالاته مع ممثلي الخماسية بشأن الأزمة السودانية، في خطوة تستهدف الدفع نحو تنسيق أوسع حول انهاء الحرب وفتح مسار سياسي يقود الى انتقال مدني ديمقراطي في البلاد”
وقد كتبت عندما قدم الحزب خطابه للخماسية في يونيو ،2026 مقالا بعنوان:
” خطوة للأمام واخري للخلف” هذا نصه:
قدم وفد من الحزب الشيوعي مذكرة الى الخماسية، التي تتكون من الاتحاد الافريقي والأمم المتحدة والجامعة العربية والايقاد والاتحاد الأوربي.
يناقش هذا المقال، في قراءة موضوعية هادئة، الجوانب الإيجابية، والسلبية في هذا الموقف.
أبدأ بالجانب الإيجابي في المذكرة:
أهم الجوانب الإيجابية هي:
- الالتقاء بالخماسية وتقديم رؤية مكتوبة في سبيل الوصول الى وقف الحرب. ويأتي هذا الموقف بعد ممانعات ورفض لدعوات الجلوس، ورفض الجلوس مع الكتل والجلوس فقط مع أحزاب منفردة، وهو ما لم يحدث. ورفض كل الدعوات الدولية وآخرها لقاء جيبوتي. بالإضافة للحملة الإعلامية والسياسية، التي قام بها الحزب على المجتمع الدولي، وكيله الاتهامات له، واتهامه للقوي المدنية الأخرى بالتعامل مع المجتمع الدولي.
- الترحيب بجهد الخماسية لوقف الحرب.
- طرحت المذكرة مقترحات جيدة، تمركزت حول محورين هما: الأمني والسياسي.
- الدعوة لانعقاد مؤتمر دستوري قومي يضم ممثلي الشعب السوداني عبر احزابهم السياسية ومنظماتهم المدنية والأهلية.
أهم الجوانب السلبية: - غياب آليات تنفيذ واضحة، وهو أمر تكرر في كل بيانات الحزب منذ اندلاع الحرب، وأهمها المبادرة التي طرحها الحزب قبل فترة طويلة. فالطرح هو مطالبات، معممة، وغير معروف من ينفذها، وكيف ينفذها. وورود كلمات مثل: التأكيد على، ضرورة، نري وغيرها.
- لا توجد إجابة واضحة هل سينفذ الحزب مطالباته لوحده، أم سينفذها تحالف، وممن يتكون هذا التحالف؟
- هل ستشارك احزب أخرى في هذا التحالف، وهل مشاركتها تستدعي الجلوس معها، والتحاور للوصول لرؤية مشتركة، ورأي جماعي أم سنخاطبها بالبيانات الاسفيرية؟
- هناك اجماع داخلي وخارجي على ان الشعب السوداني هو المسؤول الوحيد عن الحل السياسي، كيف نعالج الانقسامات والتخندق الموجود حاليا، حتى نصل للرأي المدني المتفق عليه؟
- دعا الحزب، في مذكرته، لانعقاد المؤتمر الدستوري في نهاية الفترة الانتقالية، بمشاركة ممثلي الشعب السوداني عبر احزابهم السياسة ومنظماتهم المدنية. هذا جيد، ولكن اذا كانت هذه القوى ستقرر مصير ومستقبل السودان، عبر الأطر الدستورية، اليس من التناقض الا تعمل هذه القوي الآن، بأي شكل من أشكال التنسيق، لإيقاف الحرب المدمرة؟
- ما ورد في المذكرة هو تطابق حرفي مع ما قررته ورشة نيروبي، التي تم دعوة الحزب لها، ورفض الحضور، رغم تأكيد الجهة المنظمة أن له الحق في الحضور وطرح تصوره، للآخرين، واقناعهم به. وله الحق الكامل الا يوقع على المخرجات، اذا لم يتفق معها.
هذه باختصار، ملاحظات، ودعوة لحوار شفاف وجاد ومسؤول، حول كيفية وقف الحرب.
