في الصباحات الماطرة، كانت أمي تشملنا بدفئها. تمتلئ معدتنا برائحة الطماطم والدكوة والبصل المكرمل. كنا نسقط في قاع المطر، ونركض بين الغرف نبحث عن قطرات مطر زائغة، عبثت بنافذة أو تطفلت على فراش أو وسادة من ثقب في الباب. وإن صادفنا واحدة، أعدو إلى أمي وأخبرها باكتشافي العظيم. تبتسم، وفي معيتها سطل من البلاستيك، وتقول بنبرة مازحة: «خليه يتلقى الموية»، واضعةً إياه بمحاذاة نقاط الماء. أجلس على الأرض وأراقب في صمت.
تمر الدقائق، ورائحة السخينة تملأ البرندة، وأمي ترشف الشاي السادة على مهل، وقطرات من ندى عرقها تزين جبينها، وتلمع على ألسنة الشرار المتطاير من المنقد.
أمي كانت تعيش على مهل. لم تكن تستعجل الصباح، ولا الطعام، ولا الأحاديث. كان للأشياء وقتها، وكانت تمنح كل شيء نصيبه من الحضور. لم تكن تعرف أن تلك التفاصيل الصغيرة التي عاشتها بعفوية ستصبح يومًا ما كل ما أبحث عنه حين أشتاق إليها.
كانت لأمي صديقات يشبهنها كثيرًا. تضحك بصحبتهن، ويضحكن بصحبتها. كنت أجلس بينهن فلا أكاد أميز بينهن وبين أمي؛ كنّ يمنحنني من الحنان والدلال ما يجعلني أشعر أنهن جميعًا أمهات لي.
أفتقد صديقة أمي «خالتو سعاد». كانت تمنحني دلالًا خاصًا، تدعوني «موني»، وتقبلني على خدي، فأحني رأسي على صدرها. ضحكتها تمر على تعريشة أمي بروية وحب، وعطر حديثها يفيض حنانًا. رحمها الله وأحسن إليها.
ولأمي صديقة لطيفة رقيقة، «خالتو نور»، تشاركني حب القطط. أذكر أنني ذات صباح، سمعت طرقات على الباب، فعدوت بخفة لأفتحه وأستقبل صديقة أمي؛ فصباحاتنا كثيرًا ما كانت تبدأ بزيارة إحداهن. وجدتها خالتو نور، وفي يدها كرتونة متوسطة الحجم. ابتسمت في وجهي وقالت: «جبت ليكي حاجة سمحة». حملت الكرتونة، فإذا فيها «ميمي»، قطة تحمل في أحشائها «بيبسي وميرندا وفانتا»، أبناءها الذين ولدتهم في بيتنا لاحقاً. رحمها الله وأحسن إليها.
ولأمي صديقة نقية، «خالتو حليمة». تبتسم وتدعو في وقار. لا أذكر أنني رأيت لها تكشيرة، ولا أذكر أنها صاحبتني يومًا دون أن تسبقني بدعواتها. كانت تحب القطط والماعز والفراخ، وتحب الزهور، حتى إنها أسمت ابنتها زهور. رحمها الله وغفر لها.
كبرتُ بين أمي وصديقاتها. كنّ جزءًا من صباحاتنا، يدخلن البيت وهنّ من أهله، وتتعالى ضحكاتهن في البرندة والتعريشة والحوش. كنت أجد بينهن دلالًا يشبه دلال أمي، وألفة رقيقة تفيض بِشرًا مثلهن. كانت زياراتهن جزءًا من طفولتي، وحرارةً في الذاكرة كلما استعدتها عاد إلى قلبي بريقًا من فرحه.
في زمنهم، كان للحديث مجلس، وفنجان شاي، ولمّة قهوة، وربما ليلة كاملة من الأحاجي والدعوات. كانت الذاكرة دفتر الحفظ، وكانت التفاصيل تستقر فينا من كثرة ما نسمعها. نعرف الجيران، ونحفظ نبرات أصواتهم، ونتذكر ضحكاتهم وصمتهم، وتظل مواقف كثيرة منهم حاضرة في وجداننا.
علمتني أمي كيف أخيط ثوبًا، وأصلح آخر، وأعيد زرًّا سقط من مكانه. تعلمتُ منها كيف أغسل الخضار قبل تخزينه، وكيف أرتب الثلاجة، وكيف أترك لكل شيء مكانًا. ومنها فهمت كيف أستمع، وكيف أحكي، ومتى أصمت.
كنت أرافق أمي في تفاصيل يومها، وأتعلم منها أشياء كثيرة، لكنني لم أكن أفكر في كل ما كانت تنجزه خلال يومها. كيف تنتقل من إعداد الطعام إلى ترتيب البيت، ومن خياطة ثوب إلى تلبية حاجة أحد، وتجد وقتًا لكل ذلك، ثم تستقبل من يأتي بوجه بشوش وقلب متسع. لم أكن أرى في الأمر يومها ما يستحق الدهشة؛ فقد كان هذا هو يوم أمي، وكانت تمضي فيه على ومع ذلك الوقت يتسع لها ولنا.
كانت أمي حكيمة وذات قلب واسع، تمنح الجميع قلبها، وتجود دون حساب، وتنتظر السائل بلهفة. وحين يمر يوم دون أن يطرق سائل بابنا، تحزن وتبحث عن محتاج تهبه «ما فيه النصيب». عرفتُ منها أن العطاء واجب وحب، وأن البشاشة سلوك، وأن السعي في حل مشكلات الناس واجب مستحب. ومنها تعلمت أيضًا ألا أمرّ على وجع أحد كأنني لم أره، وألا أبخل بوقت أو جهد حين يحتاجهما غيري.
وحين غابت أمي، انطفأ ذلك العالم الفسيح المبهج؛ خبا شيء من زينة صباحاتنا، ومن ترف الضحك والغناء، ومن المعاني الكثيرة التي كانت تمنح بيتنا ألفته وبهجته.
ومرت الأعوام، وصرت أعيش في بيت لا تعرف أمي تفاصيله، ولا ترتب ثلاجته، ولا تصلح ما يتعطل فيه. لكنني كلما رتبت شيئًا على طريقتها، أو مددت يدي لمساعدة أحد، شعرت أن ما علمتني إياه ما زال حاضرًا. لقد علمتني أمي كيف أجعل من وجودي متسعًا لغيري، وكيف أعيش على مهل.
لكننا، مع تسارع الحياة، صرنا نلتقط الصور لكل شيء؛ للطعام قبل أن نأكله، وللشوارع والمقاهي والرحلات. نكدّس الصور في هواتفنا خشية النسيان، حتى باتت ذاكرتنا تستعين بها لاستعادة ما عشناه. نوثّق اللحظة بكل دقة، لكننا كثيرًا ما ننشغل بتوثيقها عن عيشها.
أمي كانت تعيش على مهل، ونحن كبرنا لنعيش على عجل.
د. إيمان المازري
