نزار عثمان السمندل
فجر الأربعاء، عادت الحرب إلى الخرطوم من السماء. انفجارات دوّت فوق العاصمة، ومسيّرات شقت أجواءها، فيما ردت المضادات الجوية. وفي التوقيت نفسه تقريباً، امتدت الضربات إلى عطبرة والدامر شمالا.
ثلاث مدن تقع في نطاق سيطرة الجيش، وثلاث إشارات تقول إن استعادة الأرض قد لا تعني استعادة الأمان.
منذ مارس 2025، استعاد الجيش الخرطوم بعد معارك طويلة مع مليشيا الدعم السريع. بدأت المدينة تستجمع ما تبقى من حياتها، وعاد إليها نحو 2.3 مليون نازح.
كانت العودة محاولة لاسترداد ما هوأكثر من البيوت والشوارع… محاولة لاسترداد فكرة المدينة نفسها، بعد أن تحولت إلى مسرح للموت والنزوح.
لهذا تبدو المسيّرات أكثر من سلاح جديد في حرب قديمة. إنها تضرب المعنى الذي أرادت الخرطوم أن تستعيده: أن يصبح الصباح عادياً مرة أخرى.
الحرب السودانية منذ اندلاعها بين الجيش بقيادة البرهان ومليشيا الدعم السريع بقيادة حميدتي في أبريل 2023، لم تتوقف عن تغيير جلدها. بدأت حرباً على الأرض، ثم أخذت تتخفف تدريجياً من شرط الاقتراب. صار ممكناً أن تصل الضربة إلى مدينة بعيدة من دون أن تصل إليها دبابة، وأن يُستنزف طريق أو منشأة من دون أن تُحتل الأرض المحيطة بها.
هنا تصبح المسيّرة سلاحاً للجغرافيا نفسها. السودان بلد شاسع، والجيش الذي يحاول حماية مدن ومطارات وطرق ومنشآت تمتد على مساحات هائلة يواجه معادلة مرهقة: الخصم يحتاج إلى ضربة، بينما تحتاج الدولة إلى شبكة دفاع واسعة كي تمنعها.
استهداف الخرطوم وعطبرة والدامر في وقت متقارب يفتح هذا الباب تحديداً. هل الهدف إصابة مواقع بعينها، أم دفع الجيش إلى بعثرة دفاعاته على مساحة أوسع؟
لا تكفي الإجابة عن هوية الهدف لتفسير الضربة؛ الأهم هو ما تفعله الضربة في قدرة الدولة على حماية عمقها.
المشهد يتزامن مع احتدام القتال في كردفان، حيث تتقاطع خطوط الإمداد وممرات الحركة وموازين القوة. الجيش يحتفظ بنفوذ واسع في وسط السودان وشرقه وشماله، بينما تسيطر المليشيا على مساحات كبيرة من دارفور، وتتحول كردفان إلى مساحة صراع على الطرق والمدن وما يمكن أن تحمله من قوة إلى الجبهة التالية.
في مثل هذه الحرب، قد يصبح الطريق هدفاً يعادل المدينة. وما تعجز القوة البرية عن قطعه يمكن أن تحاول المسيّرات تعطيله. وما يصعب اقتحامه يمكن إبقاؤه تحت النار. هكذا تتسع الجبهة من دون أن تتحرك خطوطها بالضرورة، وتصبح السماء امتداداً لحرب الأرض.
لكن الخطر الأعمق يقع خارج الحساب العسكري. الخرطوم التي عاد إليها الملايين لا تحتاج إلى غياب الدبابات وحده؛ تحتاج إلى الإحساس بأن السماء نفسها أصبحت آمنة. تكرار الهجمات قد يعيد إنتاج الخوف، ويبطئ العودة، ويضع ملايين النازحين أمام السؤال الذي ظنوا أنهم تجاوزوه: هل العودة إلى المدينة عودة إلى الحياة، أم عودة إلى انتظار ضربة أخرى؟
الحرب قتلت، وفق تقديرات عاملين في الإغاثة، أكثر من 200 ألف شخص، وشردت أكثر من 12 مليوناً. وكلما انتقلت الحرب إلى المدن، اتسعت المأساة من معركة بين قوتين إلى حرب على شروط الحياة نفسها.
الجهة التي نفذت هجمات الأربعاء لم تعلن مسؤوليتها رسمياً، كما لم تتضح بعد حصيلة الأضرار. لذلك لا ينبغي تحميل الضربة أكثر مما تحتمل. لكن تزامنها واتساع نطاقها يكفيان لطرح السؤال الأهم: ماذا لو لم تكن المسيّرات عابرة في سماء الحرب، وإنما أصبحت إحدى لغاتها الدائمة؟
عندها لن تكون المشكلة في أن الخرطوم استعادت الأرض ثم فقدت السماء، وإنما في أن الحرب نفسها وجدت طريقة للعودة من دون أن تستعيد المدن. وستصبح الدولة أمام امتحان أصعب من استرداد العاصمة: كيف تحمي مدينة من عدو لا يحتاج إلى دخولها؟
ربما هنا يكمن الوجه الأكثر قسوة لهذه الحرب: كلما ظن الناس أن الجبهة ابتعدت، اكتشفوا أنها لم تختف؛ كانت فقط تبحث عن سماء جديدة.
