دكتور محمد عبدالله
لم يكن صعود اليمين المتطرف في أوروبا حدثاً مفاجئاً. فالأفكار التي تتصدر اليوم عناوين الصحف وصناديق الاقتراع ظلت لسنوات طويلة تتحرك في الهامش قبل أن تجد طريقها إلى المتن السياسي. والقارة التي خرجت من أهوال الحرب العالمية الثانية وهي ترفع شعارات التعددية والتسامح وحقوق الإنسان، تبدو اليوم وكأنها تعيد فتح أسئلة ظن كثيرون أنها حُسمت منذ عقود.
والمفارقة أن هذا التحول يحدث في وقت أصبحت فيه المجتمعات الأوروبية أكثر تنوعاً من أي وقت مضى. فالمهاجرون وأبناؤهم لم يعودوا مجرد وافدين جدد، بل أصبحوا جزءاً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، يدرسون في الجامعات نفسها، ويعملون في المستشفيات نفسها، ويشاركون في بناء الاقتصادات التي استقبلتهم. ومع ذلك يتزايد حضور خطاب يصورهم باعتبارهم عبئاً على المجتمع أو تهديداً لهويته.
لفهم هذه الظاهرة لا بد من النظر إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها أوروبا خلال العقود الأخيرة. فالعولمة التي خلقت فرصاً هائلة للنمو والازدهار تركت أيضاً قطاعات واسعة تشعر بأنها لم تنل نصيبها من هذا الازدهار. ومع تراجع بعض الصناعات التقليدية وارتفاع تكاليف المعيشة وأزمات الإسكان والخدمات العامة، أصبح من السهل على الحركات الشعبوية أن تقدم تفسيراً بسيطاً لمشكلات معقدة: تحميل المهاجرين المسؤولية.
وفي كثير من الأحيان يجد السياسيون في (الآخر) هدفاً سهلاً لتوجيه الغضب الشعبي نحوه. وهكذا يتحول المهاجر، الذي جاء باحثاً عن فرصة أفضل أو هارباً من حرب أو اضطهاد، إلى كبش فداء لأزمات لم يكن طرفاً في صنعها. ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتضاعف من تأثير هذه النزعة، إذ منحت الخوارزميات مساحة أوسع للمحتوى المثير للانفعال والخوف، على حساب الخطاب العقلاني المتزن.
وقد أظهرت الانتخابات البريطانية الأخيرة أن ملف الهجرة ما زال يحتل موقعاً مركزياً في الحياة السياسية. فعلى الرغم من اختلاف الأحزاب في رؤاها وبرامجها، ظل موضوع الحدود والهجرة حاضراً بقوة في النقاش العام. كما برزت قوى شعبوية بنت جانباً مهماً من خطابها السياسي على فكرة أن الهجرة تمثل التحدي الأكبر أمام المجتمع البريطاني. ولم يعد هذا الخطاب حكراً على الأحزاب الصغيرة، بل دفع أحزاباً تقليدية إلى التشدد في بعض مواقفها خشية فقدان أصوات الناخبين القلقين من التحولات الاقتصادية والديموغرافية.
لكن النقاش المشروع حول سياسات الهجرة يتحول أحياناً إلى شيء آخر. فحين يُختزل أفراد وجماعات كاملة في صور نمطية، أو يُنظر إليهم من خلال لون البشرة أو الأصل أو الدين، يصبح الطريق ممهداً لانتقال الخطاب من المجال السياسي إلى المجال الاجتماعي، ثم إلى الشارع.
ورغم ما تحقق من تقدم في مجال الحقوق المدنية، ما زال كثير من أصحاب البشرة السمراء في أوروبا وأميركا الشمالية يواجهون أشكالاً مختلفة من التمييز، بعضها صريح وبعضها أكثر خفاءاً . وتكشف شهادات وتجارب متكررة عن عقبات في فرص العمل والترقي المهني والتمثيل العام، فضلاً عن تعرض بعضهم لمضايقات لفظية أو اعتداءات جسدية تتصاعد عادة في أوقات التوتر السياسي أو الاقتصادي.
والأخطر من الحوادث الفردية هو المناخ الذي يسمح لها بالتكرار. فالتاريخ يعلمنا أن العنف لا يبدأ بالسلاح، بل بالكلمات. وكثير من موجات الاضطهاد الكبرى بدأت بخطاب يقسم الناس إلى (نحن)و (هم)، ويشكك في حق فئة معينة في الانتماء الكامل إلى المجتمع.
ومن هذا المنظور لا يمكن النظر إلى الحوادث العنصرية التي شهدتها مدن أوروبية مختلفة خلال السنوات الأخيرة باعتبارها وقائع منفصلة. فحين يتعرض مهاجر لاعتداء بسبب مظهره أو اسمه أو لون بشرته، فإن الأمر يتجاوز الفعل الفردي ليعكس مناخاً أوسع من الاحتقان والاستقطاب. وقد أعادت الحادثة الأخيرة في بلفاست، التي شهدت محاولة الاعتداء على مواطن أيرلندي، التذكير بالمخاوف المتزايدة من تحوّل خطاب الكراهية إلى عنف مباشر.
ومع ذلك، فإن اختزال صعود اليمين المتطرف في العنصرية وحدها لا يساعد على فهم الظاهرة. فثمة قطاعات من المواطنين تشعر بالفعل بأنها مهمشة اقتصادياً أو ثقافياً، وأن النخب السياسية لم تعد تنصت إلى هواجسها. وفي ظل غياب حلول مقنعة، تجد الشعارات الشعبوية أرضاً خصبة للانتشار، لأنها تقدم إجابات سهلة عن أسئلة معقدة، حتى وإن كانت هذه الإجابات غير واقعية أو غير قابلة للتطبيق.
وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فقد تواجه المجتمعات الغربية مزيداً من الانقسام والاستقطاب. فالتعايش لا يقوم على الخوف المتبادل، ولا يمكن للديمقراطية أن تزدهر في بيئة تتآكل فيها الثقة بين مكونات المجتمع. كما أن خسارة التنوع تعني خسارة أحد أهم مصادر القوة التي استفادت منها الدول الغربية خلال العقود الماضية.
ولا يكمن الحل في تجاهل مخاوف المواطنين، كما لا يكمن في التساهل مع خطاب الكراهية. المطلوب هو الجمع بين إدارة فعالة ومنظمة للهجرة من جهة، وحماية صارمة لقيم المساواة والمواطنة من جهة أخرى. كما أن معالجة جذور الغضب الشعبي تقتضي سياسات اقتصادية أكثر عدالة، واستثمارات أكبر في المناطق المهمشة، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات الديمقراطية.
في النهاية، لا يُقاس تقدم المجتمعات بطريقة تعاملها مع الأقوياء، بل بطريقة تعاملها مع المختلفين عنها. والتحدي الحقيقي الذي تواجهه أوروبا اليوم ليس عدد المهاجرين الذين يصلون إلى شواطئها، وإنما قدرتها على الحفاظ على القيم التي جعلتها، لعقود طويلة، نموذجاً للحرية والتعددية وسيادة القانون. فإذا انتصرت الكراهية، فلن يكون المهاجرون وحدهم الخاسرين، بل ستخسر أوروبا جزءاً من الفكرة التي قامت عليها أوروبا الحديثة نفسها.
muhammedbabiker@aol.co.uk
