إعــلان بوسـطن مديـنة نوبــية: تهتكـت أسـتار الـتزييف فـتعرت أبعاد الجـريمة .. بقلم: البروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد
فلم يكن إفتتان البوسطنيين بالإرث النوبى مقصورا على لمحة الخاطر النوبية بل كانت لذلك الإفتتان جذور تاريخية هامة. فيعلمنا التاريخ أن أهمية السودان للإمريكيين من أصول إفريقية يعود إلى الفخار الذى ملأهم وهم يسمعون أو يقرأون عن إنتصارات الثورة المهدية وتتغنى صحفهم بعظمة الشعب السودانى وثواره المسلمين الذين كسروا أسطورة التفوق العرقى للبيض الأوربيين على الأفارقة السود. فرأوا فى إنتصارات الثورة المهدية مصدر فخر لهم بعد أن مُرِّغ أنف الإستعمار الأبيض الذى أذلهم لقرون طويلة وحولهم إلى سلع وممتلكات تباع وتقتل بلا وازع، فى فترات العبودية التى عاشوها فى العالم الغربى – – خاصة فى الولايات المتحدة. فكان أحتفاؤهم بهزائم الإستعمار البريطانى المتتالية خاصة ما أنجزته الثورة المهدية لأول مرة فى تاريخ الجيش البريطانى وأسقطت أهم ما كان البريطانيون يزهون ويتباهون به وهو أنه لم تستطع قوة فى العالم كسر مربع لذلك الجيش لا فى الصين ولا الهند ولا فى أى من الحروب الأوربية أو حروب الإستقلال الأميريكية ولا أى بقعة أخرى فى العالم فى آسيا أو إفريقيا أو أستراليا ولا نيوزيلندا ولا حتى فى حروب البوير فى جنوب إفريقيا. ولكن السودانيون الأشاوس كسروا لهم مربعين فى معركة توماى ومعركة أبو طليح. وأضافوا لتلك المفاخر إبادة جيش هكس المكون من خمسة عشر ألفا فى خمس عشرة دقيقة فقط فى معركة شيكان كأسرع إنتصار فى تاريخ الحروب. فكانت كل تلك الإنتصارات حافزا للأفارقة الأميركيين للإطلاع على تاريخ السودان منذ قديم الأزمان ليفهموا سر تلك القوة الخارقة والشجاعة المتفردة وإعلاء قيم الكرامة والعزة الوطنية. فراق لهم ما رأوه من جلال وعظمة الحضارة النوبية وإبنها محمد أحمد المهدى، فأخذوا فى تبجيلها والإنتساب إليها.
وحينما قدم الفنان العالمى حمزة علاء الدين إلى أميريكا وبهر الجمهور بآلاته وموسيقاه النوبية، إرتبط إسمه مع أعظم موسيقيى وفنانى الولايات المتحدة يومها أمثال المناضل هارى بيلافونتى وجون باييز ومريام ماكيبا وأحد أعظم المبدعين فى عزف البوق، زوج ماكيبا الأول هيوى ماساكيلا، وفرقة القريتفل ديد وألان ديلون. ولكن ظل أمر كونه نوبيا محورا لمحبة خاصة فى أوساط الأفارقة الأميريكان. حتى أن الأستاذ شريف عبدالخالق أبن الشيخ عبدالخالق ونائب رئيس مجلس إدارة كلية روكسبرى العليا، يذكرنى دوما بأن والده كان دائم الحرص على حضور حفلات حمزة علاء الدين حتى لو إقتضى الأمر السفر إلى نيويورك أو نيوجيرسى. وحينما كان يقيم حفلاته فى بوسطن لم يكن يتبقى مقعد ولا مساحة للوقوف، حتى تفيض القاعة بالمتفرجين وتمتلئ بهم الشوراع المحيطة بالقاعة. وكان عليه رحمة الله بعد إنتهاء الحفلات يطلب منى أن أقله بعربتى إلى فيلا جماعتهم الصوفية فى جاميكا بلين أحد أحياء بوسطن التى يقطنها عدد مقدر من المثقفين واللبراليين من صفوة الطبقة الوسطى. وهى الجماعة التى أرتبط بها منذ الستينات فى بوسطن.
ولتكتمل الصورة ظهرت أخيرا أشهر مغنية أميريكية اليوم بيونسى فخورة فى زى الكنداكة النوبية أمانيشخيتو وتجسدت أمها تينا نولز فى زى الإلاهة النوبية ذات الأجنحة الذى وجد أصله الذهبى فى مدفن أمانى ناتكيلبتى فى نورى. والذى أتخذته الحملة الإعلامية لمتحف بوسطن للفنون الجميلة شعارا لموادها التثقيفية والإعلانية للحدث المرتقب فى اليوم السابع من أكتوبر. فضجت وسائط التواصل الاجتماعى بروعة أزياء هاتين السيدتين ومغزاها الحضارى. فصار الحدث مركز الحديث عن بهاء بيونسى الأسطورى وهى تتقمص شخصية إحدى عظيمات التاريخ البشرى. وتم تبادل الصور والفيديوها التى وثقت للحدث بدرجة مكثفة وواسعة فى وسائط التواصل.
وتتوالى الإعترافات بعظمة التاريخ النوبى حين ينص دليل الجناح على: “من قبل مايزيد عن الثلاثة آلاف سنة نشأت ممالك نوبية…إمتدت شبكاتها التجارية عبر البحر الأبيض المتوسط إلى الإمبراطوريات اليونانية والرومانية وأعماق إفريقيا. وفى القرن الثامن قبل الميلاد…ولحقبة أمتدت قرنا من الزمان سيطرت على أكبر إمبراطورية فى التاريخ القديم. وقد شيد النوبيون مدنا بالغة العظمة، ومعابد وقصورا وإهرامات أكثر عددا من المصرية. وقد أبدع فنانوها وحرفيوها فى خلق مجوهرات فخيمة العظمة، وفخاريات، ومصنوعات معدنية، وأثاثات ومنحوتات. ولكن القليلين جدا من الناس اليوم يعلمون ولو القدر اليسير عن هذا التاريخ القوى الجبار…
كل زول
لا توجد تعليقات
