إسحاقيو سناج كفروا بنعمة ربهم (1/2) .. بقلم: خالد حسن يوسف
تأسست الحركة الإسحاقية والتي أطلق عليها الحركة الوطنية الصومالية في عام ١٩٩١، ومن ثم بدأت في ممارسة النشاط السياسي في المناطق التي تقطنها قبائل الإسحاق، وشمل ذلك محافظة سناج ومركزها عيرجابو، والتي يمثل الكثير من أبناء قبيلتي هبريونيس وهبرجيعيلو، من عداد سكان المدينة.
ومع تأسيس الحركة الإسحاقية في عام ١٩٨١ بلغ نشاطها السياسي محافظة سناج، حيث عملت على تأسيس قواعد سياسية مناصرة لها في المنطقة، وهو ما أسفر عن ظهور سلسلة أعمال مسلحة تجاه الحكومة، ومنها عمليات وضع ألغام في الطرقات المودية إلى المدينة، حصدت مجموعة من العسكريين.
منذ استقلال الصومال كدولة ظلت محافظة سناج والتي كانت وصولا إلى عام ١٩٨٢ تشكل جزء من محافظة توجظير، تمثل كمنطقة نائية وتشهد تدني في مستوى الحضور العسكري فيها مقارنة مع محافظات أخرى، فخلال عمر الدولة الصومالية لم يتعدى التواجد العسكري لقوات المسلحة على إختلاف تشكيلاتها، حجم الكتيبة.
في عقدي الستينيات ظلت محافظة سناج كمنطقة مهملة وغابت عنها الخدمات، رغم أنها شكلت كواحدة من المناطق المصدرة لثروة الحيوانية والسمكية، والتي كانت تعود بدخل جيد لاقتصاد البلاد، إلا أن الإشكالية كانت في أن تلك الموارد لم تكن تصدر مباشرتا من مرافئ المحافظة، بل أنها كانت تمر بكل من مدينة برعو ومن ثم تصدر من ميناء بربرة.
ولم تنحصر الفوائد على محافظة سناج، بل شملت عموم الوطن الصومالي، حيث كانت غالبية الشحنات المستوردة من الملابس،مواد غذائية،السجائر، المستلزمات المنزلية وادوات البناء، المحروقات، والكماليات، تم نقلها إلى عموم الوطن الصومالي، وكانت مدينتي جالكعيو وبرعو تمثلان مراكز تجميع تلك الشحنات في اتجاهات ثلاثة، الأول نحو وسط،وجنوب أرض الصومال، الثاني إلى مدينة برعو في شمال الصومال، أما الثالث نحو اوجادينيا المحتلة وتحديدا مدينة جيجيجا.
في أواخر شهر مايو ١٩٨٨ شنت الحركة الإسحاقية هجومين متزامنين على مدينتي هرجيسا وبرعو، حيث قدمت ميليشياتها من المناطق الصومالية الخاضعة لإثيوبيا، والمفارقة أن إسحاقيي مدينة عيرجابو توجهوا منذ اليوم الثاني مباشرتا إلى مناطقهم الريفية والجبلية على خلفية الانخراط في نشاطات عسكرية خلال المرحلة اللاحقة، فمحافظة سناج كانت آمنة ولم تشهد قدوم ميليشيات من غربها حين ذلك.
وبعد أسابيع من ذلك الحدث بدأت معالم ذلك التأثير يتخلل المشهد العام في سناج، إذ تم تجميع ميليشيات قبلية منحدرة من قبيلة هبرجيعيلو في مديرية عيل افوين والواقعة غربي المحافظة، وقامت فعليا بقطع الطريق الرابطة بين مدينتي عيرجابو وبرعو.
قام محافظ سناج العقيد محمد فارح حندولي المنحدر من قبيلة مجيرتين بجهد كبير للحفاظ على استقرار المحافظة، حيث ظل متواصلا مع الفعاليات الإجتماعية من شيوخ العشائر والأعيان خلال تلك الفترة الحرجة، لأجل حفظ أمن واستقرار المحافظة.
أما على المستوى الإداري فقد تم تغيير العقيد محمد فارح حندولي، والذي تم ترقيته لرتبة عميد، إلى مدينة هرجيسا، إلا أنه تعرض لكمين مسلح توفى على إثره أثناء مروره في الطريق الرابط بين مدينتي بربرة وهرجيسا، واستبدل بالعقيد جبريل علي صلاد، المنحدر من قبيلة موراسانتى.
حينما وجدت الحكومة ذاتها في موقف ضعف، بفعل خصومة الإسحاقيين ونظرا لافتقادها الأدوات لمجابهتهم، إنتهى بها الحال إلى سعيها لتوريط قبائل ذولباهنتي وموراسانتى، في الصراع، وتم تعيين العميد محمد فارح موسى منحدر من قبيلة مريحان، كقائد للمنطقة العسكرية الشرقية والتي شملت محافظتي سناج والشرقية.
وانتهى السياق إلى تجميع ميليشيا بلغ عددها حوالي ٦٠٠ شخص ينتمون إلى موراسانتى، من المناطق الشرقية والجنوبية لمحافظة سناج، تم تجميعهم في بلدة حينجلول وبعدها تم نقلهم إلى مدينة عيرجابو، حيث تقاطعت سياسة الحكومة مع مصلحة القبيلة، والتي كانت حريصة على أمن المدينة وأراضيها .
وعلى صعيد آخر قامت الحكومة بشن هجمات على مناطق الإسحاق في مديريتي عيرجابو وعيل أفوين، إلا أن مجزرة بلدة كالشالي كانت مروعة واتسمت بالغدر، وذلك بعد أن توجه ممثلوا المحافظة إلى القرية وجمعوا أهاليها تحث ذريعة مخاطبتهم وتوعيتهم، وبعدها تمت إبادتهم، وقتل منهم العشرات.
أدت عسكرة الإسحاق واستفزاز ميليشياتهم لسكان، ومن ثم مهاجمتهم للبلدات بصورة مستمرة إلى قيام ميليشيات مسلحة من قبل قبائل ذولباهنتي وموراسانتى اللتان أصيبتا بضرر كبير من التواجد العسكري للحركة الإسحاقية في سناج، وهو ما دفعهم إلى تشكيل ميليشيات خاصة بهم كانت مهمتها الأساسية مراقبة تخوم مناطق التلاقي الجغرافي بين الخصوم.
ورغم ذلك فإن تلك الهجمات لم تؤدي إلى شن أعمال عنف مماثلة تجاه الطرف الآخر، في محافظة سناج، وظل الأمر متسما بمجرد حالة دفاع عن النفس تجاه الهجمات المعتدية من قبل الحركة الإسحاقية، والمفزع أن أن الأهالي الإسحاق الذين استضافوا ورحبوا بحركتهم في سناج، وجدوا ذاتهم أذلاء تحث سيطرتها وأمام جبروتها.
وعلى إثر هجمات ميليشيات الإسحاق نشأت في سناج مثيلة لها دارودية، جاء ميلادها كرد فعل ولأجل حماية الذات من منطق انخرط معنا أو ستصبح عدوا مستهدف من قبلنا، ذلك المنطق وجد إستهجان كبير، وعمل على مدى سنوات لخلق فجوة كبيرة بين أهالي سناج.
استمرت الحرب الأهلية خلال الفترة ١٩٨٨- ١٩٩١، ومنذ عام ١٩٩٠ أصبحت محافظة سناج شبه معزولة عن مقديشو المركز، وانتهى دور الدولة فيها وعزلت مدينة عيرجابو عن باقي المحافظة، حيث أصبحت علاقتها بالعاصمة ضعيفة ورمزية بفعل تراجع دور الدولة فيها وقلة الإمكانيات وتراجع التواصل.
لا توجد تعليقات
