باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 1 نوفمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. أمجد إبراهيم سلمان
د. أمجد إبراهيم سلمان عرض كل المقالات

أيمن يا حبيبي سلام عليك..

اخر تحديث: 1 نوفمبر, 2026 6:42 مساءً
شارك

أيمن يا حبيبي سلام عليك..

Contents
  • البدايات… من أم درمان إلى الزاوية
  • يوم غيّر حياة أسرة بأكملها
  • طفولة الاغتراب… حين يصبح الأخ صديقاً
  • من ليبيا إلى السودان… ثم بولندا
  • هولندا… سنوات النضج والعمل الحقوقي
  • كارديف… وطن صغير في المنفى الكبير
  • ثورة ديسمبر… حين يتجدد الأمل في العودة
  • أيمن الذي أعرفه… ما وراء السيرة العامة

يا مِسْكي و طيبي سلام عليك

ستون عاماً من الاغتراب، وأكثر من ثلاثة عقود من العطاء الإنساني والعمل العام

بقلم: د. أمجد إبراهيم سلمان

في منتصف العام 2020، تلقيت اتصالاً من العزيزين الدكتور محمد الشريف ، من مدينة بريستول البريطانية ، والأستاذة مرافي عبد العال ساتي من مدينة كارديف، يحمل مقترحاً جميلاً لتنظيم يوم تكريم مفاجئ لأخي الأكبر ، أيمن إبراهيم سلمان ، تقديراً لعطائه الكبير والمتجدد للجالية السودانية في مدينة كارديف ، منذ أن حطّ رحاله فيها عام 2003، قادماً من هولندا التي أمضى فيها ، هي الأخرى، سنوات حافلة بالعمل العام والنشاط الإنساني.

ولم يكن ذلك التكريم مجرد احتفاء بدوره في خدمة الجالية السودانية، بل كان أيضاً اعترافاً بمواقفه المبدئية ، وانحيازه الدائم للمبادرات الإنسانية والاجتماعية التي تخدم السودان وأهله ، وبالدور الذي اضطلع به في متابعة ونقل أخبار ثورة ديسمبر المجيدة واعتصام القيادة العامة، في واحدة من أكثر مراحل تاريخ السودان الحديث إلهاماً وأملاً.

وقد اتفقنا حينها على تنظيم الاحتفال إسفيرياً عبر منصة «زووم»، في ظل الظروف التي فرضتها جائحة كورونا. وأتيحت لي خلال ذلك اللقاء فرصة نادرة لاستعادة بعض محطات طفولتنا وشبابنا المشترك ، مستعيناً بأرشيفي الشخصي من الصور والذكريات التي امتدت عبر بلدان وقارات متعددة. وكان لذلك التكريم وقع طيب في نفس أخي أيمن، الذي اعتاد أن يعمل في صمت، بعيداً عن الأضواء ومنصات الاحتفاء.

واليوم ، وبعد أكثر من ست سنوات على ذلك اللقاء ، وجدت أن من واجبي أن أعود إلى تلك السيرة، لا لأكتب مجرد كلمات شكر لأخي العزيز ، وإنما لأوثق لتجربة إنسانية ثرّة، ولشخصية امتلكت من الصبر والعزيمة والثبات على المبادئ ما جعلها قادرة على تجاوز ظروف صحية قاسية، والمضي في طريق العطاء الاجتماعي والنقابي والحقوقي لأكثر من ثلاثة عقود.

وأكتب هذه الكلمات أيضاً لأنني أؤمن بأن من واجبنا أن نحتفي بالذين نحبهم وهم بيننا ، وأن نعترف بفضلهم وعطائهم في حياتهم، لا أن نؤجل كلمات الوفاء إلى مناسبات الغياب والرحيل.

البدايات… من أم درمان إلى الزاوية

وُلد أخي الحبيب أيمن مساء يوم الاثنين ، الثالث عشر من سبتمبر عام 1965 ، بمستشفى الدايات في أم درمان ، وكان الابن البكر لأسرتنا الصغيرة.

وبعد أشهر قليلة من ميلاده ، وتحديداً في بدايات العام 1966، ارتحلت الأسرة إلى مدينة الزاوية الليبية ، لتبدأ رحلة اغتراب طويلة لم يكن أحد يتصور أنها ستمتد ستين عاماً ، ولا تزال متواصلة حتى يومنا هذا.

ستون عاماً قضاها أيمن خارج السودان، متنقلاً بين ليبيا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا وهولندا وبريطانيا ، ولكن السودان ظل حاضراً في وجدانه، ومكوناً أصيلاً لشخصيته ، وهاجساً دائماً في اهتماماته ومواقفه.

ولعل من المفارقات المؤلمة في هذه السيرة أن أخي ظل طوال حياته يحاول الاقتراب من وطنه والعودة إليه، غير أن الظروف السياسية والاجتماعية و الصحية ، ثم الحروب التي توالت على بلادنا، جعلت الوطن يبتعد كلما ظن أنه بات أقرب إليه.

يوم غيّر حياة أسرة بأكملها

كان أحد أكثر الأحداث تأثيراً في حياة أيمن ، وفي مسار أسرتنا بأكملها ، إصابته بشلل الأطفال في عامه الأول ، في الثالث عشر من سبتمبر 1966 ، وهو اليوم الذي صادف عيد ميلاده الأول.

وقد ارتبطت الإصابة، بحسب ما ظل متداولاً في رواية والدينا ، بتلقيه التطعيم الروتيني ضد شلل الأطفال في ذلك اليوم. ومع ذلك ، فإن الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة بين التطعيم والإصابة يحتاج إلى توثيق طبي لا يتوافر لدينا اليوم.

كان وقع المرض قاسياً على والدينا ، فقد أصاب الشلل في بدايته معظم جسمه ، من الرقبة إلى الأسفل، قبل أن تتحسن حالته تدريجياً ، وتستقر آثاره ، بحمد الله ولطفه، في الرجل اليمنى وحدها.

ولم تكن تلك الإصابة مجرد حدث صحي عابر ، بل كانت منعطفاً حاسماً أعاد تشكيل حياة الأسرة وخياراتها المستقبلية ، وأسهم بصورة مباشرة في إطالة سنوات اغترابها ، سعياً وراء العلاج والرعاية الطبية التي كان أيمن يحتاج إليها.

وفي تلك السنوات، لم يكن علاج شلل الأطفال وتأهيل المصابين به بالأمر اليسير، خصوصاً بالنسبة لأسرة سودانية شابة تعيش بعيداً عن وطنها.

ولهذا السبب، يمّم والدي وجهه شطر تشيكوسلوفاكيا ، إحدى دول المعسكر الاشتراكي آنذاك ، حيث كانت العاصمة براغ ومراكز التأهيل والعلاج الطبيعي في منطقة يانسكي لازنيه تتمتع بسمعة طبية متميزة في علاج الآثار الحركية لشلل الأطفال، وإجراء العمليات الجراحية المصاحبة له.

وقد ساعدت التكلفة المعقولة نسبياً للعلاج على أن تصبح تشيكوسلوفاكيا وجهة متكررة للأسرة خلال سنوات طويلة.

وفي أواخر الستينيات، أمضى أيمن قرابة عام كامل في أحد تلك المراكز العلاجية، حتى إنه عاد إلى ليبيا متحدثاً باللغة التشيكية وحدها تقريباً ، بعد أن نسي كثيراً من مفردات العربية خلال إقامته الطويلة بعيداً عن الأسرة.

وما زلنا نستعيد هذه الحكاية بشيء من الدهشة والابتسام ، فهي تعكس قدرة الطفل المدهشة على التأقلم مع محيطه، حتى في أكثر الظروف قسوة.

وقد أسهم العلاج الطبيعي المكثف ، إلى جانب عدد من العمليات الجراحية الدقيقة ، بما فيها عمليات تثبيت بعض مفاصل القدم، في تحسين حالته الحركية بصورة كبيرة، وتغيير المسار المتوقع للمرض.

وإذا كانت تلك الإصابة قد تركت أثراً دائماً في جسده ، فإنها لم تستطع أن تحدّ من عقله المتّقد ، أو فضوله المعرفي ، أو إرادته الصلبة التي ستظهر لاحقاً في محطات كثيرة من حياته.

طفولة الاغتراب… حين يصبح الأخ صديقاً

جئت إلى هذه الدنيا بعد أيمن بنحو أربعة أعوام ، وقد علمت لاحقاً من والدتي أن أخاً آخر لنا كان قد توفي أثناء الولادة بين ميلادينا.

ولهذا ظل أيمن، في نظري، الأخ الأكبر الذي يسبقني بسنوات عديدة ، ليس في العمر وحده ، وإنما في التجربة والمعرفة والقدرة على اكتشاف العالم من حوله.

أمضينا طفولة حميمة في مدينة الزاوية، وكان للاغتراب أثره الخاص في توثيق علاقتنا. ففي ذلك الزمن ، لم تكن أعداد السودانيين في ليبيا كبيرة كما أصبحت لاحقاً ، وكانت الأسرة تمثل العالم الاجتماعي الأول لأطفالها، فيتحول الإخوة ، رغم تفاوت أعمارهم، إلى أصدقاء ورفاق حياة.

ومنذ سنوات طفولته المبكرة، ظهرت لدى أيمن ميول تقنية واضحة، فقد كان مولعاً بفك الأجهزة الكهربائية وإعادة تركيبها وإصلاح أعطالها ، كما أحب ميكانيكا السيارات حباً شديداً.

وأذكر أنه كان يمضي ساعات طويلة في محاولة فهم كيفية عمل محركات السيارات، وتنظيف المكربن ، أو ما كنا نسميه آنذاك «الكاربيراتور»، وهو الجهاز المسؤول عن مزج الوقود بالهواء في محركات السيارات القديمة.

ولم تكن تلك مجرد هوايات عابرة، بل كانت تعبيراً مبكراً عن عقل تحليلي ، وشغف عميق بفهم الأشياء من داخلها ، والبحث عن حلول عملية لمشكلاتها.

ومع ذلك، فقد اختار لاحقاً دراسة الرياضيات بكلية العلوم في جامعة الفاتح بطرابلس، وهي دراسة نظرية في معظمها ، وأرى اليوم، بعد كل هذه السنوات ، أنها لم تكن الأقرب إلى ميوله الهندسية والتطبيقية الواضحة.

ومن المفارقات التي تستوقفني كلما تأملت مسارات أفراد أسرتنا ، أن الرياضيات والفيزياء ظلتا ، بصورة أو بأخرى ، من أكثر العلوم قرباً إلى اهتماماتنا جميعاً ، رغم اختلاف التخصصات والمهن التي انتهينا إليها.

من ليبيا إلى السودان… ثم بولندا

في العام 1986، دفعتني ظروف تعليمية وسياسية معقدة إلى السفر للسودان لأداء امتحان الشهادة السودانية، بعد أن ألغى العقيد معمر القذافي ، الحاكم الليبي آنذاك ، تدريس اللغة الإنجليزية ضمن النظام التعليمي الثانوي.

وكان والدي ، الذي عمل معلماً للغة الإنجليزية قبل انتقاله إلى قطاع البترول ، يدرك جيداً أهمية هذه اللغة في التعليم الجامعي ، ويخشى أن يؤدي غيابها إلى تضييق فرصنا المستقبلية في الدراسة خارج ليبيا.

وهكذا بدأت مرحلة جديدة من حياتي ، قادتني من السودان إلى بولندا ، وأدت بطبيعة الحال إلى تباعد جغرافي نسبي بيني وبين أخي أيمن، بعد سنوات طويلة من الحياة المشتركة.

واستمر ذلك التباعد حتى العام 1992 ، حين قرر أيمن الالتحاق بي في بولندا ، بعد أن أكمل دراسته الجامعية في الرياضيات بليبيا.

وكانت تلك بداية مرحلة جديدة من علاقتنا الأخوية، امتزجت فيها روابط الدم باهتماماتنا المشتركة بالشأن السوداني والعمل العام.

وصل أيمن إلى بولندا حاملاً طموحاً علمياً جديداً، فدرس اللغة البولندية بجدية، ثم التحق بدراسة الاقتصاد ، رغبةً منه في تغيير مساره الأكاديمي والمهني.

وقد أمضى عدة سنوات في تلك الدراسة، قبل أن يكتشف أنها لا تلبي شغفه الحقيقي ، وأن اهتماماته التقنية والتطبيقية ما زالت أقوى من انجذابه إلى الدراسات الاقتصادية النظرية.

لكن تلك السنوات لم تذهب سدى، فقد شهدت بداية تبلور شخصيته في العمل العام.

أصبح عضواً فاعلاً في اتحاد الطلاب السودانيين في بولندا ، وأسهم في العديد من أنشطته ، كما وقف إلى جانبي ، ومعنا الأخ العزيز محمود فقيري الأخ الأصغر للناشطة اليسارية د. إحسان فقيري ، في تأسيس فرع المنظمة السودانية لحقوق الإنسان في بولندا ، الذي سجلناه رسمياً لدى السلطات البولندية في مدينة بوزنان و اجريت انتخاباتها في بدايات العام 1993 ، و كان أول رئيس منتخب لها الدكتور محجوب محيسي استشاري العيون المقيم حاليا في الدوحة.

كانت تلك تجربة مهمة بالنسبة إلينا جميعاً ، فقد كان السودان يعيش آنذاك تحت وطأة نظام سياسي شمولي ، تزايدت في عهده الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ، ووجد السودانيون في المنافي أنفسهم أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية للدفاع عن الحريات الأساسية ، ونقل ما يجري في بلادهم إلى الرأي العام الأوروبي.

وفي تلك المرحلة، بدأت تتشكل لدى أيمن قناعة سترافقه طوال حياته ، وهي أن العمل العام لا يقتصر على الخطابة والتنظيم السياسي ، بل يشمل أيضاً العمل التقني والإداري والتوثيقي ، الذي قد يبدو بعيداً عن الأضواء، لكنه يمثل العمود الفقري لأي نشاط مؤسسي جاد.

هولندا… سنوات النضج والعمل الحقوقي

في أغسطس من العام 1996، انتقلنا معاً إلى هولندا، في مرحلة كانت فيها الأوضاع السياسية والحقوقية في السودان قد بلغت مستويات بالغة السوء.

ولا تزال عالقة بذاكرتي أخبار اختفاء أحد زملائنا الأكبر سناً ، الدكتور عوض أمين ، من أبناء حي الشجرة بالخرطوم، وما بلغنا حينها عن إجباره على الانخراط في معسكرات الدفاع الشعبي والقتال في حرب الجنوب. و قضى عوض نحبه في الجنوب و تم اعلان وفاته غيابيا بعد اتفاقية السلام في العام 2005 بعد 9 أعوام فقده.

كانت تلك الحرب المدمرة قد أودت ، بصورة مباشرة وغير مباشرة، بحياة ما يُقدّر بأكثر من مليوني إنسان، وخلّفت جراحاً عميقة في المجتمع السوداني، لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.

وفي هولندا، شهد نشاطنا التطوعي والحقوقي تطوراً كبيراً، وإن اتخذ كل منا مساراً يتناسب مع اهتماماته وقدراته.

فقد انصرف أيمن بصورة أساسية إلى الجوانب التقنية ، من برامج الحاسوب والطباعة والإخراج الفني ، بينما انشغلت أنا أكثر بالعمل النقابي والاجتماعي والسياسي.

وبالتعاون مع مجموعة من الأصدقاء والناشطين السودانيين ، كان من أبرزهم الأخ العزيز عماد آدم بابكر ، والأستاذ عبد الوهاب همّت ،
، وآخرون من أصحاب العطاء المخلص ، أسهمنا في تأسيس لجنة طالبي اللجوء السياسي السودانيين في هولندا.

وقد اضطلعت تلك اللجنة بدور مهم في الدفاع عن حقوق السودانيين في الحصول على الحماية واللجوء السياسي ، وفي التعريف بالتدهور المريع لأوضاع حقوق الإنسان في السودان.

وكان أيمن المسؤول عن الجانب التقني في هيئة تحرير نشرة اللجنة التي حملت اسماً بالغ الدلالة: «حتى نعود».

وما أبلغ ذلك الاسم في التعبير عن وجدان جيل كامل من السودانيين الذين غادروا وطنهم مكرهين ، وظلت العودة حلماً يرافقهم في تفاصيل حياتهم اليومية.

ولاحقاً ، أسهم أيمن في تصميم وإخراج مجلة «السودان اليوم»، التي كانت لسان حال منظمة «سوا سوا» ، التي شاركنا في تأسيسها مع مجموعة من الأصدقاء، وفي مقدمتهم الأخ العزيز عماد آدم بابكر، الذي كان قلبها النابض ، وصديقه ورفيق دربه الأستاذ عبد الوهاب همّت.

كانت تلك المرحلة غنية بالتجارب والمبادرات التي حاولت أن تجمع السودانيين حول قضاياهم المشتركة، بعيداً عن الانقسامات السياسية والاجتماعية التي كثيراً ما أضعفت العمل السوداني في المهاجر.

ومن أبرز الفعاليات التي شاركنا في تنظيمها مؤتمر كبير عن السودان، عُقد في أواخر صيف العام 1999 بجامعة نايميخن الهولندية، وكان من أهم المتحدثين فيه المفكر والسياسي السوداني الراحل الأستاذ الخاتم عدلان.

وقد شكّل ذلك المؤتمر بداية معرفة بين أيمن والخاتم عدلان ، تطورت لاحقاً إلى صداقة شخصية متينة، خصوصاً بعد انتقال أيمن إلى بريطانيا.

وهنا أجد من المهم، وفاءً للحقيقة والتاريخ ، أن أوضح أن أخي أيمن لم ينضم قط إلى حركة القوى الجديدة الديمقراطية «حق»، لكنه ظل من أصدقائها المخلصين، ومن المساهمين في دعم نشاطها الإعلامي والتقني. و لكنه كان عضواً لفترة قصيرة في قوات التحالف السودانية بقيادة العميد عبد العزيز خالد.

وقد اضطلع أيمن أيضاً بدور أساسي في إخراج العددين الثالث والرابع من مجلتها الدورية ، كما كان ضيفاً متكرراً في منزل الأستاذ الخاتم عدلان في لندن ، يساعده في شؤون الطباعة والحاسوب والبرمجيات، حتى رحيل الخاتم المفجع في أبريل من العام 2005.

كانت تلك الصداقة تعبيراً عن جانب أصيل في شخصية أيمن ، فهو لا يشترط التطابق الفكري أو التنظيمي حتى يقدم العون لمن يؤمن بإخلاصهم وعدالة القضايا التي يدافعون عنها.

كارديف… وطن صغير في المنفى الكبير

في العام 2003، استقر المقام بأخي أيمن في مدينة كارديف ، عاصمة ويلز بالمملكة المتحدة، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته، امتدت لأكثر من عقدين حتى يومنا هذا.

وفي تلك المدينة، واصل مسيرته العلمية، وحصل على درجة الماجستير في تقنية المعلومات من جامعتها ، وهو التخصص الذي جاء أخيراً منسجماً مع ميوله القديمة وشغفه المتواصل بالتكنولوجيا.

ولعلني أرى في تلك الخطوة انتصاراً متأخراً لذلك الطفل الذي كان يفك الأجهزة الكهربائية في منزلنا بمدينة الزاوية، ويحاول فهم أسرار عملها ، قبل أن يجد ، بعد سنوات طويلة من الدراسة والهجرة، المجال الأكاديمي الذي يتوافق مع اهتماماته الحقيقية.

لكن الإنجاز الأكاديمي لم يكن سوى جانب واحد من تجربته في كارديف.

فقد أصبح أيمن، مع مرور السنوات ، أحد الوجوه الفاعلة في الجالية السودانية بالمدينة ، وأسهم في بناء وتطوير هياكلها الإدارية والتنظيمية، مستفيداً من خبراته المتراكمة في العمل التطوعي والنقابي، ومن معرفته التقنية الواسعة.

ولأن ظروف الحياة وتباعد أماكن الإقامة لم تتح لي فرصة معايشة تجربته اليومية في كارديف بصورة مباشرة ، فإن معرفتي بتفاصيل نشاطه هناك جاءت من خلال متابعتي المستمرة له ، ومن أحاديث الأصدقاء المشتركين مثل الأخ طارق السنوسي و الأخ حافظ عثمان ، وما كنت ألمسه من أثر عمله في مختلف المبادرات.

وقد تميز أيمن ، بحسب ما عرفته من تلك التجربة، بقدرته على الجمع بين التنظيم الإداري والتوثيق التقني ، وهي مهارات بالغة الأهمية في بناء مؤسسات الجاليات ، التي كثيراً ما تعاني من ضعف الاستمرارية ، وغياب الأرشفة، والاعتماد المفرط على الجهود الفردية.

وكان حريصاً على أن يترك وراء كل نشاط أثراً مؤسسياً يمكن البناء عليه ، لا مجرد مناسبة تنتهي بانفضاض المشاركين فيها.

ولعل هذا ما يفسر المكانة التي اكتسبها بين أبناء الجالية السودانية في كارديف ، وما دفع مجموعة من أصدقائه، في العام 2020 ، إلى التفكير في تكريمه ، تقديراً لسنوات طويلة من العمل المتواصل الذي لم يكن ينتظر عليه شكراً أو مقابلاً.

ثورة ديسمبر… حين يتجدد الأمل في العودة

كانت ثورة ديسمبر المجيدة واحدة من المحطات التي أعادت إشعال الأمل في نفوس السودانيين بالداخل والمهاجر ، وأخي أيمن لم يكن استثناءً من ذلك.

فقد تابع أحداثها باهتمام بالغ، وكرّس كثيراً من وقته وجهده لنقل الأخبار والمعلومات المتعلقة بالحراك الشعبي واعتصام القيادة العامة، مساهماً بما يمتلكه من خبرة تقنية وعلاقات اجتماعية في إيصال صوت الثورة السودانية إلى الآخرين.

ولم يكن ذلك الموقف طارئاً على مسيرته ، بل جاء امتداداً طبيعياً لسنوات طويلة من الانحياز إلى الحريات وحقوق الإنسان، ورفض الاستبداد ، والإيمان بحق السودانيين في بناء دولة مدنية ديمقراطية يسودها العدل والقانون.

ولعل أكثر ما يثير إعجابي في تجربة أخي أيمن أنه حافظ على ذلك الالتزام رغم التحديات الصحية التي رافقته منذ طفولته ، وما تفرضه من أعباء جسدية ونفسية لا يدرك حجمها إلا من عاش قريباً منه.

فقد كان في مقدوره أن يختار حياة أكثر هدوءاً ، وأن ينصرف إلى شؤونه الخاصة وأسرته وعمله ، لكنه ظل يرى في خدمة الآخرين مسؤولية أخلاقية لا يجوز التخلي عنها.

وهذه، في تقديري ، واحدة من أسمى صور العطاء الإنساني، حين يتحول العمل التطوعي من نشاط موسمي إلى جزء أصيل من شخصية الإنسان وطريقته في الحياة.

أيمن الذي أعرفه… ما وراء السيرة العامة

حين أستعيد اليوم سيرة أخي أيمن، فإنني لا أرى أمامي مجرد ناشط اجتماعي أو نقابي، ولا متخصصاً في تقنية المعلومات، ولا سودانياً أمضى ستين عاماً من حياته متنقلاً بين المنافي.

بل أرى ذلك الطفل الذي واجه المرض في عامه الأول، وخاض رحلة علاج طويلة بين ليبيا وتشيكوسلوفاكيا ، ثم عاد ليواصل حياته بعزيمة لم تنكسر.

وأرى الشاب الذي كان يمضي الساعات في إصلاح الأجهزة والسيارات ، والطالب الذي بحث عن مستقبله بين الرياضيات والاقتصاد وتقنية المعلومات ، والناشط الذي أدرك مبكراً أن الدفاع عن الحقوق والحريات لا يتطلب بالضرورة الوقوف في مقدمة الصفوف ، بل يحتاج أيضاً إلى من يعملون بصبر وإخلاص خلف الكواليس.

وأرى، قبل كل ذلك، أخي الأكبر الذي شاركني سنوات الطفولة ، ورافقني في محطات مهمة من حياتي ، وكان حاضراً في كثير من تجاربي الإنسانية والعامة.

لقد علّمتني الحياة، مع مرور السنوات، أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما جمعه من مال أو ناله من مناصب، وإنما بما تركه من أثر طيب في حياة الآخرين ، وبما قدمه من وقت وجهد ومعرفة دون انتظار مقابل.

وفي هذا المعنى، أرى أن تجربة أيمن تستحق التوثيق ، لا لأنها تجربة استثنائية في كل تفاصيلها ، وإنما لأنها تمثل نموذجاً لجيل كامل من السودانيين الذين حملوا وطنهم في قلوبهم ، وساهموا في خدمة مجتمعاتهم في المنافي، وظلوا أوفياء لقضايا بلادهم رغم طول الغياب وقسوة الظروف.

وهؤلاء، في تقديري، يشكلون جزءاً مهماً من التاريخ الاجتماعي غير المكتوب للسودانيين في المهجر ؛ ذلك التاريخ الذي لا تصنعه الشخصيات السياسية وحدها، بل يسهم في بنائه آلاف المتطوعين والمعلمين والأطباء والمهندسين والناشطين ، الذين قدموا من أعمارهم وطاقاتهم ما يستحق الاعتراف والتوثيق.

أخي الحبيب أيمن،

أكتب إليك اليوم، بعد أكثر من ستين عاماً على ميلادك، وبعد ستة عقود من رحلة الاغتراب الطويلة، لأقول لك إنني فخور بك، وبما قدمته لأسرتك وأصدقائك ومجتمعك، وبما ظللت تمثله من صبر ووفاء وثبات على المبادئ.

وأكتب إليك لأنني أعلم أنك لا تحب الأضواء، ولا تسعى إلى التكريم، وربما كنت ستفضل أن تظل هذه الكلمات حبيسة الذاكرة العائلية، كما ظلت كثير من تفاصيل عطائك بعيدة عن أعين الناس.

لكنني أؤمن بأن الشكر ينبغي ألا يُؤجّل، وأن الاعتراف بالفضل لا ينبغي أن ينتظر غياب أصحابه.

فكم من أناس رحلوا عن دنيانا قبل أن نخبرهم بما كانوا يعنونه لنا، وكم من كلمات محبة وامتنان احتفظنا بها حتى فات أوانها!

ولهذا أردت أن أكتب عنك اليوم، وأنت بيننا، تواصل حياتك وعطاءك، لتعرف أن ما قدمته لم يذهب سدى ، وأن أثرك الإنساني باقٍ في نفوس من عرفوك وعملوا معك ، وفي ذاكرتي أنا ، أخيك الأصغر، الذي ظل يرى فيك رفيق طفولته وشبابه ، وأحد الأشخاص الذين أسهموا في تشكيل وجدانه ونظرته إلى الحياة.

ولعل في قول الله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أبلغ تعبير عن تلك الرابطة التي تتجاوز صلة الدم ، لتصبح سنداً إنسانياً ومعنوياً يمتد عبر العمر، مهما باعدت بيننا المدن والبلدان.

لقد شددتَ عضدي يا أيمن في محطات كثيرة من حياتي ، وربما دون أن تدرك ذلك ، كما تعلمت منك أن الإعاقة الجسدية لا تعني عجز الإرادة ، وأن الإنسان يستطيع أن يحوّل معاناته الشخصية إلى طاقة للعطاء، وأن العمل في صمت قد يكون أحياناً أكثر أثراً من الحضور الصاخب في مقدمة المشهد.

وإذا كان السودان قد ظل بعيداً عنك طوال هذه العقود، فإنك لم تبتعد عنه يوماً، بل حملته معك من الزاوية إلى براغ ، ومن طرابلس إلى بوزنان ، ومن هولندا إلى كارديف، وظل حاضراً في اهتماماتك وأحلامك ومواقفك.

وما زلت أتمنى أن يأتي اليوم الذي يعود فيه السودان وطناً آمناً ومستقراً ، يتسع لجميع أبنائه، ويتيح لمن شردتهم الحروب والاستبداد فرصة العودة إليه، لا بوصفهم غرباء يزورون بلادهم، بل مواطنين يستعيدون حقهم الطبيعي في العيش على أرضها.

وحتى يأتي ذلك اليوم، ستظل سيرتك، بالنسبة إليّ، واحدة من حكايات الصبر الجميل ، والاغتراب الطويل، والانتماء الذي لا تضعفه المسافات.

شكراً لك يا أخي الحبيب أيمن، على كل ما كنتَه لنا ، وعلى كل ما قدمته للآخرين، وعلى ذلك العطاء الذي لم تنتظر عليه جزاءً ولا شكوراً.

وعزيزي أيمن… يوم شُكرك ما يجي.

أخوك أمجد إبراهيم سلمان

الدوحة – قطر
31 أكتوبر 2026

amjadnl@yahoo.com

Author
د. أمجد إبراهيم سلمان

د. أمجد إبراهيم سلمان

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
سودان بلا برهان!
حوارات
نائب الحاكم السابق لاقليم بني شنقول الاثيوبي: السد بالنسبة لنا أذى و يكرس للاحتلال: 20 الف اسرة تم قتلهم او تهجيرهم لبناء السد
الرياضة
الهلال المنتشي بفوزه الإفريقي يحل ضيفا على الأهلي الجريح
منبر الرأي
اللافتة .. بقلم: عبد الله علقم
منبر الرأي
مذبحة بيت الضيافة .. ومعلومات اخرى -3- .. بقلم: شوقي بدري

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

هل يفهم أهل دار فور؟ .. بقلم: كباشي النور الصافي

كباشي النور الصافي
منبر الرأي

على هامش الحدث (18) .. بقلم: عبدالله علقم

عبد الله علقم
منبر الرأي

حكايات سخريار رسوم كاريكاتيرية بالكلمات .. جعفر خضر

طارق الجزولي
منبر الرأي

الخلاف بين البرهان وحميدتي وفرشة أسنان الفنان محمد رمضان .. بقلم: بشرى أحمد علي

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss