إتفاقية جوبا: هل هي إتفاقية من أجل تقاسم السلطة ام لإستدامة الديمقراطية في السودان ؟

 


 

 

المقدمة:
تم التوقيع على اتفاقية جوبا للسلام في السودان، في 3 أكتوبر 2020، بين حكومة جمهورية السودان وتحالف الجبهة الثورية السودانية المكون من فصائل الحركة المسلحة والجماعات السياسية المعارضة. و نجحت الاتفاقية جزئيًا في وقف الأعمال الحربية في مناطق النزاع، اذ مازالت مجموعات رافضة التوقيع على الاتفاق في الوقت الراهن. فتح الاتفاق الباب لبناء الثقة و جعل الظروف مواتية للتوافق السياسي والحوار الشامل. كان قد تم التأكيد غلى ضرورة توفر شروط البيئة المناسبة لتحقيق سلام دائم في السودان بعد سقوط دكتاتورية حزب المؤتمر الوطني في 2019 بقيادة الرئيس المخلوع عمر البشير.
تم توقيع إتفاق جُوبَا السَلامْ ضمن ترتيبات بناء الديمقراطية و السَلامْ، خلال الفترة الانتقالية. أكدت الاتفاقية على العديد من مبادئ الديمقراطية و السلام، بما في ذلك المساواة ، وعدم التمييز ، وتأسيس الدولة الفيدرالية الديمقراطية والمدنية، وتطبيق مبدأ التمييز الإيجابي في المناطق المتأثرة بالنزاع ، وتحقيق العدالة الانتقالية. وقد أولت الاتفاقية اهتمامًا خاصًا بقضايا "الحواكير" (امتيازات استخدام الأراضي) وحقوق الرعي وحقوق سكان معسكرات اللاجئين ، فضلاً عن مطالب المواطنين المتضررين من بناء السدود، وحقوق الممواطنين المتضررين من التعدين الجائر.
ومع ذلك ، فإن نهج تقاسم السلطة الذي تم تبنته اتفاقية جوبا للسلام، كان مخالفًا للنهج الذي نصت عليه الوثيقة الدستورية لعام 2019، والتي جعلت من مسالة بناء السلام في السودان أولوية رئيسية للحكومة الانتقالية. تهدف الوثيقة الدستورية إلى معالجة الأسباب الجذرية للحرب الأهلية وانتهاكات حقوق الإنسان في السودان. و و يتطلب تحقيق هذا الهدف، فهماً للسياق السياسي والاجتماعي السوداني، وكذلك إنشاء منهجية للسلام يمكنها أن تحقق أهداف الدولة السودانية في هذه المرحلة وتساعد في الانتقال السلمي إلى الديمقراطية والتنمية والاستقرار السياسي.
و بالتالي كان نهج الوثيقة الدستورية، ان تجعل عملية بناء السلام في الفترة الانتقالية مربوطة بعمليات بناء الديمقراطية واستدامتها في السودان. بعبارة أخرى ، تم تصميم عملية بناء السلام بوصفها جزء من عملية الانتقال الديمقراطي، حيث تعمل كل عملية على 1تدعيم تأسيس واستدامة الأخرى.

أهمية السَلامْ في بناء الديمقراطية في السُودانْ
أسهمت الدكتاتوريات العسكرية في السُودانْ في تغذية الظروف الموضوعية لنشوب و إستمرارية الحروب و النزاعات المسلحة. و كانت الحروب و النزاعات المسلحة عائق أمام الحكومات الانتقالية و سببا في تعثر عملية بناء الديمقراطية في السُودانْ. و بدراسة تاريخ الانتقالات الديمقراطية في السُودانْ نجد أن الحرب و النزاعات المسلحة كانت دائما سببا مباشرا في أهدار فرص التطور الديمقراطي في السُودانْ، فكل التحولات الديمقراطية التي مرت بالسُودانْ إنتكست باسباب عديدة كان من ضمنها غياب السَلامْ الحقيقي و استمرار الحروب.
جعلت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية 2019، من مسألة السَلامْ أولوية قصوى خلال الفترة الانتقالية، و بحسب ما نصت عليه المادتين السادسة و السابعة، تكون الاولوية خلال الستة أشهر الاولى من الفترة الانتقالية للعمل الجاد لاجل إحلال السَلامْ. و جاء ضمن مهام الفترة الانتقالية التي نصت عليها المادة 7 من الوثيقة الدستورية "العمل الجاد على تحقيق السَلامْ العادل و الشامل و إنهاء الحرب بمخاطبة جذور المشكلة السُودانْية، و معالجة آثارها مع الوضع في الاعتبار التدابير التفضيلية المؤقتة للمناطق المتأثرة بالحرب و المناطق الاقل نموا و المجموعات الاكثر تضررا". و كذلك نص الفصل الخامس عشر كله على (قضايا السَلامْ الشامل). و من ذلك، يتضح الاهمية العالية التي تحتلها قضية السَلامْ في سياق بناء التَحَول الديمُقراطِي في السُودانْ. و بالفعل أنطلقت العديد من الانشطة المُؤسسية و التشريعية و اللقاءات السِياسية لانجاز السَلامْ المستدام. كان من بين أبرز تلك الجهود لاستكمال السَلامْ الشامل كأولوية للحكومة الانتقالية، أن إنطلقت في مدينة جُوبَا عاصمة جنوب السُودانْ مفاوضات السَلامْ و تم فيها توقيع اتفاق السَلامْ في 3 إكتوبر 2020، بين الحكومة السُودانْية و فصائل الحركات المسلحة و المجموعات السِياسية تحت تحالف الجبهة الثورية. و لاحقا تم توقيع اعلان المبادئ بين الحكومة السُودانْية و حركة و جيش تحرير السُودانْ / شمال بقيادة عبد العزيز الحلو في 28 مارس2021.
و مثلما السَلامْ مهم للديمقراطية، فإن الديمقراطية مهمة جداً لتحقيق السَلامْ المستدام. إن تعثر الانتقال الديمقراطي يؤثر بشكل واضح في نجاح تحقيق السَلامْ. لقد شدد السيد فولكربيرثيز Volker Perthes ممثل الامين العام للأمم المتحدة في السُودانْ، في خطابه أمام مجلس الامن في سبتمبر 2022، أنه لا يزال عدم تنفيذ اتفاق جُوبَا للسلام يساهم بصورة كبيرة في زعزعة الاستقرار. لا تزال المصفوفات الخاصة بمعالجة دوافع الصراع ، بما في ذلك تقسيم الثروة، والعدالة، وقضايا الأراضي وعودة النازحين داخليًا ، غير منفذة برغم فوات آجال تنفيذها. و في غياب اتفاق سياسي، سيكون من الصعب المَضي قُدما فِي هَذه القَضايا.
علاقة منهجية إقتسام السلطة بالتَحَول الديمُقراطِي:
بجانب تحقيق السَلامْ ، يتطلع شعب السُودانْ إلى مستقبل ديمقراطي لبلادهم بعد أكثر من 30 عاما من الدكتاتورية. على الرغم من أهمية الديمقراطية، فقد أولت النخبة السِياسية اهتمامًا أقل بمسألة تجسير العلاقة بين بناء السَلامْ و نجاح التَحَول الديمُقراطِي في السُودانْ. الى حدٍ ما، يرجع هذا القصور إلى عدم إدراك المنهجية المناسبة في بناء السَلامْ مُستدام ، و التي كذلك تعزز التَحَول الديمُقراطِي في السُودان. و تلك كانت من المبادئ الاولية التي كان على الوسطاء و اطراف النزاع ان يتوافقوا عليها منذ البداية. في حين ان الحكومة الانتقالية كانت قد رسمت في الدستور مَنهجية مُخاطبة جُذور المُشكلة في السُودان لصناعة السَلامْ، إعتمدت مُفاوضات جُوبَا للسلام مَنهجية إقتسام السُلطة. في سياق التَحَول الديمُقراطِي، تَعمل إجراءات بناء الديمقراطية بشكل شامل و واضح على مُستوى الدولة، بينما تقاسم السُلطة يَحدث بين الحكومة المَركزية وواحد أو أكثر من المُنافسين (Bormann and Elbadawi 2021:17). و من ذلك تبرز أهمية وضع بناء الديمقراطية في مُوضع مُتقدم في عَملية بناء السَلامْ المُستدام و الشامل في السُودان.
نصت الوثيقة الدستورية في الفقرة أ من المادة 67 على ان تعمل الدولة في الفترة الانتقالية على تحقيق السَلامْ العادل و الشامل و إنهاء الحرب بمخاطبة جذور المشكلة السُودانْية و معالجة آثارها مع الوضع في الاعتبار التدابير التفضيلية المؤقتة للمناطق المتأثرة بالحرب و المناطق الاقل نموا، و معالجة قضايا التهميش و المجموعات المستضعفة و الاكثر تضرراً
هذا النص الدستوري يشرح النظرية الكاملة لبناء السَلامْ في سياق الانتقال السِياسي الديمقراطي في السُودانْ. يلخص النص منهج بناء السَلامْ في السُودانْ بـ (مخاطبة جذور المشكلة السُودانْية و معالجة آثارها) مع الوضع في الاعتبار (التدابير التفضيلية المؤقتة) للمناطق المتأثرة بالحرب و المناطق الاقل نمواً. و من الواضح ان الوثيقة الدستورية تجنبت تماما استخدام المنهج المجرب في اتفاقيات السَلامْ السابقة ألا وهو (التقسيم العادل للسلطة و الثروة) بوصفه من المناهج التي تمت تجربتها و لم تنجح في بناء سلام مستدام في السُودانْ.
و على الرغم من الوثيقة الدستورية حددت معايير و مناهج لبناء السَلامْ المستدام في السُودانْ، تأسس اتفاق سلام جُوبَا بشكل أساسي على نظرية إقتسام السلطة و الثروة. و هنا يثور السُؤال، هل قام السَلامْ ضمن اطار نظري مُتكامل لدعم التَحَول الديمُقراطِي؟. بالنظر إلى نتائج الاتفاقية، نجد ان الاطراف المُوقعة على الاتفاقية لم يجعلوا الديمقراطية شرطاً لاستدامة السَلامْ في السُودان، بل أصبح الاتفاق تقاسُم و مُحاصصة للسُلطة مَعزول من أي تدابير لتعزيز التَحَول الديمُقراطِي. ففي الوقت الذي طالبت فيه مجموعات معتبرة في السُودانْ بعدم جواز إحتكار المشهد السِياسي العام بواسطة مجموعة من الاحزاب السِياسية و إقصاء البعض الآخر تحت دواعي الاصلاح او حماية التَحَول الديمُقراطِي، جاءت إتفاقية السَلامْ بإعتمادها منهج إقتسام السلطة بين أطراف الاتفاقية، الأمر الذي يعني إضفاء سياسة تمييزية لصالح الاطراف الموقعة على الاتفاقية، بدلا من إعتماد منهج ذو طابع ديمقراطي في تأسيس السلطة الانتقالية. في كتابه نماذج الديمقراطيات، ابتدع Arend Lijphart مصطلح الديمقراطية الاجماعية، و الذي فيه يفترض بان على الجميع ان يجد مكانا له داخل مؤسسات الحكم الديمقراطي ، إلا انني كنت لادعو لبناء ديمقراطية توافقية Consociational Democracy و التي تاتي فيها كل القوى المؤمنة بالتَحَول الديمُقراطِي للتوافق من أجل التأسيس للديمقراطية من خلال ضمان إشراك كل تلك القوى في الديمقراطية الانتقالية. و كانت الكاتبة Norris Pippa قد إثارت في كتابها (الديمقراطية المستقرة والحكم الرشيد في المجتمعات المتنازعة: هل تنجح مؤسسات تقاسم السلطة؟) شكوك معقولة في جدوى منهج إقتسام السلطة في مجتمعات مع بعد الحرب . و هي التي تقترح بناء الديمقراطية الجديدة و مواجهة تحديات ما بعد الحرب و الدكتاتورية باعتماد النظرية التوافقية، إذ أن السلطة التوافقية هي الأكثر احتمالا لتسهيل التعاون بين النخب القيادية ، مما يجعلها أكثر ملاءمة للدول التي تكافح من أجل تحقيق ديمقراطية مستقرة وحكم جيد في مجتمعات ما بعد الحرب و الدكتاتورية. و و بصورة أكثر تركيزا على اتفاقية جُوبَا للسلام، كتب نيلز كريستيان بورمان وإبراهيم البدوي Nils-Christian Bormann and Ibrahim Elbadawi ورقة تحليلية بعنوان اتفاقية جُوبَا للسلام لتقاسم السلطة: هل ستعزز السَلامْ والتَحَول الديمُقراطِي في السُودانْ؟. إجتهد نيلز و إبراهيم بدوي في تحليل مألات اتفاق اقتسام السلطة في مجتمع ما بعد الحروب الاهلية، شملت حوالي 48 بلداً منذ الحرب العالمية الثانية. بمراجعة العديد من الدراسات عن إقتسام السلطة. خلصت الورقة الى توفر عدد كبير من الاتفاقيات القائمة على اقتسام السلطة توفر فرص لادماج المجموعات العرقية المهمشة بصورة فعالة مما يزيد فرص بناء السَلامْ. كذلك ان تقاسم السلطة المفضي الى حكومات ذات تمثيل واسع في المجتمعات منقسمة هويوياً و جهوياً يمكن أن يحسن فرص حدوث إنتقالات ديمقراطية. إلا أن الكاتبين يؤكدان أن ادلة ضعيفة وجدت عن فوائد قسمة السلطة لضمان استدامة الديمقراطية على المدى البعيد، ذلك لان استدامة الديمقراطية تتطلب توافر عوامل أخرى كثيرة تتجاوز قسمة السلطة، و شككت الورقة في قدرة اتفاقية جُوبَا في تحقيق سلام شامل و مستدام في السُودانْ.
إتخاذ المنهج الملائم في مناقشات اتفاق السَلامْ، يؤدي إلى الاتفاق "الجيد" و الذي سيؤدي بدوره إلى سلام دائم. و المنهج الغير ملائم يؤدي الى الاتفاق "السيئ" و الذي سيؤدي إلى تأخير أو انتكاسات أو حتى انهيار عملية السَلامْ. الجدير بالذكر، أن الاتفاق الجيد ، من بين أمور أخر، يشدد على المعايير والمتطلبات الصارمة التي يجب أن تفي بها أحكام الاتفاق مثل دقة الصياغة ، والجدوى الموضوعية ، والشرعية ، وجدول التنفيذ المفصل بالتواريخ )1 (Arnault 2006:
بالتالي، و بحسب الاحالات التي ذهبنا اليها، لا يتحقق السَلامْ الشامل و المستدام إلا في ظل تحول ديمقراطي و أن إتفاق السَلامْ القائم على نظرية إقتسام السلطة، لا ينتج بالضرورة تحول ديمقراطي. و بحسب التجربة السُودانْية إن إتفاقيات السَلامْ التي تأسست على أساس اقتسام السلطة، لم تنتج ديمقراطيات. و لطالما ان اتفاق اقتسام السلطة لا يؤسس ديمقراطية، فبالتالي من الصعب التكهن بان تنتج مثل تلك الاتفاقيات سلام شامل و مستدام. و بالتالي من المتصور أن تستمر إتفاقية جُوبَا كفعالية مستقلة عن عملية التَحَول الديمُقراطِي في السُودانْ، حتى و لو فشل الانتقال الديمقراطي و إنتهى إلى دكتاتورية صماء.
إتفاقية السَّلام تُعيد رسم مَسار التحول الديمُقراطِي:
يعد أي اتفاق السَلامْ، عقدا بين أطراف متنازعة بهدف انهاء النزاع عبر وقف إطلاق النار، أو تحويل مجرى الصراع عبر تصميم هياكل سياسية و قانونية جديدة، و تمهيد الطريق لعملية بناء الدستور و التي قد تأخذ أحياناً دور الدساتير المؤقتة. و تعد رواندا في عام 1993 و السُودانْ في عام 2005 مثالاً على اتفاق سلام أصبح في نهاية المطاف دستوراً مؤقتاً. أنظر: المؤسسة الدولية للديمقراطية و الانتخابات، الدساتير المؤقتة: أدوات لحفظ السَلامْ و بناء الديمقراطية، ورقة سياسات، تشرين الاول – إكتوبر 2015.
في الغالب المشهود في التجارب السُودانْية السابقة، ان الفترة الإنتقالية تتأسس على إتفاق سياسي أو إتفاق سلام. و مثل تلك الاتفاقات تأتي دائما بأحكام تؤسس للإطار القانوني العام الذي تعمل الدولة بموجبه في الفترة الانتقالية. بإقرار تلك الحقيقة، نجد أن أتفاقية جُوبَا للسلام تتضمن أحكام ناتجة عن مفاوضات ثنائية تكتسب العلوية على الدستور و تعدل العقد الاجتماعي الذي تواضعت عليه القوى المؤثرة في الفترة الانتقالية.
كانت المادة 79 من الوثيقة الدستورية لسنة 2019 و المعدلة في إكتوبر 2020 نصت على أنه يعتبر إتفاق جُوبَا لسلام السُودانْ الموقع في 3 أكتوبر 2020 بين حكومة السُودانْ و أطراف العملية السلمية، جزء لا يتجزأ من الوثيقة الدستورية، و في حالة التعارض بينهما يزال التعارض بما يتوافق مع نصوص إتفاق سلام جُوبَا. و كذلك كان الاتفاق السِياسي الموقع في 17 يوليو 2019 بين المجلس العسكري الانتقالي و قوى إعلان الحرية و التغيير و الذي أطلق عليه (الإتفاق السِياسي لإنشاء هياكل ومؤسسات الحكم في الفترة الإنتقالية بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير) قد أسس للاحكام و القواعد التي قامت عليها الوثيقة الدستورية، و بالتالي كانت صناعة الوثيقة الدستورية عملية فنية محضة لا يمكن بأي حال أن تتجاوز أحكام الاتفاق السِياسي. و نفس هذا الوضع كان قد أسس له إعلان المبادي بين الحكومة و الحركة الشعبية لتحرير السُودانْ – شمال (جناح عبد العزيز الحلو) و قد إشترط الاعلان ان تكتسب أحكامه الوضعية الدستورية و ان يتم إدراج الاتفاق في الوثيقة الدستورية.
من ذلك يتجلى أن إتفاقية السَلامْ تعمل بشكل تام على إعادة صياغة عمليات التَحَول الديمُقراطِي في السُودانْ من خلال إتفاق ثنائي. لذا تم تعديل الوثيقة الدستورية لسنة 2019 الناظمة للفترة الانتقالية حتى تتوافق مع الاتفاقية. جاءت إتفاقية جُوبَا بإحكام تنظم الحكم و تحديد شكل السلطة التنفيذية و تقسيم السلطة، تعديل المادة 9 في الوثيقة الدستورية و التي أقرت اعتماد تقسيم جمهورية السُودانْ الى اقاليم بعد عقد مؤتمر نظام الحكم ،بجانب العديد من الترتيبات الامنية و الاقتصادية و السِياسية. عليه كان من المهم أن يتم تصميم عملية بناء السَلامْ الشامل و المستدام من خلال منهج تكاملي مع عمليات بناء الديمقراطية و أن لا تكون معزولة عن ترتيبات التَحَول الديمُقراطِي.
مَسالة إقتسام السُلطة تُحظى بتطبيق سَلس مُقابل تعثر تدابير الانتقال الديمقراطي:
حُظي مَبدأ إقتسام السُلطة بتطبيق مباشر و سَلس، فورا بعد توقيع الاتفاقية، و ذلك بتعديل المادة 11 من الوثيقة الدستورية (تشكيل مجلس السيادة) و المادة 15 (تكوين مجلس الوزراء الانتقالي). و بموجب ذلك التعديل الدستوري تم إشراك أطراف العملية السلمية في سلطات الحكم الانتقالي. بالتالي بدأت عملية سياسية شاملة و أكثر تمثيلا للاقاليم التي ظلت تعيش في نزاعات مسلحة، و بمشاركة ملحوظة لقوى (الجبهة الثورية) و التي ظلت فصائلها تُعارض الحكومة المَركزية مُنذ حَوالي 20 عاماً.
على عكس تلك التدابير السريعة التي حظى بها تطبيق مبدأ إقتسام السلطة، لم يتم وضع تدابير فعالة لتطبيق مبادئ و أحكام التَحَول الديمُقراطِي التي جاءت بها إتفاقية جُوبَا لسلام السُودانْ. الموضوعات المتصلة بالعدالة الانتقالية وإنعقاد مؤتمرات الحكم و مؤتمرات الاقاليم و المؤتمر الدستوري، و المفوضيات المستقلة، لم تحظى بترتيبات فعالة للتطبيق حتى تساعد في التَحَول الديمُقراطِي و في استدامة السَلامْ.
هل يمكن مراجعة الاتفاقية في حالة تأخر تنفيذ بعض الاحكام و التدابير؟:
لعدد من الأسباب واجهت إتفاقية جُوبَا العديد من التحديات المرتبطة بتنفيذ بعض أهم أحكام الاتفاقية. و لعل إضطراب عملية التَحَول الديمُقراطِي أسهم بصورة واضحة في تعطيل بعض تلك الاحكام و التدابير. و بقراءة الاحكام التي لم يتم تنفيذها نكتشف أنها مهمة في إطار إستدامة السَلامْ و في نجاح التَحَول الديمُقراطِي. بجانب الاسباب السِياسية، يحدث عدم الوفاء بتنفيذ أحكام الاتفاقيات لاسباب أخرى متصلة بضعف بنية الاتفاقية نفسها، او عدم إستنادها لتحليل علمي للظروف التي تلي عملية توقيع الاتفاق. وأكثر نقاط الضعف شيوعًا هو المبالغة في تقدير قدرات الاطراف في التنفيذ، سواء من حيث نطاق الالتزامات التي تعهدوا بها أو توقيت تنفيذها.
إن المصفوفة الملحقة مع إتفاقية جُوبَا و التي تحدد المواقيت الزمنية لتنفيذ التدابير و الاحكام، لم تعد قابلة للتنفيذ بصورتها التي وردت في الاتفاقية عند توقيعها. كل المواقيت المحددة في الاتفاقية مرت دون تنفيذها او وضع الإجراءات الميسرة لتنفيذها. و بالاطلاع على مصفوفة الاجراءات و التدابير و المواقيت الزمنية، نجد أن الغالبية العظمى من تلك المصفوفة لم يتم تنفيذها او لم يتم إتخاذ تدابير و إجراءات فعالة لتنفيذها.
تعديل مواقيت المصفوفة و إعادة ترتيب الاولويات:
بالاطلاع على أفضل الممارسات، تُعد (إعادة جدولة مَواقِيت التَنفيذ) و (مُراجعة الاولويات) هما طريقتان كلاسيكيتان للتنفيذ و ضمان الاستمرار في تحقيق أهداف الاتفاقية. إن إجراءات تعديل جداول المصفوفة و إعادة ترتيب الاولويات تحتاج إلى إجراء إعادة تحليل شامل للاوضاع السِياسية و الامنية و الاجتماعية و الاقتصادية، و موقف المجتمعين الاقليمي و الدولي من تدابير الانتقال السلمي في السُودانْ، و مثل هذا التحليل العلمي الدقيق يجعل التدابير الجديدة أكثر واقعية و ممكنة التنفيذ.
إن العجز في الوفاء بالالتزامات التي جاءت بها الاتفاقية، يعرض عملية السَلامْ إلى تحديات خطيرة من بينها، أن العلاقة بين الطرفين سوف تتأثر إلى الحد الذي من المرجح أن يفسره الطرف الاخر على أنه عدم رغبة و نقص في الارادة السِياسية. كما ستفقد عملية السَلامْ الدعم الشعبي وتتآكل ثقة الجمهور في قدرة الاطراف في تحقيق سلام مستدام، بسبب فشل الاتفاقية في تلبية التوقعات الشعبية. فقدان ثقة الجمهور في الاتفاقية، يزيد من سخط الشعب على الحكومة و على بقية الاطراف الموقعة على الاتفاق، لأن توقيع اتفاقية السَلامْ عادة ما يكون مصحوبًا بزيادة التوقعات الشعبية بتحسن سريع في الحياة اليومية للمواطنين.
(أ‌) الدور الذي من الممكن أن تلعبه الامم المتحدة:
إن إجراء تعديلات في مصفوفات إتفاق جُوبَا، وإعادة رسم الاولويات في الترتيبات، يتطلب جهود فنية عالية الكفاءة تقدمها آلية ذات حرفية و مصداقية عالية. إن أي تدابير سيتم إقتراحها لمواصلة تنفيذ إتفاقية جُوبَا، ستتطلب بشكل أولي، التوافق على آلية مقبولة و تحظى بقبول و دعم دوليين لجعل التفاوض حول التدابير الجديدة و التعديلات المتوقعة، ممكناً و قابلاً للتنفيذ.
في حالة السُودانْ الراهنة، تلعب الامم المتحدة دور مفتاحي في تنفيذ أهداف الوثيقة الدستورية لسنة 2019 و تنفيذ إتفاقية جُوبَا 2020. قبل التوقيع على إتفاق جُوبَا، و تحديداً في 3 يونيو2020 ، اعتمد مَجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القراربالرقم 2524 (2020) ، الذي أنشأ بموجبه بعثة الأمم المُتحدة المتكاملة للمُساعدة الانتقالية في السُودان (UNITAMS) ينتامس، وهي بِعثة سِياسية خَاصة ، لتقديم الدعم للسُودان أثناء انتقاله السِياسي إلى الحُكم الديمقراطي ، بما في ذلك مُساعدته في تحقيق أهداف الوثيقة الدستورية الصادرة في أغسطس 2019 ، و "دعم عَمليات السَلام وتنفيذ اتفاقيات السَلامْ المُستقبلية.
و في حالة تعثر تنفيذ إتفاق جُوبَا، على بعثة الامم المتحدة في السُودانْ أن تنهض بدورها، و أن تتبنى إستراتيجية تضمن عدم عودة الاطراف للحرب و النزاع المسلح. يجب أن تتمثل الإستراتيجية في قيام الأمم المتحدة بممارسة مساعيها الحميدة بطريقة تجعل الأطراف، في مواجهة حالة التعثر التي يواجهونها، و ان تضعهم أمام العيوب ونقاط الضعف التي يعانيها إلاتفاق، أن عليهم أن يختاروا الحفاظ على التعاون المشترك، والشروع في صياغة الحلول التي من شأنها أن تجعل استمرار عملية السَلامْ هي الخيار الأكثر جاذبية لكليهما. قد تواجه الاستراتيجية قدراً من الرفض الناشئ عن الافتقار إلى القدرة في إستيعاب الوضع الذي قد ينتج عن عدم تنفيذ الاتفاقية. يجب أن تشمل المساعي الحميدة للأمم المتحدة تزويد الأطراف بتحليل دقيق و واقعي لطبيعة المشكلة، و تقديم مقترحات و بدائل و سيناريوهات تساعد الاطراف في تبني معايير أكثر واقعية للتنفيذ. يساعد هذا النهج في الحفاظ على إرادة الأطراف لمواصلة عملية السَلامْ. تستند الامم المتحدة في مبادرتها لحل أزمة تنفيذ إتفاق السَلامْ على حياديتها، والخبرة الفنية الطويلة في تقديم مساعدات في تصميم بدائل أكثر ملاءمة.
الخَاتمة:
لم تتأسس إتفاقيات السَلامْ عبر تاريخ السُودانْ الحَديث في إطار عملية بناء تَحول ديمُقراطِي، و بالتالي لم تنجح إتفاقيات السَلامْ في خَلق بيئة للاستقرار السِياسي كما لم تنجح في بناء سلام مُستدام في السُودانْ. يتلخص السبب في إخفاق إتفاقيات السَلامْ في السُودانْ في التأسيس لسلام دائم او لتحول ديمقراطي، في أنها أعتمدت مَنهج (إقتسام السُلطة) و إشراك المُحاربين المعارضين للسلطة المركزية في الحكم كاساس لحل الأزمة، و لم تتأسس تلك الاتفاقيات على مَنهج (مُخاطبة جُذور المُشكلة في السُودان).
على الرغم من تَوقيع إتفاق جُوبَا للسلام في الثَالث من إكتوبر 2020 ، إلا إن الاوضاع السِياسية و الامنية لم تَعد مُحفزة لاستكمال عَملية السَلامْ بإلحاق الحَركة الشعبية لتحرير السُودانْ(شمال – جِناح الحُلو) و حَركة تَحرير السُودانْ (جناح عبدالواحد مُحمد نُور) الى مَجموعة المُوقعين عَلى اتفاقية السّلام. إذداد الوضع تعقيداً بعد أن تحالفت الحَركات المُوقعة عَلى اتفاق جُوبَا مع قِيادات الجَيش و الدَعم السَريع و عَمدت على عَزل رئيس الوزراء الانْتقالي و تَعطِيل بَعض نُصوص الدستُور التي تنظم العَملية السِياسية خِلال الفِترة الانْتقالية، و إقصاء قِوى إعلان الحُرية و التغيير (المُكون المَدني في الشراكة السِياسية في الفترة الانتقالية) في 25 إكتوبر 2021. فإستمرت أعْمال العُنف في دارفور والنِيل الأزرق وأمَاكِن أُخرى ، والتي تَقوض مَكاسِب اتفاق جُوبَا للسلام ، وتعيق الجُهود المَبذولة لتحقيق السَلامْ المستدام. بعد أن فشل أطراف إتفاق جُوبَا في تنفيذ الالتزامات التي نَصت عليها الاتفاقية. بعد أن مَضت التواريخ التي أشارت اليها المَصفوفة دون تنفيذ، تأكد أن تنفيذ الاتفاق يَحتاج الى ترتيبات و تدابير فَعالة جديدة، ربما يَكون من بينها نشر لقُوات حِفظ الأمن في مَناطق النزاع، وإصلاح المنظُومة الامنية، وإستحداث آليات دُولية فَعالة لرصد التنفيذ و التزام الاطراف بأحْكام الاتفاقية، و تأسيس نَظام للعَدالة الانتقالية شَفاف، بما في ذلك المُحاسبة على انتهاكات حِقُوق الإنْسان وانتهاكاتها.
في إطار تدابير إعادة مَسار التَحَول الديمُقراطِي، و إنجاح إتفاقية سَلام جُوبَا، من الضروري جَعل (عَملية بِناء السَلامْ المُستدام) و (عَملية إنْجاح التَحَول الديمُقراطِي) عَمليتين مُتكاملتين، و غَير مُنفصلتين، بحيث تَهدف كُل عَملية عَلى إنجاح الاخرى.

advosami@hotmail.com

 

آراء