إستقلال السودان: قراءة جديدة للشواهد التاريخية .. بقلم: بروفيسور عبد الرحيم محمد خبير
والسودان كتراكم ثقافي – تاريخي ظهر إلى حيز الوجود منذ أزمان بعيدة في التاريخ. وعُرِف السودان منذ القدم بالعديد من الأسماء. ولعل من أقدم هذه الأسماء الوصفية التي أطلقها الفراعنة المصريون على السودان (تاستي، Ta-Seti) وتعني “بلاد الأقواس”. ومن الأسماء التي إختص بها قدماء المصريين سكان السودان الشمالي “النحسيو – Nehasyu ” ومفردها “نحسي” وتعني “الأسمر”. وأطلق الفراعنة على المنطقة الممتدة من أسوان وحتى الشلال الثاني جنوب وادي حلفا إسم “واوات”. أما المنطقة الواقعة إلى الجنوب من الشلال الثاني وتمتد جنوباً فسميت “كوش” ثم أصبح إسم كوش يطلق على المنطقتين معاً. وكان السودان معروفاً للإغريق والرومان منذ بداية ظهورهم على مسرح التاريخ. ومنذ العصر الملحمي استخدم الإغريق مصطلح “إثيوبيا –Ethiopia ” ويعني “أرض الأقوام ذوي الوجوه المحروقة” ليس لوصف المنطقة جنوب مصر مباشرة بل معظم أفريقيا. وفي فترة لاحقة إستخدم الإغريق لفظ “إثيوبيا” في إشارة للسودان القديم واصفين حدوده الجغرافية وعلاقته بفارس التي إحتلت مصر عام 525 ق.م. وأطلق المؤرخون العرب في القرون الوسطى كلمة “السودان” المشتقة من تعبير “بلاد السودان” على كافة الأقاليم الممتدة جنوب الصحراء الكبرى من البحر الأحمر والمحيط الهندي إلى المحيط الأطلسي. ومنذ القرن السادس عشر أصبح إسم “الفونج” هو الأكثر تداولاً. بيد أن إسم “نوبيا” إستمر حتى مطلع القرن التاسع عشر عندما أصبح اسم “السودان” هو الأكثر شيوعاً.
وبعد نهاية عصر الرعامسة (1314 – 1085ق.م) دخلت مصر فترة من عدم الإستقرار السياسي تمكنت في نهايته كوش من إستعادة نفوذها السياسي في جنوب وادي النيل وبرزت كقوة إقليمية كبيرة في إفريقيا والشرق الأدنى القديملاسيما بعد أن ضمت مصر إلى نفوذها عام 751 ق.م في عهد الملك بيي (بعنخي). وتعد دولة كوش الثانية (مروي) وعاصمتها مروي القديمة (البجراوية) التي تقع شمال شندي على الضفة الشرقية للنيل وعلى بعد 200 كم شمال شرق الخرطوم صورة مصغرة لسودان اليوم بتباين أعراقه وثقافاته. وتنامى نفوذ هذه الدولة في بعض فترات التاريخ لتشمل وادي النيل طراً (751- 633 ق.م). وعندما غزا الآشوريون مصر (671ق.م) تقهقر السودانيون جنوباً حيث واصلوا حكمهم لدولتهم التي أدخلت في حوزتها مساحة شاسعة تبلغ حوالي ثلثي الأقاليم المكونة للسودان الحديث. غير أن الضعف السياسي والإقتصادي الذي إعتراها بعد فقدانها لمصر والثورات الإقليمية والعشائرية في مناطق متفرقة منها، ساعد كل ذلك عيزانا ملك دولة أكسوم الحبشية وضع النهاية الرسمية لها عام (350 م).
وكانت العلاقة بين الممالك النوبية المسيحية في الشمال وجيرانها من المسلمين في مصر سليمة وتتسم بالهدوء في الفترة ما بين (651-1323م) بعد أن تم توقيع اتفاقية البقط (651م). وكان السودان خلال هذا العهد يحكم على أساس إقليمي مع وجود السلطة المركزية على رأسها ملك في حين أن الأقاليم كانت تدار بواسطة حكام صغار يدينون له بالولاء والطاعة. وتغيرت الأحوال الداخلية في ممالك النوبة الشمالية وشابتها الإضطرابات والخلافات المتلاحقة لاسيما في الربع الأخير من القرن الرابع عشر الميلادي مما أدى إلى ظهور شيع وثورات وانقلابات أفضت في نهاية المطاف إلى زوال هذه الممالك في شمال السودان.
ونتيجة للحفريات الآثارية التي أجريت مؤخراً في النوبة المصرية (قصر أبريم) ونشر ما يزيد عن مائتي مخطوطة مؤرخة باللغتين العربية والتركية عثر عليها في هذه الحفريات، فضلاً عن الأبحاث التي أجريت في سجلات كل من القاهرة واسطنبول، أمكن التعرف على خمس مراحل تغيرت فيها الحدود السودانية –المصرية في الفترة ما بين (1516-1821م). وفي الفترة ما بين (1786-1821م) عانت دولة الفونج من تفكك متسارع وإضطربات أمنية داخلية في أجزاء متفرقة من مناطق نفوذها إستغلها محمد علي باشا والي مصر عام 1821م ليضمها وبقية أجزاء السودان لدولته التي كان يأمل أن تشكل إمبراطورية مترامية الأطراف تشمل إلى جانب السودان الجزيرة العربية وفقد بذلك السودان إستقلاله السياسي.
وأدت الحروب العديدة التي خاضتها الدولة السودانية في هذه الفترة في كل من الحبشة (1887م) ومصر (1889م) وفي أقاليم البلاد الداخلية إخماداً للفتن والثورات – أدت إلى إنهيار إقتصادي بلغ ذروته في مجاعة (1306هـ) (1890م) الشهيرة. وفي ظل هذه الأوضاع المتردية تلقت الدولة المهدية عدة هزائم عسكرية بواسطة القوات الأنجلو-مصرية في طوكر (1890م) والإيطالية في أغوردات (1893م). وفي خاتمة المطاف فقد السودان إستقلاله بعد زوال دولته الرابعة عقب معركة كرري في (8سبتمبر1898م) حيث دخل في ما سمى بالحكم الثنائي (الإنجليزي – المصري).
لا توجد تعليقات
