عرضنا في المقالات السابقة الخلفية التاريخية لقضية التهميش، وأنها ليست مسالة جغرافية بحتة، وانما هي أحد نواتج الاقتصاد السياسي لبلادنا، منذ الدولة الاستعمارية وحتى اليوم. ثم شرحنا دور مختلف الحكومات في ملف التهميش على نطاق الوطن، وفي دارفور. ووصفنا الواقع المرير، عبر التاريخ، للمنتج الصغير في دارفور، وحددناه كبوصلتنا لقياس أي اتفاق، ومدى استجابته لاحتياجات ذلك المنتج الصغير. هذا المقال سيناقش مواقف الحركات المسلحة منذ انتصار الثورة في إزاحة البشير، وكيف اداروا عملية التفاوض، المتطاولة، في جوبا.
كانت الحركات تفاوض نظام البشير قبل اندلاع الثورة، وهذا حق لها لا اعتراض عليه. المهم خلال تفاوضها لم تتعرض للقضايا القومية كالحريات والديمقراطية، بل كانت مستعدة للقبول بالقليل. تجارب المفاوضات في انجمينا وابوجا والدوحة وغيرها تؤكد ذلك. الأمر المثير للدهشة حقا، انها، ورغم عضويتها في نداء السودان، لم تبادر بالحضور للخرطوم للمشاركة في عملية التفاوض وانتقال السلطة. والغريب ان هناك حجة تتردد بان الحركات لم يتم دعوتها، رغم معرفتنا وتقديرنا انها كانت طرف اصيل في المعارضة، لذلك صاحب الحق لا يحتاج لدعوة.
النقطة الأساسية التي نرى ضرورة التركيز عليها، لأنها محورية، وتساعدنا منذ البداية، في استيعاب ما حدث لاحقا. النقطة هي كالآتي: سلطة انتقالية تبحث بشدة عن انجاز لتقديمه للمجتمع الدولي، باعتبارها حققت السلام، من جانب. ومن الجانب الآخر، لجنة البشير الأمنية، وبمعونة جيش من الخبراء من النظام البائد، تعرف وتخطط للانفراد بالسلطة، ومستعدة لتقديم الجزرة للحركات (شيك على بياض)، لعقد تحالف مصلحي معها. أما الحركات بخبرتها الطويلة في مفاوضات نظام الاسلامويين، والتدريب المكثف الذي تلقته في اوربا، قررت ان تستفيد من ذلك الوضع بصورة كاملة وتنال كل ما تريد، بل أكثر مما كانت تحلم به.
كانت النصوص المتعلقة بقضية السلام في الوثيقة الدستورية واضحة حول الدور المحوري للسلطة التنفيذية في إدارة ملف السلام، وتحديدها لفترة ستة أشهر لإنجاز الاتفاق. ولكن إصرار الحركات، خلال ورشة عقدت في اديس ابابا، وتأكيدهم القاطع بأنهم لا يثقون في الحرية والتغيير، لذلك يجب ان يستلم الطرف العسكري ملف التفاوض. رغم ان ذلك تم من خلف ظهر الحكومة والحرية والتغيير، الذي لم تتخذ موقفا جادا، الا ان الحركات والمكون العسكري نفذا ما يريدان. ومن غرائب الزمان ان حجة الحركات للتمسك بان يدير المكون العسكري الملف، باعتبارهم حاربا بعض، ويعرفا بعض، وهذا مصدر لثقتهم في المكون العسكري. وهكذا ضحوا بدماء الشهداء وضحايا الإبادة الجماعية ومصير المفقودين من اجل مكاسب آنية. هذا الموقف المريب اعطى حميدتي سلطة الرعاية والاشراف على المفاوضات والكباشي كبير المفاوضين. وغدت المفاوضات، منذ تلك اللحظة، مساومة بين الطرفين، الحركات والعسكر، لتحقيق أكبر مكاسب لكل طرف منهما. علينا الانتباه لذلك الموقف عند تحليلنا لكل المواقف اللاحقة منذ تلك اللحظة وانتهاء بانقلاب 25 أكتوبر.
اتفاق سلام جوبا يتكون من 266 صفحة، مقسمة على عشرة أبواب. هي كالآتي:
الديباجة
الباب الأول: اتفاق القضايا القومية
الباب الثاني: اتفاق سلام مسار دارفور
الباب الثالث: اتفاق مسار المنطقتين
الباب الرابع: اتفاق مسار الشرق
الباب الخامس: اتفاق مسار الشمال
الباب السادس: اتفاق مسار الوسط
الباب السابع: اتفاق الترتيبات الأمنية بين حكومة السودان والجبهة الثالثة تمازج
الباب الثامن: الاحكام الختامية
الباب التاسع: مصفوفات التنفيذ
الباب العاشر: الملاحق
هذه المقالات، كما كررت، هي مقالات عن الجزء الذي يتعلق بدارفور في اتفاق السلام الذي وقع في جوبا، ويناقش النصوص المتعلقة بدارفور، وموقف الحركات المسلحة من قضية الانتقال الديمقراطي في بلادنا.
حوت ديباجة اتفاق جوبا اشادة بكفاح الحركات المسلحة، ودور الشباب ، والنساء في النضال ضد الحكم البائد، كما وردت اشادة مخصصة لانحياز المؤسسة العسكرية لثورة ديسمبر. نلاحظ انه لم تتم أي اشادة بدور الأحزاب السياسية، التي قاومت وقدمت تضحيات طوال ثلاثة عقود من الزمن، ولا بدور تجمع المهنيين الذي كان القائد الحقيقي للحراك الثوري. والجواب كما يقال في الامثال الشعبية ” بتقري” من عنوانه.
الباب الثاني الخاص بالقضايا القومية، هي بنود عامة متفق عليها، تتحدث عن الانتقال السلمي للسلطة وحقوق الانسان ورفض العنصرية والمساواة التامة بين كافة المجموعات الاثنية والاجتماعية. المحك في تلك النصوص وغيرها هو مدى الجدية في تنفيذها. ما نلاحظ انه بعد عامين لم ينفذ أي منها. ولم تهتم الحركات عندما شاركت في الحكومة الانتقالية الثانية بتنفيذها أو المطالبة بتنفيذها. وقام الانقلاب العسكري بنسف كل تلك القضايا والحقوق القومية المضمنة في الاتفاق. كانت حجة الحركات انها مستمرة في السلطة لمتابعة تنفيذ اتفاق جوبا. بل كانوا يهددون بان اتفاقية جوبا خط احمر، ويجب عدم المساس بها. لكن لم نسمع من الحركات، بعد مرور عام كامل على الانقلاب العسكري، أي مطالبة، ولو خجولة، لتنفيذ تلك البنود الموجودة في اتفاقية جوبا. بل هناك معلومات تؤكد معرفة بعض قادة الحركات بالانقلاب، ومشاركة قواتهم في قمع المتظاهرين. ورغم انهم يقولون ان استمرارهم هو لتنفيذ الاتفاقية، والتي لم ينفذ منها الا المناصب الوزارية والسلطات المطلقة لوزراء الحركات في تعيين الأهل والمقربين في مناصب قيادية في وزاراتهم (وزير المالية مثالا).
وهذه بعض الملاحظات:
• لم تكون أي من المفوضيات المنصوص عليها.
• المادة 1.8 تقول: الالتزام بالممارسة السلمية المدنية ونبذ جميع اشكال العنف في العمل السياسي. لم تحرك الحركات ساكنا والبرهان ينقلب على الحكومة ويمزق الوثيقة الدستورية ويقتل الشباب في كل موكب ويغلق الكباري ويقطع النت، ورغم كل تلك الممارسات الدموية لم تهتم الحركات. ولم تلجأ لأضعف الايمان بإصدار تصريح خجول هامس يترجى اللجنة الأمنية ان تلتزم بنصوص اتفاقية جوبا.
• المادة 1.16 تقول “الإصلاح القانوني وإعادة بناء وتطوير المنظومة الحقوقية والعدلية وضمان استقلال القضاء وسيادة حكم القانون مهام واجبة التنفيذ”. نلاحظ الكلام المعمم والمجرد ولا توجد أي إشارة لما حدث للمنظومة العدلية وكيفية إصلاحها؟
• المادة 1.30 تنص على ” اتفق الطرفان على اصلاح وتطوير القطاع الأمني والعسكري على المستوى القومي”. هذا المادة توضح موقف الحركات من أخطر جوانب بقاء النظام المباد وسيطرته على المؤسسة العسكرية. ولا توجد إشارة لقيام جيش بعقيدة قومية، كما لم يحدد من يقوم بالإصلاح، فقادة الجيش يصرون انها مهمتهم لوحدهم ولا يحق لاي مدني الاقتراب منها. وها هم، بعد الانقلاب، يجلسون ويتحالفون مع قيادة الجيش التي انقلبت على الثورة، ولم نسمع بعد مرور عامين أي جهد عن اصلاح المنظومة العسكرية والأمنية.
• المادة 1.31 لا يسرى العفو العام على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. كما كررنا لم يحدث شيء وتم اهمال الملف ولم نسمع بالمطالبة به بتسليم البشير أو محاكمته في محكمة هجين.
• المادة 2.1ان تكون الفترة الانتقالية 39 شهرا ابتداء من يوم التوقيع على الاتفاق. وهذا يؤكد انهم يقومون بتفصيل أي شيء على مقاسهم وحدهم.
• المادة 3.1 تقول اتفق الطرفان على استثناء ممثلي الحركات في مجلس السيادة والوزراء من نص المادة 20 من الوثيقة الدستورية للمشاركة في الانتخابات القادمة. وهنا نلاحظ ان قادة الحركات لا يفكرون الا في أنفسهم، ليكونوا وزراء في الوقت الحاضر، وليترشحوا في الانتخابات القادمة، رغم الاتفاق الا يترشح بقية الوزراء في الانتخابات. وهذ يذكرنا برفضهم دعوة حمدوك لتقديم ممثلين للحركات من الكوادر المؤهلة غير القادة السياسيين لتكوين حكومة كفاءات، والرفض القوى لذلك الرأي. وهنا نشير لاحد أسباب الانقسامات الاميبية وسط الحركات، انها ببساطة طمعا في السلطة على حساب أهلهم، لان اقرب طريق للسلطة والثروة هو تكوين حركة والتفاوض باسم اهل الإقليم، لتنال ما تريد.
• المادة 10.2 تدعو لإنشاء نظام الحكم الإقليمي خلال مدة لا تتجاوز الشهرين من التوقيع بينما تقول المادة 10.3 ان ينعقد مؤتمر نظام الحكم خلال مدة لا تتجاوز الستة أشهر. نلاحظ ان ما اتفقوا عليه ينفذ بلا نقاش، بينما مؤتمر نظام الحكم الذي يستوجب مشاركة واسعة ومناقشة جادة لكل قضايا الحكم، يتم انعقاده بعد تنفيذ ما يريدون.
• كل مواد القضايا القومية، في اتفاق سلام جوبا، لم تتعرض للازمة الاقتصادية ومعاش الناس، وقضايا الديون، والفساد المالي، وإصلاح البنوك. مما يشير لأنها قضايا ليست من الأهمية، بالنسبة لهم، لكي يتم في تضمينها في اتفاق يتكون من 266 صفحة.
siddigelzailaee@gmail.com
/////////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم