مكي مدني الشبلي
يحمل شهر أكتوبر في نفسي منذ رحيل شقيقي وتوأم روحي، البروفيسور الطاهر مدني الطاهر الشبلي، مفارقة موجعة بين الفرح والحزن، وبين الميلاد والرحيل. ففي أكتوبر أقبل الطاهر إلى الدنيا، وفي أكتوبر نفسه غادرها إلى الدار الآخرة. وبين أكتوبر الميلاد وأكتوبر الرحيل امتدت رحلة عمر كاملة، كان فيها أخي ورفيقي وقدوتي وسندي، حتى خُيّل إليّ أن وجود أحدنا لا يكتمل إلا بوجود الآخر.
كنت أظن أن مرور الأيام سيخفف شيئاً من مرارة الفقد، وأن سنتين كاملتين كفيلتان بأن تجعلان النفس أكثر ألفة مع الغياب. ولكنني اكتشفت أن بعض الغياب لا تعالجه الأيام؛ بل تكشف الأيام، كلما مضت، مقدار ما أخذه الراحل معه من حياتنا. فكلما ابتعد تاريخ رحيلك يا الطاهر، ازددت إدراكاً لحجم المساحة التي كنت تشغلها في حياتي، ولعدد الأشياء التي لم أكن أعرف قيمتها إلا بعد أن غبت عنها.
منذ أن وعيت الدنيا كنت هناك. لم أعرف طفولتي من دونك، ولا صباي، ولا شبابي، ولا كهولتي، ولا سنوات الشيخوخة التي وصلنا إليها معاً. كنت تكبرني بأحد عشر شهراً فقط، ولكنك كنت في كثير من مراحل حياتي الأخ الأكبر بأكثر من حساب السنين: تسبقني، وتشجعني، وتساندني، وتفرح لنجاحي، وتخفف عني إخفاقاتي، وتردني إلى الصواب حين أحتاج إلى من يردني إليه.
مشينا معاً في دروب طويلة؛ من حي السيد المكي العريق في أم درمان القديمة، إلى الحارة الرابعة بمدينة الثورة، إلى حي الملازمين، وحتى في شيخوختنا جمع بيننا شارع الستين بالخرطوم دون سابق ترتيب. ومن مدرسة الهداية الأولية إلى حي العرب الوسطى، ثم الأهلية الثانوية بأم درمان، وصولاً إلى جامعة الخرطوم. كانت تلك الأماكن مسرحاً لعمر مشترك، حتى غدت الجغرافيا نفسها جزءاً من توأمتنا الروحية.
واليوم، ومع تقدم العمر وما يفعله الزمن بالذاكرة، أدرك فداحة خسارة أخرى لم أفطن إليها ساعة رحيلك: لقد فقدت ذاكرتي الأخرى. تتراجع بعض تفاصيل الطفولة والصبا إلى زوايا بعيدة من الذاكرة، وتختلط أسماء وأماكن وحوادث، فأهمّ بأن أسألك: أتذكر يا الطاهر يوم فعلنا كذا؟ ومن كان معنا يومذاك؟ وكيف انتهت تلك الحكاية؟ ثم أتذكر فجأة أنك لم تعد في الطرف الآخر من الهاتف. وهنا يتجدد الفقد بألم أشد وحزن أعمق.
كنت مستودع نصف ذاكرتي، كما كنت أنا مستودع نصف ذاكرتك. وما عجز أحدنا عن استحضاره كان الآخر يكمله، فنضحك على التفاصيل، ونختلف أحياناً في رواية الواقعة، ثم نتصالح على أن الأهم أننا عشناها معاً. أما الآن، فقد أصبحت بعض ذكرياتي يتيمة مثلي؛ لا أجد من شهدها معي، ولا من يعيد إليّ ألوانها وروائحها وأصواتها كما كانت.
حتى الأغاني لم تعد هي الأغاني. أسمع لحناً كنا نحبه، أو أغنية طالما أصغينا إليها معاً، فلا تصلني كما كانت تصلني وأنت هنا. أصبح بيني وبين الموسيقى شيء من الحزن، كأن بعض النغمات تبحث عن مستمعها الآخر فلا تجده. فأدرك أن الإنسان لا يفقد برحيل أحبته أشخاصاً فحسب، وإنما تتغير بعدهم الأشياء: تتغير الأغاني، والأماكن، والمناسبات، وحتى الأفراح لا تعود كاملة. وما أقسى أن تكتشف أن البهجة نفسها يمكن أن تصبح منقوصة.
كنت يا الطاهر منبعاً للبهجة في أسرتنا، لا بالضجيج ولا بالتكلف، وإنما بذلك الحضور البسيط الذي يجعل المكان أكثر دفئاً. وكانت دعابتك وتواضعك وصفاء سريرتك تجعل من حولك يشعرون بأن الحياة، مهما قست، لا تزال تستحق الابتسام.
ولم أفقد برحيلك أخاً ورفيق عمر فحسب، بل فقدت قدوة كانت تمشي أمامي على قدمين. كنت تذكرني، من غير وعظ، بأن العلم لا قيمة له إذا أورث صاحبه كبراً؛ وأن المنصب لا يرفع الإنسان إن لم يرفعه خلقه؛ وأن خدمة الناس ليست منّة عليهم، بل شرف لمن استطاع إليها سبيلاً. كنت شديداً في رفض الظلم، رقيقاً مع الضعفاء، متواضعاً مع البسطاء، سخياً بما تملك من علم ووقت ومحبة. ولذلك بقيت صورتك في وجداني ميزاناً أسأل نفسي أمامه: ماذا كان الطاهر سيفعل لو كان هنا؟
ثم جاءت الحرب الفاجرة، فاختبرتك في أقسى ما يمكن أن يُختبر فيه إنسان. بقيت في دارك، وصمدت شهوراً طويلة في ظروف يعجز المرء عن تصورها: الاعتقال والتهديد والاعتداء والنهب والرصاص، والجوع والعطش والمرض، وانقطاع الكهرباء والاتصالات، ووحشة البيت والحي وقد غادرهما الناس.
كنا نلح عليك أن تخرج، وأن تنجو بنفسك، وكنت تطمئننا بصبرك ويقينك. ذدت عن دارك ومقتنياتك وذكريات عمرك حتى أنهكت الحرب جسدك النحيل. ثم جاءت الإصابة والنزيف، وحُملت إلى المستشفى، وظللت حتى في مرضك تطمئننا بدلاً من أن نطمئنك.
ورحلت.
رحلت يا الطاهر في الحرب التي رفضت أن تهزمك، بعد أن واجهتها بما عرفناه فيك من شجاعة وصبر وإيمان. وأحسبك عند الله شهيداً، والله وحده أعلم بمنازل عباده، فقد فارقت الدنيا بعد محنة طويلة وأنت ثابت في دارك، صابر على البلاء، متمسك بما هو لك، موكلاً أمرك إلى من كنت تردد دائماً في يقينك البسيط العميق »هم حيروحوا من ربنا فين؟«
وها قد مضى عامان … عامان يا توأم روحي، وما استطعت أن أتعلم كيف تكون الحياة من دونك.
أؤمن بقضاء الله وقدره إيماناً لا يتزعزع. وأعلم أن الموت حق، وأن كل نفس ذائقة الموت، وأنني لا محالة صائر إلى ما صرت إليه. وأعلم أن الاعتراض على قضاء الله ليس من الإيمان الذي رابانا عليه والدانا مدني ومكارم اللذان ورثا كنزاً من مكارم الأخلاق من سلفهما الصالح. لكن الإيمان لا يمنع القلب من أن يحزن، ولا العين من أن تدمع، ولا الأخ من أن يشتاق إلى أخيه.
ولعل أصعب ما في الفقد أن العقل يقبله قبل القلب بزمن طويل … عقلي يعرف أنك رحلت، أما قلبي فلا يزال أحياناً ينتظرك. ينتظرك في صباحاتنا، وفي اجتماعات الأسرة، وفي “يلا يا فقرا”، وفي الأفراح والأتراح، وفي أغنية قديمة انقلب طربها في وجودك البهيج إلى مجدداً للأحزان في غيابك الكئيب، وفي ذكرى بعيدة، وفي لحظة أحتاج فيها إلى من أقول له: تتذكر يا الطاهر لمن كنا …؟
وسأظل أذكرك ما بقي لي من العمر.
سأذكرك حين تخونني الذاكرة، لأنك كنت ذاكرتي الأخرى.
وسأذكرك حين أسمع أغنياتنا القديمة، وإن أصبحت أكثر حزناً من بعدك.
وسأذكرك كلما رأيت طبيباً من تلاميذك، أو إنساناً حدثني عن طفل أنقذت حياته، أو أسرة أدخلت إليها الطمأنينة.
وسأذكرك في أبنائك أمين ومعز وأحمد، فأرى فيهم امتدادك وأثر تربيتك.
وسأذكرك كلما أغراني شيء بالزهو، فأستعيد تواضعك.
وكلما رأيت مظلوماً، أتذكر نفورك من الظلم.
وكلما ضاقت الدنيا بفعل الظالمين، أسمع صوتك يقول في يقين »هم حيروحوا من ربنا فين؟«
يا الطاهر، لم يعد أكتوبر شهراً عادياً في حياتي. سيظل يأتي كل عام حاملاً إليّ بشارتين متناقضتين: ذكرى اليوم الذي وهبك الله فيه لنا، وذكرى اليوم الذي استرد فيه وديعته.
وبين التاريخين عمر كامل أحمد الله أن منحني إياه إلى جوارك.
ولذلك، فمع كل هذا الحزن، هناك شكر عميق يسكن القلب: الحمد لله الذي جعل الطاهر أخي. الحمد لله الذي وهبني رفقته كل تلك العقود. الحمد لله على طفولة عشناها معاً، وشباب تقاسمناه، وشيخوخة وصلنا إليها متجاورين، وعلى ذكريات لو وزعت على أعمار كثيرة لكفتها.
أما الفراق، فعزائي فيه أنه ليس نهاية الحكاية في عقيدتنا السمحة. إنما هو انتظار طويل أو قصير، لا يعلم مداه إلا الله، حتى نصير جميعاً إلى ما صار إليه من سبقونا.
نم هانئاً يا توأم روحي الطاهر الطاهر.
أما أنا فسأحمل نصيبي ونصيبك من ذكرياتنا ما استطعت، وأحاول أن أحفظ ما بقي منها من تغبيش الزمن، حتى يأتي يوم ألحق فيه بك، فأجد ـ بإذن الله ورحمته ـ من يؤانسني من جديد بما نسيت، ونستعيد معاً حكايات الهداية وحي العرب والأهلية، وجامعة الخرطوم وحي السيد المكي والحارة الرابعة وحي الملازمين، وشارع الستين وكل تلك الأيام التي كانت جميلة لأنك كنت فيها معي.
رحمك الله يا أخي، ورفيقي، وقدوتي، وتوأم روحي.
اللهم اجعل ما أصابه في أيامه الأخيرة كفارة ورفعة، واجزه عن علمه وطلابه ومرضاه وأهله خير الجزاء، وأبدله داراً خيراً من داره، واجمعنا به ووالدينا ومن نحب في مستقر رحمتك، حيث لا حرب ولا خوف ولا مرض، وحيث لا فراق بعده أبداً.
سلام عليك يا الطاهر يوم ولدت، ويوم رحلت، ويوم نلتقي بإذن الله من جديد.
