زرياب عوض الكريم
أكباش فداء هزيمة الدولة في عرينها التاريخي
(هدم تقاليد العقد الإجتماعي للتعايُش من إجتثاث مُجتمع الكنابي إلى تصفية عائلة الناظر هباني)
حُكم الإعدام الصادر في محكمة الدويم الإبتدائية والذي تم تأييده من محاكم الحرب السياسية الأخرى في كوستي والخرطوم ، ضد زعيم قبلي تاريخي ، وشيخ طاعن فوق السبعين عاماً.
هي قضية تلفيق سياسي مُعدة سلفاً بعناية (1) قبل وقت طويل من إلقاء القبض عليه من الإستخبارات العسكرية والإفراج عنه في مدينة كوستي ، ثم إعادة القبض عليه في محلية القطينة وبلدة نعيمة (مسرح التلفيق الجنائي).
خلال حرب الخرطوم في 15 إبريل 2023. وصولاً الى خروج قوات الدعم السريع من المدينة في 26 مارس 2025.
إتهمت الإستخبارات العسكرية ومن وراءها كوادر حزب المؤتمر الوطني (الحركة الإسلامية) داخل مُجتمع (قبيلة الحسانية) وخارجه ، المُوالين زبائنياً للمنظومة الأمنية والسياسية ، لحكومة الجبهة الإسلامية العسكرية منذ عام (1991) ، في عدد من مُجتمعات القبائل الأخرى ، العربية (والمُصنفة سياسياً كذلك) منها خاصة.
عدداً لا يُستهان به من زُعماء القبائل المُختلفين ، بالتعاون مع المُعارضة الشمالية (تحالف قحت). والولاء التعاقُدي مع الخصم الإجتماعي المُنافس (قوة الدعم السريع).
وتوعدتهم علناً في خطابات مُسجلة مُوثقة ، بالتصفيات الجسدية أو الإغتيال. من خلال القصف الجوي بالمسيرات والغارات الجوية. وبالتنكيل الإجتماعي والإذلال السياسي.
ومن خلال موجة من مُمارسات إرهاب الدولة ، والإبادة الإثنية ، ضد بعض القبائل في شمال كردفان ووسط السودان (مثل قبيلة الشنابلة) ، و إستخدام نموذج (مُكافحة التمرد) المخالف للقانون الدولي ، بتسليح قبائل أخرى ضد نفس القبائل (المارقة) عن هيمنة السُلطة.
سعت (حكومة بورتسودان) القائمة بقُوة الأمر الواقع ، إلى إخضاع هذه القبائل بالقُوة العارية. وإيجاد شُروخ إجتماعية ، ضد المُخالفين منهم.
وإتهامهم (إعداد قائمة إتهام سياسي وإجتماعي ضدهم) في وسائل الإعلام الحكومية والمُوجهة من الأجهزة الأمنية معاً ، بالتضامُن الإجتماعي والتعاطُف مع مشروع حركات الهامش المُسلحة ، في دارفور وكردفان والنيل الأزرق. لإنتزاع السُلطة من النخبة الشمالية النيلية.
وبمُعادة مصالح الطبقات البرجوازية – الناهبة – في المركز ، التي ورثت نهب موارد الدولة منذ عام 1898، وكرس لها الإستعمار ، إمتيازاتها غير المشروعة بعد العام 1956.
لا بل تشريع سلسلة من القوانين غير المكتوبة ، للتنكيل بهم وإذلالهم علناً. ومُصادرة كرامتهم وإلغاء وجودهم وإستباحة مُمتلكاتهم (بإعتبارها غنيمة حرب).
هذه الحملة الحكومية الأمنية هي (حملة عقاب إجتماعي) مرصودة. في التعجُل بهدم العقد الإجتماعي -التوفيقي – للتعايش الطبقي الموروث عن البريطانيين منذ الحاكم العام وينجت باشا في 1898.
تُمثل عنفاً طبقياً إجتماعياً من الطبقات المهيمنة المسيطرة ، بواسطة أدوات الدولة الجيش والشرطة والقضاء ورجال الدين والإعلام.
عنف طبقي يأخذ الطابع الهُوياتي والثقافي المُضاد ، ويمثل عنف القومية المهيمنة (عنف قومي بحت).
(تحدثوا علناً عن إعدامهم سبعة آلاف متعاون خارج نطاق القانون في ولاية واحدة).
أيضاً ردة فعل الطبقات المُسيطرة في – المركز – منذ القرن التاسع عشر ، من خلال توظيفها جهاز القمع التابع لنظام الإنقاذ ، منذ عام 1989. لتصفية خُصومها الإجتماعيين.
وتوظيفها جهاز الدولة في خدمة مصالحها وروايتها التاريخية المزيفة والآحادية. ومظلُوميتها المُضادة الناشئة بعد الحرب.
ضد مُجتمعات هامش المركز ((مُجتمعات الإستدخال)) inferiority complex class ، في وسط السُودان وفي شمال كردفان.
تلك التي قررت فك إرتباطها المِيكافيلي والزبائني بالمركز الشمالي النيلي ، في حرب 15 إبريل 2023 (بعد سبعين عاماً من إخفاق دولة الإستقلال المُزيف). سواء من خلال الإنحياز لقوات الدعم السريع صراحةً في حرب الخُرطوم ، أو من خلال إبداء الحياد (من الحرب).
وقد بدأت هذه الحملة (حملة الإبتزاز الإجتماعي والكراهية) أولاً ضد مُجتمع (قبيلة الشكرية) و (رفاعة غرب) ، إبان وجود ابوعاقلة كيكل قائداً لقواتها في ولاية الجزيرة وعبدالرحمن حميدة البيشي قائداً لقواتها في سنار. لإجبارها على سحب أبناءها من قوة الدعم السريع. بعد فشل الحملات العسكرية في إستعادتها بالقوة.
بل إن الإستخبارات العسكرية وقُوة من الجيش هاجمت منزل عبدالله مسار ، المُستشار الرئاسي السابق للرئيس المعزول عُمر البشير و أحد أقارب حميدتي ، في وضع النهار. وصادرت منزله وممتلكاته في العاصمة ، مع أهازيج محمومة ومُصورة بالهتاف للجُنود. رُغم ولاءُه السياسي القديم للسُلطة.
مُعاقبةً له على دور الوساطة الإجتماعية والتهدئة ، التي كان يقوم بها لإطلاق سراح عدد من الضباط الأسرى والمُحتجزين لدى الطرف الاخر.
وهي حوادث تكررت مع عدد من المسؤولين السابقين ، في حكومة عبدالله حمدوك (إحتلال بيوتهم وتعليمها بوسم الإستخبارات العسكرية وتسليمها لضُباط من الجيش).
آخرهم عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي ، الذي صُودر منزل أقاربه بالوراثة الذي كان يسكن فيه ولا يملُكه طيلة حياته في مدينة أم روابة (تحت عنان هُتاف يشق الأرجاء ، لعدد من الموالين للسلطة الذين تجمعوا لحضور مسرح الثأر السياسي المفضوح في الهواء الطلق).
كما صُودر منزل قيادي آخر في حزب الأمة في مدينة – الأُبيض- يُقيم خارج البلاد منذ بدء الحرب ، بواسطة الإستخبارات العسكرية أيضاً.
وهكذا..
إستقبلت الطبقات المُهيمنة والمُسيطرة في الخرطوم (داخل مافيا نظام يونيو 1989 العسكري ، الذي تقوده الان لُجنته العسكرية بقيادة البرهان ، خلفاً للفراغ الذي أحدثه إزاحة البشير وعوض إبن عوف).
الطبقات المُسيطرة ، التي إنتخبت الموظف الأممي السابق الدكتور كامل إدريس الطيب وإبن شقيقه (أمجد فريد الطيب) ، لتبرير وتبييض جرائمها الواسعة والمُستمرة في الحرب ، بدعم خليجي مفتوح ومن الأنظمة العسكرية العربية (مصر والجزائر) غير مسبوق.
إستقبلت هزيمتها العسكرية والأمنية والسياسية في الحرب ، من خلال شن حرب مُجتمعية إنتقامية (شاملة). شعارها المنحل والدعوة علناً من أعلى الهرم الإجتماعي إلى (ذبح المُتعاونين).
إستحلال دماءهم ، وتجريد حواضنهم الإجتماعية البعيدة من الصفة الإنسانية.
تمهيدًا وتبريراً لإبادتهم بكافة الأدوات. بما في ذلك الدعوة إلى تحويل أجسادهم واجساد عائلاتهم إلى كومة من (الكباب المشوي) بواسطة سلاح الطيران.
حيثُ لقي الطيارين العسكريين -الشماليين – إحتفاءاً إجتماعياً كبيراً و مُباركة إجتماعية مُوثقة (في وسائل الإعلام الحكومية والخاصة والعربية الموالية للنظام العسكري والمتضامنة معه وفي مقدمتها الإعلام الخليجي الممول قطرياً وسعودياً قنوات الجزيرة والعربية وغيرها). لدورهم في قصف مُدن دارفور وخصوصاَ مدن الضعين والمُجلد.
من خلال تدشين حقبة فاشية عسكرية عنيفة ، مُمتزجة بالخطاب النازي التقليدي وأدواته الأنثربولوجية. من الإبادة إلى المحرقة إلى الحل النهائي.
لا بل الإجتراء في ظلال من الصمت والتواطؤ الدولي وإبتزاز للضمير الإنساني العالمي (بذريعة وحُجة البحث عن رواسم البقاء للقومية المُهيمنة وحمايتها من المهددات الإجتماعية ، أو الدفاع عمن يُسمونهم كرام المواطنين من إنتهاكات المهمشين والمغبونين إجتماعياً من الطبقات الدنيا) ، على إقتراف سلسلة من الإبادات الإثنية المُعلنة في (هستيريا نخبة حُكم) غير مسبوقة ، بدلاً عن إبداء الإصلاح السياسي والاجتماعي. من منظور جديد.
عسكرة الإنقسام الإجتماعي – الطبقي داخل القبيلة الواحدة
حكم الإعدام بحق الناظر مأمون هباني ، هو حُكم مكتوب سلفاً (في إنتظار مسرح الإخراج والتنفيذ السياسي) ، بما يمثله من غبن سياسي للسُلطة ونُخبة الحُكم ضد شعب (المحكومين).
لنخبة حُكم (فاقدة للشرعية السياسية) و(الشرعية الاجتماعية) ، تُشرعن لنفسها الحق ، في مُحاكمة ومُعاقبة المُجتمعات المحلية من خلال ((تخوينها)) على عَقد إجتماعي ((.. لم يُكتب أصلاً)) . وإستبدال الشرعية السياسية بنمُوذج جُمهورية الخوف.
في الوقت الذي أحجم فيه المُجتمع الدولي ومُؤسساته ، عن الإستثمار في ملف مُتابعة حقوق الإنسان ، في عدد من الدول. بعد إنكسار موجة ثورات الربيع العربي.
وهو ثمرة لعسكرة – الإنقسام الإجتماعي – داخل المُجتمعات المُوحدة ، من خلال ربط الطبقات الطُفيلية -الناهبة والفاسدة- المُتوالية ، لنظام الجبهة الإسلامية العسكري ، داخل مُجتمع قبيلة الحسانية وغيرها من المُجتمعات المُصنفة على أنها حاضنة ولائية للدولة. ولنظام الحُكم غير الوطني بعد الإستقلال.
ربطهم بمصير النظام السياسي الأمني القائم.
وقد أنتجت السُلطة خطابات دعوة (شبيهة بالنازية) إلى النقاء العرقي (الكتلة العرقية والكتلة التاريخية).
وإستعارة أدبيات جون قرنق في جنوب السُودان معكوساً عن (التحرير). وتوظيفها في الدعوة إلى تحرير مُجتمعات (المركز) و(هامش المركز) في وسط السودان من الأقليات المُندمجة فيه ، من أية تداخلات إجتماعية مع السُودانيين الآخرين (الدعوة علناً والعمل حثيثاً على فك الإرتباط الإجتماعي والسياسي بمجتمعات الهامش ، وفك الإرتباط مع الأقاليم الأُخرى : لأول مرة في تاريخ الصراع مُنذ الخمسينيات). .
بعد أن كانت تدعوا في الماضي إلى الإستيعاب القسري لإثنيات السُودان ، خوفاً من إستحقاق تقسيم الثروة الوطني ، إلى نموذج (بوتقة الإنصهار).
باتت اليوم تدعوا إلى التعجُل في تقسيم السودان ، بسبب إنقلاب موازين القوة العسكرية والديموغرافية والإقتصادية لصالح مجتمعات الهامش ومجتمعات غرب السودان تحديداً ، خوفاً من إنتقال السُلطة.
خطاب (كواهلة صر) pure identity ، الذي خصصته السُلطة لإستبعاد – عائلة هباني – من قيادة مجتمع القبيلة ، كما هو خطاب (حَمر صر) الذي يدعوا لإستبعاد الأقليات من قبيلة الحَمر (في مدينة النُهود).
يُعبر عن مخاوف تلك الطبقات الطفيلية الفاسدة الناشئة داخل القبائل ، على مُستقبل الإرتباط الأمني بالسُلطة وخسارة الثروة المنهوبة منذ عام 1990-2005.
ويعكس مأزق إرتباط هذه الطبقات الزبونية الهامشية ، أمنياً وإقتصادياً ، بالمركز.
هذه الأحداث ليست جديدة ، وقد عايشها الإقليم الأوسط (المذكور) من قبل. إبان إعتداءت المؤسسة العسكرية والجيش ، السابقة ، ضد الجزيرة مدينة أبا الدينية وبلدة الشوال (1970). ومنطقة جودة الزراعية وإبادة قبيلة – نزى – في جنوب النيل الأبيض (1956). على يد الجيش والشُرطة.
فشل المُجتمع الدولي في إدانة جرائم الدولة
يُلام ناشطي ما تسمى ثورة الخبز ديسمبر 2019 ، و أجسامهم المطلبية من تجمع المهنيين إلى تحالف (قحت) ، رغم الوجود المؤثر لمجتمعات الضحايا، من مجتمعات الجزيرة أبا ومُجتمعات الكنابي في داخله.
على تفويتهم فرصة تدويل جرائم الدولة السودانية التاريخية بعد الإستقلال ، وإستصدار إدانة تاريخية ، في مجلس الأمن الدولي ومجلس حقوق الإنسان والمحاكم الأوربية المُهمة.
في جرائم الدولة (مشروع الجزيرة 1945) بممارسة التمييز العنصري المؤسسي والأبرتهايد في مشروع الجزيرة.
وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي إرتكبتها مُؤسسة الجيش السوداني ، ضد مُجتمعات الجنوبيين منذ 1955 ، مذبحة عنبر جودة 1956 ، مجزرة الجزيرة ابا وحي ود نوباوي حين قصفت أحياء المدنيين بالطيران الحربي والمدفعية الثقيلة.
لقد فشلت حكومة عبدالله حمدوك وإبراهيم البدوي غير المأسوف عليها ، في ربط وجودها بملف حقوق الإنسان (دولياً). وتفكيك التحالف المعادي تاريخياً لحقوق الإنسان في السودان. كما وصفه المفكر الشمالي الكبير الدكتور عبدالله البشير (بولا) ووصفه رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي فور خروجه من السجن في كتابه (حقوق الإنسان في السُودان).
هذا التحالف الثقافي العنصري الديني (الذي يمثل الإمبرياليين المقهورين الشماليين) ، الذي يمكن أن نسميه المجمع الحربي الصناعي الإحتكاري في وسط السودان.
ويُسمى نفسه التحالف الإسلاموعروبي (أيضاً تحالف النهر والبحر) ، وهو تحالُف شوفيني – هُجومي. مهمته الإعتداء على القوميات الاخرى في السُودان ، وليس الدفاع عن جماعة عرقية (مهددة تاريخياً) ، بالإنتقام.
بسبب دورها في خدمة الإستعمار وإذلال السودانيين (كما يدعي الناطقين باسمه عبدالرحمن عمسيب ، الطيب مصطفى أو غازي سليمان).
الوظيفة التي إرتبط بها التدخل الخارجي الناجح ، في إنهاء دورات القمع والشيفونية في العراق (2003).
كما في يوغسلافيا (1999) وكمبوديا (1969) ورواندا (1994) والكونغو (1960). وصولاً إلى ليبيا (2011).
فشلت حكومة حمدوك (مرتعشة الأيدي) ، في ربط وجودها بوظيفة وقرارات الحماية الدولية ، لضحايا حرب دارفور وتعويضات الجنوبيين والرق (الإسترقاق) ، و القنانة (الكنابي). والقمع الهوياتي واللغوي في أقصى شرق السودان وشماله وغربه.
فالدولة اللاوطنية التي تأسست في السُودان مُنذ عام 1955 ، (كما هي في خطاب إسماعيل الأزهري ومحمد أحمد المحجوب وعبدالخالق محجوب في المائدة المستديرة في مدينة جوبا وفي مذكرات اولاد حي الهاشماب الذين أسسوا الحركة الإتحادية مع مصر).
هي دولة لنظام همجي بربري لديه مناعة فكرية ضد الحداثة الغربية والقيم الإنسانية الأوروبية لحقوق الإنسان ، تعود تقاليدها وميراثها النفسي والاجتماعي ، إلى القرن التاسع عشر.
مُصممة أيدلوجياً ومؤسسياً ، على العداء لحقوق الإنسان ، وإهدار حرماته ، كجزء من الأيدلوجيا الفاشية العسكرية (المتمركزة حول الإستعلاء العرقي) والمُمتزجة بالأيدلوجيا الدينية.
لقد فشل المجتمع الدولي تحت ضغط سعودي مصري جزائري ، بالدرجة الأولى ، في تحميل الجيش السوداني مسؤولياته ، أو في إدانة جرائمه المُوثقة ، منذ حرب الجنوب 1955.
التي تُمثل في ثلاثة وجوه ، جرائم حرب وعُنف دولة موجه وأعمال تطهير عرقي وتهجير (مُوثق ومعلن).
الفشل في إستصدار إدانة ضد جرائم الجيش السوداني في مجلس الأمن الدولي ومجلس حقوق الإنسان ، بنفس الإدانات السابقة ، التي لحقت بالجيش العراقي عقب إجتياحه الكويت وحلبجة بالاسلحة الكيماوية في التسعينيات. وإدانة النظام العسكري للخمير الحمر في كمبوديا. وإدانة النظام السوري في 2012.
تشبه تواطُؤ أطراف المجتمع الدولي مع الإبادة في ميانمار (لأسباب ثقافية). تتعلق بعدم التعاطُف مع الضحايا أو التعاطف المعكوس مع القومية (البرجوازية الشمالية المهيمنة).
وتتحمله أساساً دول الخليج والنظام المصري ، إضافة إلى تردُد حكومة آخر رئيس وزراء معترف به دولياً عبدالله حمدوك في مخاطبة مجلس الأمن الدولي ودعوته إلى الإدانة والتدخل العسكري حتى.
من أجل إدانة الجيش وتجريم حربه العبثية ، وإستعادة الحكومة المدنية أولاً ، وليس الدخول في مُساومة جديدة مع الجيش السوداني. لن تفضي إلى سلام أو إنهاء حرب أو وقف نزيف الضحايا.
الصراع في أعقاب 15 إبريل 2023 ، لا يختلف عن الحرب الأهلية التي أعقبت الثورة السورية ، وحرب الإبادة التي شنها النظام السوري السابق لإستعادة قبضته الحديدية.
وعالم السجون , المقاصل , مفارم الموتى ، وبيوتات الأشباح. التي ظلت أدواته في الحكم وثقافته الحكمانية ، خلال أربعين عاماً.
هستيريا الدولة المَهزومة من الداخل : نموذج إعدام محمُود محمد طه ومحمود سِنين
للجيش السوداني قبل الإستعمار وبعده ، تاريخ طويل وتقاليد موروثة ، في التنكيل بالزعماء السياسيين حتى الموت (تشهد عليها منافي السجون البعيدة من كوبر إلى جبل الرجاف ونيالا) ، وفي إعدام الزعماء الإجتماعيين خصوصاً في مناطق الحرب. من أجل تخويف الناس وإثبات نفوذه.
حادثة الذبح التي قامت بها وحدات متخصصة في مدينة أم روابة ضد أحد قيادات التعليم المعارضين 2025 ، و الإعدام الميداني للعمدة عبدالقادر هباني في بلدة (ود نمر) غرب بلدة (نعيمة) على الضفة الغربية من النهر. هي شواهد بسيطة.
فقد سبق له ، بتفويض من رئيس الوزراء السابق إسماعيل الأزهري ، بإعدام زعماء إتحاد المزارعين في مشروع جودة الزراعي القطن. خنقاً داخل حامية كوستي 1956.
- إعدام الزعماء والسلاطين الجنوبيين في مدينة واو (إقليم بحر الغزال). بتوجيه مباشر من رئيس الوزراء الأسبق محمد أحمد المحجوب في الفترة 1967-1969.
- إغتيال الزعيم الجنوبي وليم دينق بتوجيه من رئيس الوزراء الشمالي. 1965.
- إعدام الزعيم السياسي داؤود بولاد 1992 ، والشيخ محمود سنين (دفن حياً) ، في نيالا وكاس ، بتوجيهات من مُجرم الحرب ، الحاكم الطيب سيخة ولجنة أمنية على رأسها القائد العسكري ( مهدي صالح).
وبدون مخاطبة هذه التقاليد الفاشية واستصدار قرارات دولية بتغيير عقيدته القتالية ، كما حدث مع الجيش الياباني والألماني والعراقي والصومالي ، لن يكون هناك تصحيح لمسيرة حقوق الإنسان. في هذا البلد الموبوء بالعُنف.
لقد تفاجأ العالم مثلاً في 1983 ، بإعدام المفكر محمود محمد طه على يد نظام نميري الدموي بعيد خلاف سياسي بينهما. الذي وجد في انقلاب يوليو 1973 فرصة لإعدام عبدالخالق محجوب والشفيع محمد أحمد.
بل كاد البشير مراراً خلال 1999-2004 يظفر بإعدام الترابي.
لكن ذلك كان مُتجذراً في ثقافته.
قادة الجيش السوداني كانوا تاريخياً على قدر من الضعف السياسي والثقافي والمعرفي (عقدة طبقية من الشعور بالدونية المهنية والطبقية أمام النخبة السياسية) ، أمام الأنتلجنتسيا السياسية والاجتماعية.
مثلما كانت نقطة ضعف المثقفين الشماليين هي زعماء الإدارة الأهلية التقليديين وشعبيتهم الجارفة.
وثقافة الإعدامات السياسية في تاريخه ، هي تعويض ثقافي – نفسي (سيكولوجية العسكر) عن عُقدة الشعور بالدونية (الإجتماعية).
إعدام الناظر مأمون هباني (جريمة حرب)
لا ينفصل حُكم الإعدام الذي أصدرته النخبة الأمنية سراً وعممته على المحاكم المدنية ، عن سياقات حرب 15 إبريل. وتوظيف هذه السياقات من قبل تلك النُخبة العسكرية الشمالية في أعلى الهرم والأمنية الوظيفية المرتبطة بالتنظيم الإسلامي في أدناه ، التي تحاول إعادة إستخدام – نظرية السور الواقي – واكبر قدر من العنف في إعادة تشكيل هوية الدولة وحدودها الإجتماعية السياسية.
لهذا لا يمكن مُحاججة حُكم سياسي مُسبق لا قضائي ، قيضت له النخبة المهيمنة في مفاصل القرار ، تخريجات قضائية وقانونية آحادية (من أعلى إلى أدنى). من خلال المنطق القانوني.
هذا الحُكم هو جُزء من مُفاصلة إجتماعية (مُنتظرة) ونفسية كبرى ، للقطيعة مع النموذج الوحدوي الذي تركه (ريجنالد وينجت باشا). ظلت تهفوا إليها أفئدة النُخبة منذ الستينيات (إعادة تشكيل هوية الدولة والبلاد بما يتسق مع تصوراتها وحدودها الإجتماعية).
هو جريمة حرب لا حكم قضائي بحت ، يستدعي من العاملين في الحقل الإنساني ، إستصدار (إدانة دولية) بحق القضاء المحلي السوداني نفسه ، بوصفه جهازاً غير ممتثل لمتطلبات العدالة.
تجريد الجهاز القضائي والقانوني في السُودان ، من شرعيته المستمدة من تقاليد الإستعمار ، التي يجرى منذ الستينيات توظيفها ، في صراع إجتماعي طبقي هوياتي ، وصراع ثقافي ، صراع ذاكرة. هو واحدة من دروس الإنتقال المهمة ، التي ستحميه مُستقبلاً من التوظيف الأمني منذ عام (1958).
بمثل ما فعل مُدعي المحكمة الجنائية الدولية الأكثر شهرة (لويس مورينهو اوكامبو) الذي وجه تهمة الإبادة الجماعية للديكتاتور عمر البشير.
يجب الإسراع في مُلاحقة تشكيل أو فريق القضاة ورئاسة القضاء والنيابات والتحري. الذين أصدروا حكم الإعدام ضد الناظر الشيخ مأمون هباني ، أمام القضاء والمحاكم الدولية.
وتبيين طبيعة مُهمتهم الجنائية ضمن منظومة الإبادة ، في سياق النزاع والحرب ، التي لا ينتبه لها أحد ، في سياق الأنظمة الشمولية الدموية وخصوصيتها الهمجية البربرية في السُودان ، في نظام الفظائع والمجازر المُرتبطة بالحرب ، الحرب الثقافية والأهلية.
أولئك لذين سبق لتشكيلهم الإجتماعي الوظيفي ذاته ، إستصدار حكم الإعدام (غير الموضوعي) , بتُهمة غير قانونية ، إسمها تهمة تغيير العقيدة الدينية (الردة) ، ضد الثمانيني محمود محمد طه.
حتى تحقيق هذه السابقة العدلية ، التي ستحمي الكثير من الضحايا وتوفر دمائهم. وتجعل القضاء المحلي السوداني (المُرتهن للعنف والهوس الهوياتي) ، تحت وصاية المعايير الدولية. والقانون الدولي.
Northernwindpasserby94@gmail.com
هامش :
- أهم ما فيها هو إحداث تأليب مُمنهج لرأي إجتماعي ، محلي ، يؤيد التنكيل بعائلة الناظر إدريس آدم هباني وإذلالهم ومصادُرتهم. وتحويلهم إلى كبش فداء لهزيمة الدولة السياسية والعسكرية أمام قوات الدعم السريع.
من خلال تحميلهم مسئولية إنسحاب الجيش والأجهزة الشرطية والأمنية والنظام العسكري لإنقلاب 25 اكتوبر من المُدن وتخليهم عن حماية المدنيين.
تماماً كما حصل في العشرية الأولى من حُكم نظام الإنقاذ ضد (رجال الأعمال مجدي محجوب والطيار جرجس بسطوس).
northernwindpasserby94@gmail.com
