إنّنـا نُكـرّم دبلوماســيّةَ الفِكرِ والإبـاءِ.. يـا هــذا .. بقلم: السفير/جمال محمد إبراهيم
23 أكتوبر, 2015
جمال محمد ابراهيم, منبر الرأي
40 زيارة
اقرب إلى القلب:
افخَرْ فإنّ النّاسَ فيكَ ثَلاثَةٌ مُسْتَعْظِمٌ أو حاسِدٌ أو جاهِلُ
ولَقَدْ عَلَوْتَ فَما تُبالي بَعدَمَا عَرَفُوا أيَحْمَدُ أمْ يَذُمُّ القائِلُ
المتنبي
(1)
وقفت على ما جاء في صحيفة “الصيحة” في عمود “زفرات حرّى” بقلم رئيس مجلس إدارتها يوم 17 أكتوبر 2015، وهو حديث حفل بتجريحٍ وتجنّي ، وينبغي أن يرد عليه، توضيحاً وإبانة، فأنا عضو في تلك اللجنة التي سمّى أعضاءها “الغافلين والمستلبين ثقافياً وحضارياً” . .
نقدّر لك بداية، رأيك سالباً كان أم إيجابياً في د.منصور خالد ، وإن اختلف معك البعض، فذلك حقّ لا ينازعك عليه أحد، على أن لا يمتدّ ذلك الحق،فيكون مدعاة لتصويب الهجوم الشخصيّ على من خالفك الرأي حوله، أويحضّك على ارسال النعوت بلا تريّث، كأنك القابض تحت إبطيك صكوك الوطنية الحقة، توزعها – وكيفما رأى مزاجك في حلال الوطن وحرامه- على من أحببت، وتحرمها على من أغواك مزاجك- لعلّةٍ ما – فنراك تضرب بلا تمييز،على دفوف الكراهية فيهم و”شتَم” المنافرة. .
إنّ مصطلح “العمَالة” الذي جاء في عمود “الصيحة” ، هو من سواقط لغة “الحرب الباردة” التي عفا عليها الزمن، وتجاوزتها ثورة الاتصالات ، واتساع ممالك المعلوماتية، فلم يعد أحدٌ في الدنيا محتاجاً “لعمالة” أحد ، أو “لتجنيد”أحد بغرض الحصول على المعلومة، خفيّة كانت أو معلنة. ترى. . هل بقي من شيءٍ بعد الإنترنت، لنحدّث الناس فيه، عن عالمٍ محتشد بالأسرار، يستوجب الحذر من قيام “عملاء” يسعون للحصول على خفاياه. .؟ ذلك ما يدعو للسخرية حقاً، ولعلّ ممّا يُضحك، أن يظنّ بعض الناس إلى هذا الحين، أن هنالك عالماً افتراضياً تواجه فيه شخصيات مثل “جيمس بوند” ، خونة وعملاء، تتوجّب تصفيتهم. . !
(2)
أما تهمة “الغفلة والإستلاب الثقافي والحضاري”، في السودان الذي نحيا فيه بحواسنا وبعقولنا، فتلك فرية- لا تهمة- تدعو للرثاءِ ، لكون العالم قد ودّع “محاكم التفتيش” منذ قرون غابرة. غير أن أحدهم يخرج علينا بما يماثل سلوك “محاكم التفتيش”، تلك التي شاعت في القرون الوسطى، وفي أكثر سنواتها إظلاماً، فيرسل اتهاماته حيثما اتفق، وبمجانية غير مسبوقة، مجترئاً على نوايا الناس وضمائرهم، ليرصد نواقصها وما سلب منها. ليت من فعل، أن يزوّد فكرنا القاصر بماهية تلك “الثقافة” التي عَنَى، أو تلكم “الحضارة” التي جرى سلبها من تلك العقول. . !
أنظر حولك ، سترى أنك الغافلُ، لا من اتهمت . . !
(3)
ليتسع صدر من صاح متمترساً خلف صحيفته، فما أنا هنا لأدافع عن د.منصور، أو أحاجج بالرأي حوله، فهو الذي يملك أن يردّ على تلك الاتهامات إن رغب ، اتفقنا أو اختلفنا مع تلك “الصيحة”، مثلما يملك حقّ مقاضاة مناتهمه جزافاً، أو سبّه تجاوزاً لمرجعيات الحوار المثمر. لكن الذي أثار انتباهي هو ذلك الهجوم غير المؤسّس من صاحب “الصيحة”، على مَن توافقوا على الاحتفاء ببذل منصور، وهم طائفة بينهم مِن السودانيين، خيارهم لا شرارهم،وعلماؤهم لا جهلاؤهم، والصادقون منهم لا الكذّابون.
ليتَ من صاحَ ، تريّث ونظر، فقد يتبيّن من بين أعضاء تلك اللجنة ، من كان على رأس إدارة جامعة الخرطوم في عهدها الذهبي، مثل البروفسور علي فضل، أو من جعل للدبلوماسية إسماً يحترم، مثل عمر بريدو ومامون ابراهيم حسن وحسن عابدين وعطا الله حمد بشير، وعثمان السيد. من هؤلاء مَن بنى للإعلام – إذاعة وتلفزة – بناءاً شامخاً ، مثل بروفسور علي محمد شمو. منهم من أسّس للنشر وللإستنارة، مؤسسة شيّدها ببذله منفرداً، مثل الشاعر الياس فتح الرحمن. . لن أمضي أعدّد لك ما يميز كلّ عضو من أعضاء اللجنة السبعين..
(4)
إن كانت هذه الطائفة من العلماء والوطنيين، وكلهم ممّن تميّز بنزاهة في الخلق، ورصانةٍ في العلم، وثباتٍ على المواقف ، تحسب عند “الصائح”، محض نخبة من “الغافلين” و”المُستلبة (عقولهم) ثقافياً وحضارياً”، فإنني لأفخر بأن يكون إسمي بينهم، وإن كنتُ أدنى مقاماً عن أكثرهم، ، فما أسعدني أن أكون “غافلاً” مع قامة مثل البروفسور علي فضل، أو مع إقتصاديٍّ “مستلبٍ” مثلابراهيم منعم منصور أو أحمد النفيدي أو صالح يعقوب. وإني لأسعد أن أكون “مستلبا ثقافياً وحضارياً” عند الطيب المصطفى ، ولكن أسعد أكثر لأن أكون صنو رجلٍ في قامة البروفسور عبدالله أحمد عبدالله أو إبراهيم منعم منصور، أو إعلامياً مثل حسن فضل المولى، أو شاعراً مثل عالم عباس.يدهشني حشر السيدة الجليلة د. نفيسة أحمد الأمين مع زمرة “المستلبينثقافياً”، في ذلك الحديث المُجحف. . درج الناس على وصف مثل ذلك المسلكالسقيم بما يعفّ القلم عنه، لكن لنقل جوازاً، أنه التطاول على الكبار، من طرف من هم دون ذلك في المقام . كفاك ضرباً على دفوف الكراهية ، فلا تدمي يديكبلا طائل. . !
لا أضيّع زمن القراء الأذكياء، فهم يدركون مقامات كلّ من ورد إسمه في قائمة اللجنة القومية التي اختارت بإرادة مستقلة، الإحتفاء برجلٍ في قامة منصور خالد، مفكّراً قبل أن يكون سياسياً ، ومؤرّخاً إجتماعياً قبل أن تستحوذه الدبلوماسية، وكاتباً مبدعاً، له البصمة البيّنة في التعبير واللغى ، مثلما له في ساحات الفكر السياسي والإجتماعي. له السهم الأكبر المشهود في رسم مصائر البلاد، مثلما له السهم المقدر في رسم إضاءاتٍ في مسيرته الفنية والأدبية. .
(5)
من يتمعّن في قائمة أسماء تلك المجموعة التي انبرتْ لتكريم الرجل في حياته، سيرى أنها تمثل طيفاً من مختلف التيارات ومختلف التخصّصات،ومختلف الاهتمامات، رأس حربتها خمسٌ وعشرون سفيراً، شهدتْ لهم وزارة الخارجية السودانية بذلاً مميّزاً. ما كان انضمام تلك المجموعة للجنة، إلا بمعيار الانحياز للوطن، قبل الانحياز لتوجهات السياسة، واحتشادها لتقدير دور رجلٍ أسهم بفكره في بناء مؤسّسات الوطن ، لا من ساهم على هدمأركانه وتشظّي أطرافه، فجعل من الوطن ساحات لممارساتٍ أفقرته إفقاراً مدقعاً، وشكّلت – ويا للتناقض المخجل- “ثقافة الفساد” التي حدثونا باستلابنا عنها، وذلك “التوجّه الحضاري” الذي أفضى بالوطن إلى حوافِالانهيار “الحضاري” الدّاوي . .
قِلة قليلة هي مَن تعرّفت على الرجل وهو ينافح في المنظمات الدولية والإقليمية، دفاعاً عن حقوق الشعوب المستضعفة، خاصة حقها في الحياة في بيئة طبيعية معافاة، وفي تنمية مستدامة، وكذلك حقها في التعليم والثقافة والعلوم، فيما هي تجاهد للإمساك بمصائرها السياسية والإقتصادية والثقافية. . بعض الشباب من جيل اليوم، يعرف أنّ “الأزهري” محض دوّار تتجه منه شرقا إلى “بحري”، أو هو حيّ جديد يقع جنوبي الخرطوم، أما منصور خالد فهو عندهم محض رجل أشهرته طلعته الأنيقة. . !
(6)
وقت أن كانت البلاد تتلمّس خُطى البناء بعد أيام ثورة أكتوبر المجيدة عام 1964، رفع منصور راية الحوار بين من يملكون القدرات للبناء، من جيل ما بعد الاستقلال، وهو جيل أحاط به قدماء الحركة الوطنية ، الذين بذلوا قدر إمكانياتهم، لكنهم أنكفأوا على مجدٍ لم يكتب له الدوام ، فما توفر لهم بذلٌواجتهاد ورؤى ، ثمّ تخندقوا وراء أقصى طموحهم، وهو رفع علم الاستقلال ، وما تبيّنوا ملياً، أنه البداية لاجتراح أفقٍ لبناء وطنٍ، طال دوسُ مَيسم الاستعمار على ظهره…
“حوار الصفوة” الذي دعا له منصور في ستينات القرن الماضي، يقف دليلاً على مصداقية الدعوة للحوار حول مصائر الوطن ، شريطة إخراجه بلسانٍ صادق، ونوايا خالية من العوج والالتواءات. هي مبادرة سبقت زمانها نحو تعزيز إرادة البناء، مُجاهدة ووثباً، يأخذ المجتمع إلى مصاف البلدان الجديرة، بأن يكون لها ذلك الدور الإنساني المأمول. الآن وقد انهار “التوجّهالحضاري”، وتآكل “التماسك الثقافي”، فإن ثمّة من يخرجك. على الناس يتهمهم بالاستلاب منهما . .
(7)
بعض أعضاء اللجنة القومية لتكريم د.منصور، ممّن طالتهم تهمة “الإستلاب” التي أطلقها الصائح بلا تريث، هُم من عاصروا أداء منصور خالد،وقت أن كان وزيراً للخارجية. إذا علمنا أن الجيلَ الأول – جيل مبارك زروق،وخليفة عباس، ومحمد عثمان يس وأحمد خير- قد أسسَ بنيان تلك الوزارة ، فإنّ منصور هو وحده المؤسّس الثاني للدبلوماسية السودانية، بداية سنواتالسبعينات من القرن الماضي. وقفَتْ الدبلوماسية السودانية على قدميها وقت أن أخذ منصور بيديها، وكاتب السطور واحدٌ ممّن شهدوا على ذلك، وقت أن كان في العتبات الأولى في وزارة الخارجية، وتعلم جيلنا منهُ، كيف يكون للدبلوماسية فكرها وإباؤها وهيبتها وكرامتها .
دبلوماسية يردّ وزيرها في إباءٍ على وزير خارجية أمريكيّ بما يفحمه، حين كالَ الأخير انتقاداً لتباطؤ السودان في معاقبة مَن قتلوا السفير الأمريكي في الخرطوم، في حادثة رهائن السفارة السعودية عام 1973. العمالة التي نعرف في القواميس، هي الإنكسار المذلّ، لا الوقوف في إباء. لا غرو أن يكون في مقدمة تكريم الرجل، دبلوماسيون وسفراء ممّن عايشوا بريق دبلوماسية الفكر والإباء في عهد منصور. .
(8)
القليلون هم من شهدوا أداءه وهو وزير للشباب . في عام 1972 كان الرجل من أبرز مهندسي إتفاقية السلام التي أعادت السلام بين شمال البلادوجنوبها، لأكثر من عشرة أعوام. ثم حين تولى منصور أمر وزارة التربية أواسط السبعينات، تجده قد أشرف بقلمه وبفكره الثاقب وبعزمه الأكيد، على إنشاء جامعتي “جوبا” و”الجزيرة” في عهده ذاك، عاد للمناهج رسوخها وثباتها. مَن يراجع إرث وزارة التربية، سيرى بذل منصور فيها في سنوات السبعينات تلك، بيّناً منيرا.
ليتَ مَن تشكّك في النوايا، ومَن استبق الوقائع وسارع إلى التجريم، أن ينتظر ليرى الغرض من التكريم ، وليته عرف مَتن ما في الكتاب، لا الاكتفاءبالعنوان ، فينجرف إلى لغو الكلام المجاني غير المؤسس، والاتهام المُرسلبلا مرجعيّات. .
الخرطوم- 20/10/2015