Sudanile-Logo-SQ

إطلالة على عالم حاتم الكناني

hishamissa.issa50@gmail.com
بقلم: هشام الحلو
حين نلجُ فضاءات الشاعر حاتم الكناني، فإننا لا نقتحمُ نصاً شعرياً بالمعنى المدرسي المستقر، بل نجد أنفسنا في مواجهة “مناخ” كوني شديد الكثافة، يتأسسُ على أنقاض اليقين، ويُشيّدُ صروحه من مادة الأسئلة الوجودية الوعرة. الكناني، في تجربته التي تمثل حجر زاوية في مسيرة جيل قصيدة النثر، يكتبُ بوفاءٍ وبلغةٍ تقفُ باحتدامٍ على تخوم الغياب.
ويظل ديوانه الأول “الينابيع تغسل أوزارها بيدك” الصادر عام 2014، هو المفتاح الأساسي لفهم شفرات الكناني الشعرية. في هذا الديوان، لم يكن حاتم يبحث عن مجرد التجديد الشكلي لقصيدة النثر، بل كان يؤسس لـ “طهارة لغوية” في مواجهة تلوث العالم. العنوان في حد ذاته يحمل مفارقة صوفية؛ فالينابيع (رمز النقاء الفطري) هي التي تبحث عن الغسل والتطهر بـ “يد” الشاعر، وكأن القصيدة هنا هي الفعل القدسي الذي يمنح الوجود براءته الأولى. لقد صاغ الكناني في هذا العمل المبكر ملامح جيل قصيدة النثر في السودان، متجاوزاً المباشرة السياسية إلى فضاءات “الذات الرائية”، حيث تميزت “الينابيع” بلغة مقتصدة تميل إلى التكثيف وضرب الصور الكلية التي تستنطق “خلاء الأشياء”، محولاً المفردات اليومية إلى كائنات ميتافيزيقية مهدت الطريق لنضج تجربته اللاحقة.
هذا الكشف الصوفي الحداثي الذي بدأ في “الينابيع”، يتجلى بأبهى صوره في نصه “شتات” – المنشور بمجلة مداميك في 4 ديسمبر 2024. فإذا كانت الينابيع قديماً تبحث عن غسل الأوزار، فإن الكناني في “شتات” يحاول لملمة بقايا الوجود بعد أن بعثرته الحرب؛ إنه نص يلامس بعمق حالة التشظي والنزوح التي يعيشها المبدع السوداني اليوم. يقول الكناني في “شتات”: «هناك ما يبدو وراء كل شيء.. ليس الأمل غالباً أو الاحتمال.. ما لا ينكشف أبداً بالحدس ولا بالنظر إلى سواد عين الحياة.. ما هو أكثر من الوجود وأقل من أن نراه يقظةً.. هناك حيث المكان ينطفئ والزمان يتحول إلى عدمٍ كامن.. كيف لهذه اللغات أن تجتمع لتبحث عن معنى وحيد لهذا الشتات؟ وكيف نغني أغنيةً تصير فيها الإيقاعات جميعها مفرداً؟».
في هذا النص، يشرع الكناني في تفكيك بنية الرؤية، باحثاً عما لا ينكشف بالحدس، بل بما هو “أكثر من الوجود وأقل من اليقظة”. إن عالمه هو معملٌ لترميم التشظي؛ ففي “شتات” تبرز معضلة اللغة في مواجهة التمزق الكوني، حيث يتساءل بمرارةٍ شفيفة: “كيف لهذه اللغات أن تجتمع لتبحث عن معنى وحيد؟”. وهو تساؤلٌ لا ينشدُ إجابةً بقدر ما ينشدُ “خلاصاً” إيقاعياً، محاولاً صهر التعدد الوجودي في وحدة واحدة، بحثاً عن تلك اللحظة التي تصير فيها الإيقاعات جميعها مفرداً.
إن الربط بين “الينابيع” و”شتات” يكشف عن تجربة عضوية متماسكة؛ فالكناني لا يطارد وهماً، بل يقتفي أثر الغياب الذي يسكننا. المكان عنده ليس حيزاً جغرافياً، والزمان ليس تتابعاً للثواني، بل هما فجوات في جدار العدم لا يملؤها إلا فيض القصيدة. هكذا يظل حاتم الكناني حارساً للدهشة القلقة، يجمع شتاتنا في أغنيةٍ واحدة تمنحنا القدرة على مواجهة العدم ومتاهات دروب الشتات بجماليةٍ رصينة ونفسٍ شعريٍّ لا يهدأ.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

بخيت منديل …. “المهدي المنتظر”

hishamissa.issa50@gmail.comبقلم: هشام الحلوفي رواية “شوق الدرويش” للكاتب السوداني حمور زيادة، نحن لسنا أمام مجرد سرد …