إدارة الانتخابات وإعادة بناء الدولة في السودان: نحو نموذج توافقي قائم على التمثيل النسبي في الدول الهشة (الجزء الخامس)
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
عدم كفاية الانتخابات وحدها لتحقيق التحول الديمقراطي
تشير أدبيات التحول الديمقراطي إلى أن الانتخابات، رغم كونها أداة أساسية لتداول السلطة، لا تكفي وحدها لضمان بناء ديمقراطية مستقرة إذا لم تُرافقها إصلاحات مؤسسية واقتصادية وأمنية شاملة (O’Donnell and Schmitter, 1986). فالانتخابات قد تنتج “ديمقراطية شكلية” أو “تنافساً غير متكافئ” في ظل استمرار ضعف الدولة أو هيمنة النخب القديمة أو استمرار العنف.
وفي العديد من الدول الهشة، تمثل الانتخابات جزءاً من عملية انتقال سياسي معقدة تشمل إعادة بناء المؤسسات، وإصلاح القطاع الأمني، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وتحقيق العدالة الانتقالية، وإعادة بناء العقد الاجتماعي.
وفي السودان، تؤكد التجربة التاريخية أن إجراء الانتخابات دون إصلاحات عميقة لم يؤدِ إلى استقرار دائم. فقد شهد السودان انتخابات متعددة منذ الاستقلال، لكن هذه الانتخابات ترافقت مع انقلابات عسكرية أو أزمات سياسية لاحقة، ما يعكس ضعف البنية المؤسسية الداعمة للديمقراطية.
كما أن استمرار النزاعات المسلحة في بعض الأقاليم يجعل من الصعب إجراء انتخابات شاملة وذات مصداقية، لأن غياب الأمن يحد من حرية التصويت، ويؤثر على نزاهة الحملات الانتخابية، ويمنع مشاركة النازحين واللاجئين بشكل كامل.
وتشير تجارب دول مثل أفغانستان والعراق وليبيريا إلى أن الانتخابات التي تُجرى دون تسوية سياسية وأمنية شاملة غالباً ما تؤدي إلى نتائج هشة، وقد تعيد إنتاج النزاعات بدلاً من حلها (Paris, 2004).
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري في السودان تبني مقاربة شاملة تتجاوز التركيز على الانتخابات كغاية نهائية، نحو اعتبارها جزءاً من عملية أوسع تشمل:
بناء دولة قادرة ومؤسسات فعالة.
إصلاح القطاع الأمني والعسكري.
تحقيق العدالة الانتقالية.
معالجة جذور التهميش الاقتصادي والاجتماعي.
تعزيز الهوية الوطنية الجامعة.
ضمان استقلال القضاء والمؤسسات الرقابية.
دعم الإعلام والتثقيف الديمقراطي.
ضرورة التوازن بين الدعم الدولي والسيادة الوطنية
يعد الدعم الدولي عاملاً مهماً في عمليات الانتقال الديمقراطي في الدول الهشة، لكنه في الوقت نفسه قد يثير إشكاليات تتعلق بالسيادة الوطنية والشرعية الداخلية. فالتدخلات الدولية، سواء عبر الأمم المتحدة أو المنظمات الإقليمية أو الدول المانحة، غالباً ما تهدف إلى دعم الاستقرار وبناء المؤسسات، لكنها قد تؤدي أحياناً إلى فرض نماذج جاهزة لا تتناسب مع السياق المحلي (Barnett and Zürcher, 2009).
وفي السودان، لعبت المنظمات الدولية دوراً بارزاً في مراقبة الانتخابات وتقديم الدعم الفني واللوجستي، إضافة إلى المساهمة في عمليات حفظ السلام في بعض المناطق. غير أن هذا الدور ظل محل جدل سياسي داخلي، حيث يرى بعض الفاعلين أن التدخل الخارجي قد يؤثر على القرار الوطني أو يعكس مصالح دولية وإقليمية متباينة.
كما أن العقوبات الدولية التي فُرضت على السودان في فترات مختلفة أثرت على الاقتصاد الوطني والبيئة السياسية، وساهمت في تعقيد عملية الانتقال السياسي. وفي المقابل، ساهمت بعض برامج الدعم الدولي في تحسين القدرات الفنية للمفوضيات الانتخابية وتعزيز قدرات المجتمع المدني.
وتشير الأدبيات المقارنة إلى أن نجاح التدخل الدولي يعتمد على:
احترام الملكية الوطنية للعملية السياسية.
التنسيق مع الفاعلين المحليين.
دعم بناء المؤسسات بدلاً من فرض الحلول.
تجنب التسييس المفرط للمساعدات.
التركيز على بناء القدرات المحلية.
دعم عمليات المصالحة الوطنية.
أهمية إشراك النساء والشباب والمجتمعات المتأثرة بالحرب في العملية السياسية
يُعد إدماج الفئات المهمشة تاريخياً، مثل النساء والشباب والنازحين والمجتمعات المتأثرة بالنزاعات، أحد أهم شروط بناء ديمقراطية شاملة ومستدامة. فهذه الفئات غالباً ما تكون الأكثر تأثراً بالحروب والانهيارات الاقتصادية، لكنها في الوقت نفسه الأقل تمثيلاً في المؤسسات السياسية التقليدية (Tripp et al., 2009).
في السودان، تمثل النساء نسبة كبيرة من السكان، وقد لعبن دوراً محورياً في الحراك السياسي، خاصة خلال ثورة ديسمبر 2018، حيث شكلن حضوراً بارزاً في المظاهرات والاعتصامات والعمل المدني. ومع ذلك، لا يزال تمثيل النساء في المؤسسات السياسية والبرلمانية دون المستوى المطلوب تاريخياً.
كما يمثل الشباب الشريحة السكانية الأكبر في السودان، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 60% من السكان دون سن 25 عاماً، ما يجعلهم قوة اجتماعية وسياسية حاسمة في أي عملية تحول ديمقراطي. إلا أن البطالة وضعف الفرص الاقتصادية والسياسية أدى إلى تهميش واسع لهذه الفئة.
أما المجتمعات المتأثرة بالحرب، بما في ذلك النازحون واللاجئون، فتواجه تحديات كبيرة في الوصول إلى العملية الانتخابية، سواء من حيث التسجيل أو التصويت أو التمثيل السياسي، ما يستدعي سياسات خاصة لضمان إدماجهم.
وتتطلب المشاركة الشاملة:
اعتماد كوتا للنساء والشباب.
تسهيل مشاركة النازحين واللاجئين.
دعم منظمات المجتمع المدني.
ضمان حرية التنظيم السياسي.
توفير بيئة آمنة للمشاركة.
إزالة العوائق القانونية والإدارية.
تعزيز التمثيل الجهوي المتوازن.
الحاجة إلى إصلاح اقتصادي متزامن مع الإصلاح السياسي
تؤكد الأدبيات الحديثة في الاقتصاد السياسي أن الإصلاح السياسي في الدول الهشة لا يمكن أن ينجح بمعزل عن إصلاح اقتصادي شامل، لأن الفقر وعدم المساواة والبطالة تمثل بيئة خصبة لتغذية النزاعات السياسية وإضعاف الديمقراطية (Acemoglu and Robinson, 2012).
في السودان، ارتبطت الأزمات السياسية بشكل وثيق بالأزمات الاقتصادية، حيث ساهم التضخم المرتفع وانخفاض قيمة العملة وتراجع الإنتاج في زيادة الاحتجاجات وعدم الاستقرار السياسي. كما أن الاعتماد الكبير على الموارد الريعية، مثل النفط والذهب، خلق أنماطاً من “اقتصاد الريع السياسي” الذي يعزز الفساد ويضعف المؤسسات الإنتاجية.
وتشير التجارب المقارنة إلى أن التحول الديمقراطي المستدام يتطلب:
تنويع الاقتصاد.
مكافحة الفساد.
إصلاح النظام الضريبي.
دعم القطاعات الإنتاجية.
إعادة توزيع الموارد بصورة عادلة.
تقليل الاعتماد على الموارد الريعية.
خلق فرص عمل للشباب.
دعم التنمية الإقليمية المتوازنة.
كما أن الإصلاح الاقتصادي المتزامن مع الإصلاح السياسي يسهم في تعزيز الاستقرار وتقليل احتمالات عودة الصراع، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تستقر في بيئة يغيب فيها الحد الأدنى من العدالة الاقتصادية والاجتماعية.
أهمية بناء مؤسسات محلية قوية قادرة على إدارة التنوع والنزاعات
تشير خبرات الدول الخارجة من النزاعات إلى أن ضعف المؤسسات المحلية يمثل أحد أبرز أسباب انهيار عمليات الانتقال السياسي وعودة العنف، لأن المجتمعات المحلية غالباً ما تكون الساحة الأولى التي تظهر فيها النزاعات المرتبطة بالموارد والهوية والتمثيل السياسي (Brinkerhoff, 2007). ولذلك فإن بناء مؤسسات محلية قوية وفعالة يُعد شرطاً أساسياً لاستقرار العملية الانتخابية والتحول الديمقراطي في الدول الهشة.
وفي السودان، تكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية بسبب الامتداد الجغرافي الواسع، والتعدد الإثني والقبلي، والتفاوت التنموي الكبير بين الأقاليم، إضافة إلى ضعف سيطرة الدولة المركزية على أجزاء واسعة من البلاد خلال فترات الحرب والنزاعات المسلحة.
وقد أدت المركزية السياسية والإدارية منذ الاستقلال إلى إضعاف الإدارة المحلية بصورة تدريجية، حيث تركزت السلطة والموارد في الخرطوم، بينما ظلت الحكومات المحلية تعاني من ضعف التمويل وقلة الكوادر وضعف الاستقلال الإداري والسياسي (El-Battahani, 2009). كما أدى التسييس الحزبي للإدارة المحلية إلى تقويض دورها التنموي والخدمي.
وتشير الدراسات إلى أن ضعف المؤسسات المحلية في السودان ساهم في:
تصاعد النزاعات حول الأراضي والحواكير.
ضعف إدارة الموارد الطبيعية.
تدهور الخدمات الأساسية.
انتشار الفساد والمحسوبية.
إضعاف الثقة بين المجتمعات المحلية والدولة.
تصاعد دور الجماعات المسلحة والإدارات التقليدية كبدائل للدولة.
وفي دارفور مثلاً، ارتبط جزء كبير من النزاع بانهيار آليات الإدارة المحلية التقليدية والحديثة لإدارة الأراضي والرعي والزراعة، إضافة إلى التغيرات البيئية والتنافس على الموارد الطبيعية (de Waal, 2005). كما أدى ضعف مؤسسات الحكم المحلي إلى تفاقم النزاعات القبلية في شرق السودان وكردفان والنيل الأزرق.
وتوضح تجارب مثل جنوب أفريقيا والهند ونيجيريا أن بناء مؤسسات محلية منتخبة وقادرة على تقديم الخدمات يسهم في:
تعزيز المشاركة السياسية.
تقليل الشعور بالتهميش.
تحسين إدارة التنوع.
تقوية الرقابة الشعبية.
تخفيف الضغط على المركز.
تقليل احتمالات النزاعات العنيفة.
كما أن المؤسسات المحلية القوية تساعد في تنظيم الانتخابات بصورة أكثر فعالية، لأنها تكون الأقرب إلى المجتمعات المحلية والأقدر على فهم تعقيداتها الاجتماعية والثقافية.
وفي السودان، يتطلب بناء إدارة محلية فعالة:
توسيع صلاحيات الحكومات المحلية.
تعزيز الاستقلال المالي والإداري.
تدريب الكوادر المحلية.
بناء نظم شفافة للمساءلة والمحاسبة.
إشراك النساء والشباب والمجتمعات المحلية.
دمج آليات الإدارة التقليدية ضمن إطار قانوني حديث.
تطوير آليات محلية لحل النزاعات.
أهمية اعتماد نظام انتخابي يقوم على التمثيل النسبي لتقليل الإقصاء السياسي
تؤكد الأدبيات المقارنة أن النظم الانتخابية تؤثر بصورة مباشرة على طبيعة التمثيل السياسي والاستقرار الديمقراطي، خاصة في الدول متعددة الإثنيات والأقاليم (Lijphart, 1999). وفي هذا السياق، يُنظر إلى نظام التمثيل النسبي باعتباره من أكثر النظم ملاءمة للمجتمعات المنقسمة والهشة، لأنه يسمح بتمثيل أوسع للمكونات السياسية والاجتماعية ويقلل من احتكار السلطة بواسطة حزب أو مجموعة واحدة.
وفي السودان، ارتبطت كثير من الأزمات السياسية والشعور بالتهميش بسيطرة المركز السياسي والأحزاب الكبرى على مؤسسات الدولة، في ظل ضعف تمثيل الأقاليم الطرفية والمجموعات الصغيرة. وقد أدى ذلك إلى تصاعد الحركات المسلحة والمطالب الانفصالية والاحتجاجات الجهوية.
ويتميز نظام التمثيل النسبي بعدة خصائص مهمة في السياق السوداني، منها:
توسيع قاعدة المشاركة السياسية.
تمثيل الأقليات الإثنية والجهوية.
تقليل الإقصاء السياسي.
تشجيع التحالفات الائتلافية.
تقليل احتمالات العنف الانتخابي.
إضعاف منطق “الفائز يحصد كل شيء”.
تعزيز تمثيل النساء والشباب.
كما أن التمثيل النسبي يساعد في تقليل أثر التفاوتات الجغرافية والديموغرافية، لأنه يسمح بتوزيع المقاعد بناءً على نسبة الأصوات، بدلاً من الاقتصار على الفوز في دوائر فردية قد تهيمن عليها جماعات معينة.
وتشير تجارب جنوب أفريقيا والبوسنة والعراق ونيبال إلى أن التمثيل النسبي ساهم بدرجات متفاوتة في استيعاب التنوع السياسي والإثني خلال مراحل الانتقال السياسي (Reilly, 2001). ففي جنوب أفريقيا، ساعد نظام القوائم النسبية على تمثيل مختلف المجموعات السياسية بعد نهاية نظام الفصل العنصري، بينما ساهم في البوسنة في ضمان تمثيل المكونات القومية المختلفة بعد اتفاق دايتون.
وفي السودان، يمكن أن يسهم التمثيل النسبي في:
تعزيز تمثيل دارفور والشرق وكردفان والنيل الأزرق.
تقليل احتكار الأحزاب التقليدية الكبرى.
دمج الحركات المسلحة في العملية السياسية.
تشجيع بناء أحزاب برامجية عابرة للجهويات.
توسيع مشاركة النازحين واللاجئين.
تعزيز التمثيل النسائي والشبابي.
ومع ذلك، فإن نجاح التمثيل النسبي يتطلب معالجة عدد من التحديات، منها:
خطر التشرذم الحزبي.
ضعف الثقافة الحزبية البرامجية.
احتمال سيطرة النخب الحزبية على القوائم المغلقة.
استمرار التصويت الهوياتي.
ضعف مؤسسات الدولة المشرفة على الانتخابات.
ولذلك تقترح كثير من الأدبيات اعتماد نظام مختلط يجمع بين التمثيل النسبي والدوائر الجغرافية، مع وضع عتبة انتخابية معتدلة تمنع التفتت الحزبي المفرط (Norris, 2004).
ضرورة ربط النظام الانتخابي بإصلاح شامل للبنية الدستورية للدولة
لا يمكن لأي نظام انتخابي أن يحقق الاستقرار أو العدالة السياسية بصورة منفصلة عن البنية الدستورية والمؤسسية للدولة. فالنظام الانتخابي ليس مجرد آلية فنية لتوزيع المقاعد، بل جزء من الترتيب الدستوري العام الذي ينظم العلاقة بين السلطات ومستويات الحكم والحقوق والحريات (Sartori, 1997).
وفي السودان، ظلت الأزمات الدستورية والسياسية متكررة منذ الاستقلال بسبب غياب توافق وطني مستدام حول طبيعة الدولة ونظام الحكم والعلاقة بين الدين والسياسة وتوزيع السلطة والثروة. وقد شهد السودان فترات طويلة من الحكم بدساتير انتقالية أو مؤقتة، مع ضعف الاستقرار الدستوري والمؤسسي.
كما أن الانقلابات العسكرية المتكررة أدت إلى تعطيل التطور الدستوري الطبيعي، وتحويل كثير من القضايا الدستورية إلى موضوعات صراع سياسي وعسكري. وتشير الأدبيات إلى أن غياب الدستور التوافقي يزيد من هشاشة العملية الانتخابية، لأن الأطراف المختلفة لا تثق في قواعد اللعبة السياسية (Elster, 1995).
وفي السياق السوداني، يرتبط إصلاح النظام الانتخابي بعدد من القضايا الدستورية الجوهرية، منها:
طبيعة نظام الحكم: رئاسي أم برلماني أم مختلط.
توزيع السلطات بين المركز والأقاليم.
وضع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.
استقلال القضاء والمحكمة الدستورية.
ضمان الحقوق والحريات الأساسية.
العلاقة بين الدين والدولة.
إدارة الموارد والثروات الطبيعية.
الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي.
كما أن النظم الانتخابية تختلف في آثارها تبعاً للبنية الدستورية العامة. ففي الأنظمة الرئاسية داخل المجتمعات المنقسمة، قد يتحول التنافس على الرئاسة إلى صراع صفري يزيد من احتمالات العنف والانقسام، بينما تساعد الأنظمة البرلمانية أو المختلطة أحياناً في توزيع السلطة بصورة أكثر مرونة (Linz, 1990).
وفي السودان، يقترح عدد من الباحثين أن النظام البرلماني أو شبه البرلماني قد يكون أكثر ملاءمة خلال المرحلة الانتقالية، لأنه يقلل من تركيز السلطة في شخص واحد ويشجع على بناء التحالفات السياسية.
كما أن نجاح أي إصلاح دستوري يتطلب:
مشاركة واسعة من مختلف الأقاليم والمكونات الاجتماعية.
شفافية الحوار الدستوري.
حماية الحقوق الأساسية.
ضمان حياد المؤسسات العسكرية.
إشراك النساء والشباب والنازحين.
بناء توافق وطني حول أسس الدولة.
أهمية دمج الإدارة الأهلية في إطار الدولة الحديثة دون إعادة إنتاج الانقسام
تُعد الإدارة الأهلية من أكثر المؤسسات الاجتماعية والسياسية تأثيراً في السودان، خاصة في المناطق الريفية والطرفية، حيث لعبت تاريخياً أدواراً تتعلق بحل النزاعات وتنظيم العلاقات الاجتماعية وإدارة الأراضي والموارد (Abu Shouk, 2021). غير أن العلاقة بين الإدارة الأهلية والدولة الحديثة ظلت معقدة ومتقلبة منذ الحقبة الاستعمارية وحتى اليوم.
فقد استخدمت الإدارة الاستعمارية البريطانية نظام “الحكم غير المباشر” عبر الزعامات القبلية والإدارات الأهلية لإدارة الأقاليم، مما ساهم في ترسيخ الهويات القبلية وإعادة تشكيل البنية الاجتماعية والسياسية في السودان (Mamdani, 1996).
وبعد الاستقلال، تراوحت سياسات الدولة تجاه الإدارة الأهلية بين الإلغاء والإحياء والتوظيف السياسي. ففي عام 1971 ألغى نظام جعفر نميري الإدارة الأهلية رسمياً، لكنه عاد لاحقاً إلى إعادة توظيفها بصورة غير مباشرة. أما خلال عهد الإنقاذ، فقد توسع استخدام الإدارة الأهلية في التعبئة السياسية والأمنية، خاصة في مناطق النزاع.
وقد أدى هذا التسييس إلى عدة نتائج سلبية، منها:
تسييس الزعامات التقليدية.
تعميق الانقسامات القبلية.
إضعاف مؤسسات الدولة الحديثة.
تحويل بعض الإدارات الأهلية إلى أدوات للصراع السياسي.
إضعاف مبدأ المواطنة المتساوية.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الدور الاجتماعي المهم للإدارة الأهلية في السودان، خاصة في:
حل النزاعات المحلية.
تنظيم استخدام الأراضي والمياه.
الوساطة المجتمعية.
الحفاظ على التماسك الاجتماعي.
تسهيل المصالحات المحلية.
ولذلك فإن التحدي الأساسي يتمثل في كيفية دمج الإدارة الأهلية ضمن إطار الدولة الحديثة دون تحويلها إلى بديل للمؤسسات الديمقراطية أو إعادة إنتاج الانقسامات القبلية.
ويتطلب ذلك:
تحديد أدوار قانونية واضحة للإدارة الأهلية.
إخضاعها للدستور وسيادة القانون.
منع استخدامها في التعبئة الحزبية أو العسكرية.
تعزيز التوازن بين الشرعية التقليدية والشرعية الديمقراطية.
تطوير مؤسسات الحكم المحلي الحديثة.
إشراك النساء والشباب في الإدارة المحلية.
ضرورة ضبط العلاقة بين السلطة المدنية والعسكرية لضمان استقرار العملية الانتخابية
تُعد العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية من أكثر القضايا حساسية وتأثيراً في مستقبل التحول الديمقراطي داخل الدول الهشة، لأن اختلال هذه العلاقة غالباً ما يؤدي إلى انهيار المؤسسات المنتخبة أو اندلاع الانقلابات العسكرية أو تحول الانتخابات نفسها إلى أداة لإعادة إنتاج النفوذ العسكري (Huntington, 1957). وتشير الأدبيات المقارنة إلى أن الديمقراطية المستقرة تتطلب خضوع المؤسسة العسكرية لسلطة مدنية منتخبة بصورة دستورية وقانونية واضحة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مهنية القوات المسلحة ووحدتها القومية.
وفي السودان، ارتبطت الأزمة السياسية الحديثة بصورة مباشرة بالتداخل المستمر بين السلطة العسكرية والسياسة منذ الاستقلال عام 1956. فقد شهد السودان سلسلة من الانقلابات العسكرية في أعوام 1958 و1969 و1989 و2021، إضافة إلى تدخلات متكررة للمؤسسة العسكرية في تشكيل الحكومات الانتقالية أو إسقاطها.
وقد أدى هذا المسار التاريخي إلى عدة نتائج بنيوية عميقة:
إضعاف تطور المؤسسات المدنية المنتخبة.
ترسيخ ثقافة الحكم العسكري.
عسكرة المجال السياسي.
تسييس القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.
إضعاف الأحزاب السياسية والمجتمع المدني.
تحويل الصراع السياسي إلى صراع حول السيطرة على أدوات القوة المسلحة.
تآكل الثقة في الديمقراطية والانتخابات.
كما ساهمت الحروب الأهلية الطويلة في جنوب السودان ودارفور وكردفان والنيل الأزرق في توسيع الدور السياسي والاقتصادي للمؤسسة العسكرية، حيث أصبحت الحرب نفسها جزءاً من الاقتصاد السياسي للدولة السودانية، وارتبطت بها شبكات مصالح اقتصادية وأمنية معقدة (de Waal, 2015).
وتشير الدراسات إلى أن الإنفاق العسكري في السودان ظل مرتفعاً لفترات طويلة مقارنة بالإنفاق على التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، خاصة خلال سنوات الحرب الأهلية والعقوبات الاقتصادية. كما أن توسع النشاط الاقتصادي لبعض المؤسسات العسكرية والأمنية أدى إلى ظهور ما يُعرف بـ “الاقتصاد العسكري”، حيث أصبحت بعض الأجهزة تمتلك مصالح اقتصادية مستقلة نسبياً عن الرقابة المدنية (ICG, 2020).
وقد أدى ظهور قوات الدعم السريع وتحولها إلى قوة عسكرية واقتصادية مستقلة نسبياً إلى تعقيد المشهد الأمني بصورة غير مسبوقة. فبعد اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، دخل السودان في واحدة من أخطر أزماته منذ الاستقلال، حيث قُتل عشرات الآلاف، ونزح ملايين السكان داخلياً وخارجياً، وتعرضت البنية التحتية والمؤسسات العامة لانهيار واسع (UN OCHA, 2024).
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد النازحين داخلياً واللاجئين بسبب الحرب تجاوز 10 ملايين شخص خلال عام 2024، في واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم المعاصر (IOM, 2024).
وتؤكد التجارب المقارنة في أمريكا اللاتينية وجنوب أوروبا وأفريقيا أن استقرار التحول الديمقراطي يتطلب معالجة دقيقة للعلاقة المدنية–العسكرية، بما يشمل:
إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية دستورياً.
إخضاع الجيش للرقابة البرلمانية والمدنية.
منع تدخل القوات المسلحة في التنافس الحزبي.
توحيد القوات المسلحة ودمج التشكيلات الموازية.
إصلاح الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.
إخضاع الميزانية العسكرية للرقابة المؤسسية.
بناء عقيدة عسكرية وطنية غير أيديولوجية أو جهوية.
وفي جنوب أفريقيا، شكّل دمج قوات المؤتمر الوطني الأفريقي مع الجيش النظامي بعد نهاية نظام الفصل العنصري جزءاً مهماً من عملية الانتقال الديمقراطي (Sisk, 1996). أما في تشيلي والأرجنتين، فقد استغرق إخضاع المؤسسة العسكرية للرقابة المدنية سنوات طويلة بعد نهاية الأنظمة العسكرية (Stepan, 1988).
وفي السودان، يتطلب بناء علاقة مستقرة بين المدنيين والعسكريين معالجة عدد من القضايا المعقدة، منها:
دمج الحركات المسلحة ضمن جيش وطني موحد.
تفكيك الاقتصاد العسكري الموازي.
بناء مؤسسات أمنية مهنية.
إصلاح عقيدة القوات النظامية.
منع عسكرة الأحزاب والسياسة.
بناء توافق سياسي حول دور الجيش.
إعادة الثقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني.
كما أن نجاح الانتخابات مستقبلاً يرتبط بصورة مباشرة بقدرة الدولة على ضمان حياد القوات النظامية خلال العملية الانتخابية، لأن تدخل الأجهزة العسكرية والأمنية في التنافس السياسي يؤدي إلى فقدان الثقة في النتائج ويزيد احتمالات العنف والانقسام.
وتشير أدبيات التحول الديمقراطي إلى أن الانتخابات في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة غالباً ما تتحول إلى امتداد للصراع العسكري بوسائل سياسية، خاصة إذا شعرت الأطراف المسلحة بأن نتائج الانتخابات تهدد مصالحها أو وجودها (Karl, 1990). ولذلك فإن بناء احتكار الدولة للعنف المشروع يمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي عملية انتخابية مستقرة.
كما أن العلاقة المدنية–العسكرية ترتبط أيضاً بطبيعة النظام الدستوري. ففي الأنظمة الرئاسية شديدة التركيز، قد تزداد احتمالات تدخل الجيش بسبب الصراع الحاد حول السلطة التنفيذية، بينما تساعد الأنظمة البرلمانية أو التوافقية أحياناً في توزيع السلطة بصورة تقلل من الطابع الصفري للصراع السياسي (Linz, 1990).
وفي السياق السوداني، يقترح عدد من الباحثين اعتماد ترتيبات انتقالية تضمن:
مجلس أمن قومي خاضع للرقابة المدنية.
إصلاح تدريجي للقطاع الأمني.
جدول زمني واضح لدمج القوات المسلحة.
إعادة هيكلة الأجهزة الاستخباراتية.
آليات عدالة انتقالية خاصة بالانتهاكات المرتبطة بالمؤسسات العسكرية.
منع ترشح القيادات العسكرية للانتخابات قبل فترات زمنية محددة.
كما أن إعادة بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسة العسكرية تمثل جزءاً مهماً من عملية بناء الدولة، خاصة بعد فترات الحرب والانتهاكات. ويتطلب ذلك تعزيز الشفافية والمحاسبة واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون داخل الأجهزة النظامية.
وتوضح التجارب المقارنة أن الدول التي فشلت في إعادة تنظيم العلاقة بين المدنيين والعسكريين غالباً ما شهدت انتكاسات ديمقراطية متكررة. ففي باكستان وتايلاند وميانمار، ظل النفوذ السياسي للمؤسسة العسكرية أحد أهم أسباب هشاشة الديمقراطية وعدم استقرار الحكومات المنتخبة (Croissant et al., 2013).
أما في السودان، فإن استمرار تعدد مراكز القوة المسلحة وغياب الإصلاح الأمني سيجعل أي انتخابات مستقبلية معرضة لخطر الانهيار أو فقدان الشرعية، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تستقر في ظل وجود قوى مسلحة متنافسة خارج إطار الدولة الموحدة.
وتشير الخبرات الدولية أيضاً إلى أن إصلاح القطاع الأمني يحتاج إلى عملية طويلة ومعقدة تشمل:
نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج.
إصلاح التعليم والتدريب العسكري.
تطوير نظم الرقابة البرلمانية والقضائية.
إصلاح القوانين المنظمة للقوات النظامية.
إعادة بناء الثقة المجتمعية.
تعزيز المهنية والحياد المؤسسي.
وفي السودان، تزداد تعقيدات هذا الملف بسبب:
الانتشار الواسع للسلاح.
تعدد الحركات المسلحة.
التداخل بين الاقتصاد والحرب.
الانقسامات الجهوية والقبلية داخل بعض التشكيلات المسلحة.
التدخلات الإقليمية والدولية.
هشاشة الاقتصاد الوطني.
ضعف مؤسسات الدولة المدنية.
ولذلك فإن استقرار العملية الانتخابية والتحول الديمقراطي في السودان يرتبطان بصورة عضوية بإعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة ومهنية وخاضعة للسلطة المدنية الدستورية، لأن أي تسوية سياسية لا تعالج هذه القضية ستظل معرضة للانهيار أو العودة إلى العنف.
