الجريدة هذا الصباح ..
وزير الخارجية بهذا التصريح طعن بنفسه في شرعية القرار السياسي السوداني، وأقدم على تصوير بلاده على أنها أصبحت تفقد القدرة على الاستقلالية.
فماذا يعني أن يصرح مسؤول رفيع بأن “دولة أخرى ستحمي أمن البلاد قبل الجيش الوطني”!!
أطياف
صباح محمد الحسن
إقرار
طيف أول:
أحياناً يلزمك ركضٌ أبدي
كلما التفتَّ ووجدت قلبك أقرب لتلك المعاني الزائفة!!
وبالأمس أكد وزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني، محيي الدين سالم، خلال مباحثات ولقاءات رسمية في مصر، أن الشعب السوداني يكون أقوى عندما تكون مصر الكنانة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي سنداً وقوة له في مواجهة التحديات والتهديدات (وأن مياه مصر سيحميها أهل السودان، وأن أمن السودان ستحميه مصر قبل الجيش السوداني) .
والعلاقة بين الدول يجب أن تقوم على الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على صيغ “الوصاية” أو الاستنجاد المفرط الذي يُظهر السودان بمظهر الطرف الضعيف أو “التابع”.
وفي الأعراف السياسية والوطنية والدبلوماسية التي يعلمها الوزير، إن حديث الحاكم أو المسؤول للخارج يجب أن يقوم على أساس أن العقيدة الأساسية هي الاعتماد على الذات والافتخار بالوطن والسيادة الوطنية ؛ فحتى في أشد أوقات التحالف تقارباً بين الدول، تحافظ الدبلوماسية الرصينة على “هيبة الدولة”، فيمكن التعبير عن أعمق أشكال الامتنان والشراكة مع أي دولة دون إسقاط هيبة الدولة أو التنازل الرمزي عن السيادة، لأن الكرامة الوطنية والسيادة هما خطان أحمران لا تقبل الشعوب المساس بهما مهما كانت حجم التحديات والضغوط.
فالتحالف دائماً يعني “نحن نقف معاً”، بينما الصيغة التي ظهرت في تصريح الوزير بدت أنها تنازل عن الدور السيادي الأساسي للدولة لصالح طرف خارجي.
خاصة أن هذا الخطاب يأتي في وقت حساس تمر به البلاد، حيث تحتاج الجبهة الداخلية الآن ،لا سيما بعد الغضب الشعبي للاعتداء المصري على السودانيين إلى خطابات تبعث الثقة وتعيد للشعب كرامته المسلوبة، لا الخطابات التي تُشعر المواطن بأن بلاده أصبحت “قاصراً” أو عاجزة عن حماية نفسها ومحتاجة لوصاية مطلقة!
فإن كان أمن السودان تحميه الدول الأخرى، فأهلاً بالتدخل الدولي الذي ربما يكون أفضل لأنه يحقق السلام ولا يقدم الدعم لاستمرار الحرب.
ومع ذلك كله، قد لا تُقرأ هذه الخطابات كخطأ دبلوماسي أو سياسي يمكن تخطيه، عندما تقرأ على جبين وزراء الحكومة ما يجعلك تقف على واجهة الإذلال الذي يتجاوز الخطاب السياسي ويمس وطنيتك؛ فمن المفترض أن الخطابات الرسمية للدول، خصوصاً في أوقات الأزمات والحروب، تتحدث عن أن الجيش قادر على الدفاع عن أمنه وأرضه حتى لو أنه “غير مستطيع”، لا أن تُقلل من شأنه، طالما أن الحكومة دائماً تتهم خصومها السياسيين بأنهم يقللون من مكانة الجيش.
فماذا يعني أن يصرح مسؤول رفيع بأن “دولة أخرى ستحمي أمن البلاد قبل الجيش الوطني”؟ فهذا التصريح لا يُفسر شعبياً وعسكرياً إلا أنه إقرار بعجز المؤسسة العسكرية وافتقارها للكفاءة، وهو أمر “يجرح كبرياء” أي جيش وطني.
ولو كانت هناك سيادة فعلية وحقيقية لتمت محاسبة هذا الوزير وإقالته، ولكن من الذي يقيله إذا كان قائد الجيش نفسه لو منح هذه الفرصة لألقى ذات الخطاب أو أسوأ منه؟!
فأزمة الحكام في السودان تجاوزت فشلهم الداخلي وإخفاقهم، وأصبح لها أثر بالغ على كرامة المواطن وسمعته؛ فعندما يكون الحاكم خاضعاً وخانعاً يكون مؤذياً لمشاعر الشعب ومهيناً لكرامته وعزته. والغريب أن وزير الخارجية بهذا التصريح طعن بنفسه في شرعية القرار السياسي السوداني، وتصوير بلاده على أنها أصبحت تفقد القدرة على الاستقلالية.
وقرن محيي الدين سالم خطابه بالجمع ما بين مياه مصر وأمن السودان، مما يعني أنه يرسل رسالة مبطنة لإثيوبيا في ملف المياه وسد النهضة، ولكن في ذات الوقت عندما تحدث عن المسيرات التي تضرب السودان قال إنها: “(مسيرات مدفوعة القيمة تضرب الأطفال والنساء)” ولم يقل إنها مسيرات إثيوبية، بالرغم من أن حكومته اتهمت إثيوبيا مباشرة!
فليس هناك مبرر لحجب الاتهام لإثيوبيا، لكن صمته أو عدم صراحته في اتهامها في ملف “المسيرات” داخل الأراضي المصرية يعني أن الحسابات الدبلوماسية للوزير داخل مصر قد مالت نحو التركيز على “نقاط الاتفاق الاستراتيجي والتحالف” وتجنب الذهاب بعيداً في تفجير أزمات تفصيلية تخص جبهات عسكرية أخرى، لكي لا تظهر الزيارة وكأنه يجر الدولة المضيفة إلى مواجهة مباشرة غير محسوبة.
طيف أخير:
#لا_للحرب
قال تحالف قوى التغيير الجذري إنه يرفض التصريحات الأخيرة المتعلقة بالاستعداد لتراخيص وتسهيلات لوجود روسي على ساحل البحر الأحمر، وأن سلطة الأمر الواقع القائمة وقائدها لا يملكان أي تفويض دستوري أو شعبي أو أخلاقي يخول لهما التصرف في الأراضي والموارد السيادية للسودان.
