اتركوا ضفائرنا … بقلم: منى عبد الفتاح
17 فبراير, 2009
منى عبد الفتاح
46 زيارة
moaney15@yahoo.com
عندما ينشغل الرأي العام بقضايا المرأة يستفزنا نحن النساء ذلك الانشغال. كيف لا ونحن من يمشي على الجمر وليس غيرنا ، يتوجب علينا التعبير عن رأينا بطرق شتى فنستقدم التجارب على نحو حي ، لتتقاطر حكايات حواء المفعمة بالحيوية والشاغلة لخانات الذهن منذ أن عرف آدم أن حواء خُلقت من ضلعه الأعوج.وإذا كان الرجل يعبر عن رأيه في هذه المسألة من منزلة الأب أو الزوج أو الأخ فإن مشاركته هذه تدخل المرأة في لحظة تجلٍّ لتعرف ما يترجم مشاعره صراحة في هذا الأمر أو ذاك.ولا يختلف الموضوع إذا كان زواج مسيار أو ختان فقضايا مثل هذه الرجل طرف رئيس فيها تغترف المرأة من رأيه السديد مثلما يعتريها استياء واضح من رأيه الفج.
ضجرت شاشة كمبيوتري من فرط ما كُتب بشأن هذه القضايا والتي جاءت متزامنة مع بعضها البعض، فلم يجف حبر قرار المجمع الفقهي بإباحة زواج المسيار حتى دُلق ذات الحبر طامساً للمادة 13 التي حُظر بموجبها ختان الإناث قبل أشهر فقط.ولكنها قرارات تتلون وبئس اللون فيما يخص إنسانية المرأة. تلونت باديء الأمر باللون الرمادي وما تزال فالمسيار رغم إهداره الواضح لكرامة المرأة والمخاوف من مجتمع جديد نواته اتكالية الزوج فكثيرون ينظرون إلى حل مشكلة العنوسة عبره وهو حل أسوأ من المشكلة ذاتها ، فأي مستقبل لأبنائهم ينشدون.أما ختان الإناث فبعدما طالب مولانا عبدالدائم زمراوي وكيل وزارة العدل قبل أشهر قليلة مشدداً بإدخال تعديل في قانون المجلس الطبي بإلقاء أشد عقوبة على الممارسين لختان الإناث من الأطباء والحاق تعديلات في القانون الجنائى لتحريم هذه الممارسة. وبعدما رعت د. تابيتا بطرس وزيرة الصحة الاتحادية ورش العمل والحملات ضد الختان فما تزال أصوات ترى أن طُهر المرأة يتحقق بالختان فأي عفة يرجون .
مثل كل مرة تجتاح مشاكل المرأة وجه الصحف ويراود خيالها بحث دائم في مياه هواجسها ، تستدرج صفحاتها ما يتوارى خلف الجسد المخدوع بظل عدل اجتماعي يمكن أن يتحقق بمسيار أو سلامة في النفس والبدن يمكن أن تبقى بتحوير نوع الختان لاختيار الأخف منه ضرراً ، وما وعي السامعون إلى أن المرأة ذاكرة يرجف قلبها مع الزمان . فحينما تُعامل كإنسانة تعيش وتبث إنسانيتها فيمن حولها وحينما تملك أن تكون نافذة الكون الوسيعة فإن المجتمع يبصر في عيونها المدى الذي يمنحه الفرح والأمان .
بأضعاف ما ترد حكايات الختان ومضاعفاتها ووحشيتها ، تعبر ذاكرتي حكايات تمت في الصغر إحداها كانت لبنت صغيرة ماتت إثر مضاعفات الختان . وما زلت أتذكر رأسها المحاط بهالة ضوئية يكشف أبعاداً لا تُرى في الظروف العادية، ودائرة صغيرة تتلوى فيها خيوط بخور الصندل ينطبق عندها انكماش النهار وضيق شفق المغيب وتحيط بالدائرة ألوان حارة منعكسة في تخطيط مسبق مترصد يجعل اختلاط الألوان يبث في قلوبنا وعقولنا الصغيرة شيءٌ من الإطمئنان ، وتغير لون كفيها إلى الأسود القاتم بعد جلسات لثلاث نهارات حناء لم تنتظر حتى لتبهت وتخرج حناءها من أظفارها على هيئة أصداف ، ثم زحف ذات الأصابع لتقبض على شيء ما لا تستطيع الإمساك به ، فتستعيض بالقبض على ضفائرها المسدلة ويضيع ما أرادت أن تقوله وسط صخب فرح مزعوم.وبهذا الطقس المنتشر تبددت رغبتنا في سؤالها ونحن أطفال صغار عن إحساسها في تلك اللحظة ، لأن الطرب الصاخب كان يطغى على آلام الجسد ، وقروش زهيدة منذورة يدسها المباركون تحت وسادتها كانت هي ثمن حياتها التي انتهت في اليوم الثالث للختان .
عن صحيفة “الأحداث”