قبل أن يصلوا (يستولوا) علي السلطة؛ رفع الإسلاميون شعارات ورايات الدستور الاسلامي و القوانين .. (تحكيم شرع الله في ارض السودان)!
وكلما قيل لهم : (ماهذا لكم ببرنامج، قدموا برنامج سياسي يخاطب قضايا الناس المعاصرة وقضايا أهل السودان -ودولتهم- في هذا الزمان..) ردوا بعصبية وبهتافية، ورموا من يجادلهم بالكفر، وتوعدوه بالويل والثبور وعظائم العواقب والأمور في الدنيا قبل الآخرة!!
وزعموا أن ما حاق ويحيق بأهل السودان (ودار الاسلام عموما) إنما حاق بهم ويحيق جراء (بعدهم من الله) وعصيانهم أوامره واتيانهم نواهيه..الخ
ونتيجة لهذا الخطاب (الساحر) وجدوا أنفسهم مقربين من سلطة (العقيد/المشير/ جعفر نميري)٭، ورغم أن المصائب التي حلت بالسودانيين بعد أن تبني ‘الامام’ نميري شعارات الإسلاميين كانت افدح من التي قبلها، كالحرب والمجاعة -الا أن ذلك لم يقلل من سحر ومقبولة شعاراتهم وامانيهم التي منوا بها أهل السودان- ثم وجدوا أنفسهم كذلك في قلب السلطة التي أعقبت الإطاحة به!!
كل ذلك ‘سحرية الخطاب وتسهيلات نميري، وتساهل حكومة الديمقراطية الثانية’ مكنّهم من التخطيط للاستيلاء علي السلطة و الانفراد بالحكم والقرار في يونيو ١٩٨٩م.
بعد أن استولوا علي السلطة، طفقوا في تجريب كل المجرب وغير المجرب مما أوحي به إليهم خيالهم وامانيهم وما وجدوه في ‘فقه الاخوان’ وفقه الكتب الصفر من قبله!!
فأعلنوا تطبيق ‘الحدود الجنائية’ والمعاملات المدنية والأحكام ‘السلطانية’ مما وجدوه في فقه السياسة الشرعية، وألغوا نظام البنوك التقليدية الحديثة واستبدلوها بالمصارف وصيغ التمويل الاسلامية-الاخوانية، تلك الصيغ المصممة أصلاً لإغناء الإخوان وافقار من سواهم من سواد العباد ..!!
ثم حولوا أزمة السودان المزمنة في جنوبه (حرب الجنوب) من تمرد ‘أهلي’ الي حرب دينية مقدسة؛ وأسسوا لها المليشيات ‘الدفاع الشعبي وسرايا القبائل الرعوية’، وأعلن شيخهم بصريح العبارة وعلي رؤوس الأشهاد أن تلك القوات ‘ملشيا التنظيم والقبيلة’ هي نواة جيش الدولة الإسلامية الذي يقوم علي ‘فقه الاستنفار والغنائم’، والذي يخططون لأن يحل محل الجيش ‘النظامي’ الذي اعتبروه بدعة ورجس من عمل العلمانية وتراث الاستعمار..رغم أنهم وصلوا الي السلطة محمولين علي ظهره ‘الوهيط’ ولا يزالون يتخذونه زاملتهم !!
حولوا حرب الجنوب لجهادٍ زعموا أنه في سبيل الله؛ لكن تبين للناس أنه جهاد في سبيل الحكم والسلطة، إذ كلما اطفأ الله نار فتنة في السودان أشعل الإسلاميون نار أخري وحرب جديدة، فبعد الجنوب أشعلوا حرب دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، وبعده كانوا وراء حرب السودان الحالية ‘١٥ ابريل ٢٠٢٣م’ وكانوا أهم أداة من ادواتها واكبر بوق فيها !!
أما بعد أن سقط نظام الإنقاذ وبعد أن شيعته ‘المليونيات’ الي مزبلة التاريخ، فإن إنقاذيو مابعد الإنقاذ واسلاميو مابعد حكم الإسلاميين؛ مستعينين بإرادة إقليمية هدفها دعم وإسناد أنظمة ‘الاستبداد المستقر’ حشدوا قضهم وغضيضهم لاستئناف حكم الإسلاميين من حيث سقط!
حشدت عناصر الصف الثالث والرابع والخامس قواها (بالدعم الإقليمي) للانقلاب علي إرادة السودانيين!
حشدت العناصر التي كانت تقتات علي فتات موائد (غيلان الإسلاميين) و كانت تتأهب للصعود لواجهات الفساد ومنصات نهب المال العام؛ فأخذتها ثورة ديسمبر علي حين غرة، وجاءتها جموع السودانيين من حيث لم يحتسبوا، و روعتهم قرارات ‘لجنة إزالة التمكين’، فحشدت تلك العناصر قواها، و وجدت في ‘اجندة الاقليم’ ضالتها، و وجدت في حرب ابريل الفرج الذي لم تكن تتوقع أو تحلم به!!
فأي مصير ينتظر السودان مع إنقاذيو مابعد الإنقاذ واسلاميو مابعد حكم الإسلاميين؟
وهل ينجح هؤلاء فيما فشل فيه آباءهم وسادتهم من غيلان الفساد؟ وهل يستطيعون تأمين سلطة تبقي وتستمر؟
الراجح عندي أن ‘اجندة الإقليم’ وجدت في إنقاذيو مابعد الإنقاذ حليف وشريك مرحلي لا غني عنه، شريك يصلح في مرحلة زعزعة استقرار السودان .. أما مرحلة تأسيس (استبداد مستقر جديد) فسيكون لاجندة الإقليم فيها رأي مختلف وشركاء مختلفين عن ‘إنقاذيو مابعد الإنقاذ’.. وحينها سيكتشف إسلاميو مابعد حكم الإسلاميين أنهم أكبر الخاسرين من حرب الكرامة “المزعومة”، وسيكتشفون انهم آخر ضحايا العنف الذي هللوا له وزعموا وطبعوا.
٭ حين استولي نميري علي الحكم كان برتبة ‘العقيد’ و البشير ‘عميد’ وتلك هي الرتب التي يفترض أن تتم مخاطبتهم (وكل رفاقهم ومرؤوسيهم) بها إعلامياً ورسمياً الي حين صدور أمر قضائي أو أمر اداري (أو أي تقييم عام) من الدولة بشأن قانونية ما قاموا به من أفعال ومدي استحقاق ماحصلوا عليه من ترقيات وامتيازات منذ الاستيلاء علي الحكم وطيلة سنوات حكمهم.
- ابونوره اوهاج
