إلى أولئك اللواتي صارت المطارات وطنهن المؤقت…إلى المرأة في عيدها

الصادق حمدين

إلى المرأة في يومها، تلك التي حملت الوطن بين ضلوعها وسكنت أوطاناً أخرى…
إلى التي جعلت الغربة عنوان هويتها، وحقيبة السفر والترحال وثيقة ميلادها الثانية… إليها في زمن الحرب والتيه….

إليكِ يا من خبأت الحنين في جيب معطفك، وتظاهرت باللامبالاة، فقط كي لا تبكي أمام أعين العابرين… كي لا تضحكي حزناً ولا تذرفي الدمع فرحاً مصنوع…

أعرفك جيداً، وأعرف وهج العاطفة فيك.
أعلم عن يقين ذلك الشعور الذي يُثقل الكتفين، لا من حقيبة السفر والترحال، بل من الذاكرة المتعبة… من الحنين إلى الماضي… من الأماكن والناس… من ذلك الوطن الذي تسرب من بين الأنامل واليدين…حتى أصبح ذكرى بعيدة…

أعرفك حين تضحكين بصوت صاخب، كي لا يسمع أحد صدى انكسارك من الداخل.
وكيف تتظاهرين بأنك تُحبين الترحال، بينما في حقيقتك لا تبحثين إلا عن لحظة هروب مؤقتة واستقرار، ولو بين ذراعي حلم خُلّب بعيد التحقيق والمنال.

كل مطار، مهما بدا لامعا، هو مؤقت كطيف أو خيال.
وكل غربة، مهما طالت، لها موعد رجعة، حتى ولو لم نعرف التاريخ بعد.

قد لا تعود المرأة كما كانت، لكنها تعود على أية حال…
بنصف قلبها، بنصف روحها، بنصف ذاكرتها، وبعض الحكايات وكثير من الصمت الصاخب.

اكتبي، يا صديقتي… التي هاجرت داخل نفسها…..
اكتبي عن الغربة، عن اللواتي غادرن بصمت يشبه الوداع الأخير.
اكتبي عن المرأة المنسية تلك التي سكنت قلبك يوماً، ثم ضاعت بين مطارين.
اكتبي عن الوطن الذي لم يعد كما كان، وعنك أنت حين كنت هناك… حين كنت أنت بحق.

أكتبي عن المدن عن الخرطوم الأنيقة، عن أم درمان التاريخ، عن بحري سر الهوى، عن مدني الجمال عن نيالا البحير …..عن كل مدينة وقرية..
اكتبي عن “المرحال”، عن “الكوزي”، عن “الدرنقل”، اكتبي عن “التبلدية”، عن الحلة، عن القرية و”الفريق”، اكتبي عن صخرة الملتقى… عن القصص التي لم تُروى في حينها…

اكتبي عن كل أولئك الذين اختزلوا الغربة في كلمات… في قصيدة… في بيت شعر، فشعرنا أنهم يتحدثون بلساننا شوقاً وحنيناً.

لا تدعي الألم يخنقك من الداخل. فاليوم عيدك استلفي منه لحظة فرح على حساب القادم من أيام ربما تكون أفضل

اكتبي… فالكتابة وطن،
وكل حرف تكتبينه الآن هو خطوة نحو الرجوع، حتى لو طال الطريق ولم يعد الوطن كما كان وطناً.

يا أيتها الوطن الأم، والأخت والزوجة والحبيبة….والخالة والعمة والجدة….
يا أرضَ البدايات ومصدرَ الحياة، اكتبي عن النور الذي يشرق من حضورك، وعن الحبّ الذي يفيض دفئاً في هذا العالم. اكتبي عن الحنين الذي يقود القلوب إليك دائماًز، فأنتِ الأرض إذا ضاقت المسافات، وأنتِ الدفء حين يبرد الزمن، وأنتِ الحكاية الأولى التي تعلّم منها العالم معنى العطاء والحياة.

umniaissa@hotmail.com

عن الصادق حمدين

الصادق حمدين

شاهد أيضاً

الجنرال إبراهيم جابر: يدٌ تزرع … وأخرى تضغط الزناد

الصادق حمدين هكذا بدا خطابك يا سيادة الجنرال؛ تتغنّى بالأرض كما لو كانت قصيدة خضراء …