بقلم: هشام الحلو
لا يمكن قراءة تاريخ التحديث والوعي الاجتماعي في السودان دون التوقف طويلاً أمام السيرة الذاتية الرائدة للشيخ بابكر بدري “تاريخ حياتي”؛ إنها ليست مجرد تدوين لمحطات عمرية أو سرد لـ “أنا” ذاتية تنفصل عن محيطها، بل هي وثيقة أنثروبولوجية وسياسية واجتماعية بالغة الأهمية، تشخص مخاض ولادة السودان الحديث من رحم التحولات الكبرى بين أواخر العهد المهدوي وبدايات الحكم الثنائي، لتغدو الوثيقة الأكثر طليعية في تاريخنا الحديث بالنظر إلى ضخامتها وتغطيتها لقرابة قرن من الزمان بين عامي 1861 و1954.
وتميزت “تاريخ حياتي” بصراحة متناهية وجرأة غير مسبوقة في نقد الذات والمجتمع؛ فلم يكن بابكر بدري يجمل الواقع أو يضفي هالة من القداسة على شخصه، بل قدم نصاً نابضاً بالحياة، يعج بالتفاصيل اليومية والمعارك الصغيرة والكبيرة. ومن خلال هذا السرد العفوي والعميق، يتتبع القارئ تحولاً هائلاً في البنية الاجتماعية السودانية، متمثلاً في الانتقال من مجتمع الحرب والجهادية في العهد المهدوي إلى مجتمع الإدارة والتعليم الحديث، ورصد حركة التجارة وصعود الطبقة الوسطى الجديدة، وتوثيق العادات والتقاليد والتحيزات الثقافية التي كانت تحكم علاقات الأفراد آنذاك.
إن هذه الطليعية الفريدة تتجلى بوضوح عند مقارنة “ود بدري” بسير معاصريه، كأعمال سلاطين باشا ويوسف ميخائيل؛ فبينما انشغل معاصروه بـ “التبرير السياسي”، أو الدفاعية والتحفظ الأخلاقي، تفرد بدري بتقديم نقد ثقافي شجاع نابع من الداخل. لقد انطلق من ممارسة فكرية وأخلاقية سبقت عصرها، وامتازت بشجاعة نادرة في التحرر من غشاوة الادعاء الطهوري، وهو الشاهد المعاصر الذي صهرته أهوال حملة “ود النجومي” لفتح مصر، ومرارة الأسر في “الشلال” و”دراو”، وصولاً إلى معركة “كرري” عام 1898.
وإذا كان اسم بابكر بدري قد ارتبط عضوياً بقضية “تعليم المرأة”، فإن سيرته الذاتية تمنحنا كواليس هذه المعركة الشرسة؛ فلم يكن الأمر مجرد قرار إداري بفتح مدرسة في “رفاعة” عام 1907، بل كان مواجهة وجودية ضد منظومة ثقافية كاملة ترى في تعليم الفتاة خروجاً عن العرف والدين. ويكشف النص عن استراتيجيته الذكية في إقناع المجتمعات المحلية والسلطات الاستعمارية معاً؛ فقد واجه المفتش الإنجليزي المتخوف من إثارة الحساسيات الدينية، وواجه في الوقت نفسه أعيان المجتمع الذين أوجسوا خيفة من الفكرة. ويعود هذا التكوين إلى روافد استثنائية شكلت وجدانه، وفي مقدمتها والدته قوية الشكيمة التي أورثته احتراماً عميقاً للمرأة وقدراتها، فغدت البذرة الأولى لجذور الحراك النسوي في السودان، إلى جانب شيخه “أحمد حامد الكراس” الذي استلهم منه المنهج الصارم في الإدارة والتنوير.
ولا تنفصل هذه الطليعية عن الصدق الراديكالي الذي وسم علاقته بسلطة الحكم الثنائي البريطاني المصري؛ فلم يسقط بابكر بدري في فخ العداء المطلق الذي يعمي عن الاستفادة من أدوات العصر، ولم يذب في التبعية الكاملة للمستعمر. لقد قدم الشيخ معضلة المثقف تجاه الاستعمار برؤية تفكيكية سابقة لعصرها، تجلت أوج فلسفتها في محاوراته الذكية مع الإدارة البريطانية، متجاوزاً منطق الصدام الصفري إلى “فقه الموازنات الذكي”، حيث وضع يده على التنازع الوجودي للمثقف الواقعي في حواره الشهير مع “السير كوري” حين قال بصراحة طليعية:
«الطبيعة تأمرني بمحبتك ولكن الشريعة تنهاني عن حبك! لذا فأنا تعبان بين الطبيعة والشريعة».
هذه البراغماتية الوطنية هي التي سمحت بوضع لبنات التعليم الأهلي، الذي تتوج لاحقاً بصرح “جامعة الأحفاد”، لتصبح أول وأكبر مؤسسة عليا لتعليم النساء في المنطقة. وحين سأله مسؤول بريطاني آخر: «لم تقول للتلاميذ إن الحكومة عاقلة ولا تقول عادلة؟» أجاب بجرأة واثقة فككت منطق السلطة: «لأنها ليست عادلة، ونحن عقلها خير لنا من عدلها».
وبعيداً عن المضامين الفكرية، يمتلك نص “تاريخ حياتي” جمالية أسلوبية خاصة؛ فاللغة عند بدري لغة حية تعتمد على “السهل الممتنع الشفاهي”، كأنه يجالس القارئ ويؤانسه، متحرراً من قيود التقعر اللفظي. وهي لغة محملة بالأمثال السائرة والتعبيرات الدارجة التي تمنح المشاهد المكتوبة حيوية بصرية؛ إنه يكتب بعين السينمائي المحترف الذي يلتقط حركة الشخوص في الأسواق والبيوت.
ولعل المأساة الفادحة التي تمثلت في حرق كراريس تاريخ السودان الستة التي ألفها الشيخ عام 1910 على يد الشيخ “محمد البدوي” (قاضي الإسلام آنذاك)، هي الدليل الدامغ على مدى طليعية بابكر بدري التي بلغت حداً تخطى سقف الوعي المجتمعي والسائد؛ حيث ينقل لنا “ود بدري” كواليس هذا المشهد الدرامي المهيب في مذكراته قائلاً:
«… استلم الشيخ محمد مني الكراريس وقال لي: اتركها وأحضر لي غداً في نفس هذا الزمن. في نحو الساعة الرابعة من اليوم التالي رجعت له ووجدته قد أحضر ناراً في موقد، وبمجرد دخولي عليه بدأ يقطع الكراريس كراسة كراسة ويلقيها في النار حتى أتى عليها كلها، ثم التفت إلي وقال غاضباً: أنت جاهل بأخلاق السودانيين بكتاباتك الحقائق عنهم، فالناس لم يستعدوا في بلدنا بعد لقرعهم بالحقائق. وحينما يظهر هذا الكتاب سيدسون لك من يقتلك…».
تظل تلك الحادثة شاهداً حياً على عقلية “الوصاية الاجتماعية” وخوف النخبة التقليدية من صدمة الحقائق، وتثبت في الوقت ذاته أن بدري كان عبقرياً سابقاً جيله بعقود من الوعي.
إن العودة إلى “تاريخ حياتي” ليست مجرد ارتداد إلى الماضي، بل هي ضرورة معرفية ووجودية لفهم الحاضر المأزوم؛ فكثير من أزمات السودان الحالية، وتحديات هويته، ما هي إلا تجل مباشر لغياب هذا الوعي التاريخي الشفاف، وامتداد لعدم قدرة النخب المتعاقبة على مواجهة “الحقائق العارية”. لقد علمنا بدري أن معارك التنوير الحقيقية تبدأ من أصعب المربعات: مربع التعليم وتغيير المفاهيم المجتمعية السائدة، مبرهناً على أن الطليعية الحقيقية ليست شعارات حماسية، بل هي قدرة شجاعة على مواجهة الذات والواقع بالحقائق العارية.
hishamissa.issa50@gmail.com
