نواصل مناقشتنا للخليفة التاريخية لتهميش دار فور. تعرضنا في الحلقة لقضية التهميش، اما الثاني فقد نلقش دور الحكومات الوطنية الاولي في التهميش. نواصل اليوم بمناقشة فتروة حكم نميري.
بدأت سلطة مايو (1969-1985) بإعلان الخطة الخمسية للتنمية الاقتصادية (1970-1975) ثم استبدلتها بالخطة الخمسية المعدلة ثم الغتها واستبدلها بالخطة الستية لتلغى هي الاخرى وتستبدل باستراتيجية جديدة سميت بعنجهية: ” استراتيجية سلة غذاء العالم ” والتي ابلغ ما وصفت به ما قاله عالم اقتصاد المانى بانها : ” سلة غذاء العالم الفارغة “. هذه التعديلات والتبدلات في الخطط الاقتصادية تكشف درجة التخبط والتغير الفجائي في الوجهة والاتجاه حسب مزاج القيادة السياسية (وهو داء شاب سوداننا طوال تاريخه).
وبدون الاستفادة من تجربة هبيلا والدمار الذي نتج عنها قررت الدولة في الخطة الخمسية المعدلة توزيع 10 ألف فدان للزراعة الالية في جنوب دارفور كبداية للتوسع في الزراعة الالية في دارفور.
واصلت مايو سياسات الانظمة التي سبقتها في التركيز على المشاريع المروية في وسط السودان واساسا على محصول القطن. وقد حدث بعض التنويع لاحقا بإدخال محصول قصب السكر في نفس المناطق النيلية.
شهدت نفس الفترة توسعا افقيا كبيرا في قطاع الزراعة الالية حيث منحت ملايين الافدنة للتجار ورجال الادارة الاهلية وكبار موظفي الخدمة المدنية والقوات المسلحة والشركات الزراعية الخاصة. وكمثال منحت سلطة مايو حوالي 2 مليون فدان في القطاع التقليدي لعشرين شركة خلال اربعة اعوام. ومنح قانون الاستثمار الزراعي لسنة 1980العديد من الامتيازات والاعفاءات لتلك الفئات التي منحت رخص مشاريع. ومن الغريب انه تم، تحت بصر وسمع الدولة، استغلال تلك الاعفاءات في النشاط الطفيلي فقد تم استيراد بضائع من الخارج (معفية من الجمارك حسب اعفاءات القانون) لبيعها في السوق.
كما واصل البنك الدولي دعمه للقطاع الخاص في مجال الزراعة الالية مما ادى لظهور طبقة رأسمالية زراعية كبيرة حققت فوائض مالية ضخمة على حساب مواطني ورعاة القطاع التقليدي. ومن التغييرات الهامة التي تمت، خلال عهد مايو، هي تصفية مزارع الدولة في الزراعة الالية تحت اصرار البنك الدولي. وخططت تلك المزارع ، أساسا، لتعمل على تامين احتياطي للغذاء (ذرة) وتشكل مراكز لمساعدة المزارعين بالخبرة ومكافحة الآفات وتأجير الاليات بأسعار مخفضة. وهكذا فتح الباب واسعا امام القطاع الخاص.
انه لمؤلم حقا ويحز عميقا في القلب تجاهل توصيات بنيت على دراسات علمية متخصصة من قبل منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة حول استراتيجيات التنمية في السودان ونشرتها في تقرير شهير صدر في 1976. ومن ضمن تلك التوصيات الهامة الدعوة لتطوير القطاع التقليدي (زراعة ورعى حيوان) وان تطويره لن يكلف نفس حجم تكلفة المشاريع الاخرى (مشاريع مروية وزراعة الية مطرية). واضافت ان تطوير القطاع التقليدي سيغير حياة اغلبية السكان ويجذبهم للاقتصاد النقدي وسيدفع بعجلة الاقتصاد خطوات للأمام. ومن المثير للاهتمام حقا ان التوصيات قد حذرت من تفجر مشكلة الارض مستقبلا في غرب السودان نتيجة للتوسع في الزراعة التجارية وازدياد اعداد الثروة الحيوانية والزيادة الطبيعية في عدد السكان بالإضافة للعوامل البيئة والطبيعية الاخرى. كما ركزت التوصيات حول ضرورة الابحاث والدراسات الخاصة بالقطاع التقليدي وقضايا استقرار الرحل والبنيات الاساسية والتمويل. واقترحت التوصيات توفير استثمارات كبيرة للقطاع التقليدي في الفترة ما بين 1985-1995 وان تلك الاستثمارات ستنمى الصادرات السودانية بشكل كبير (صمغ/ ماشية/ حبوب زيتية الخ) مما سيفيد الاقتصاد السوداني ككل.
وحتى المشاريع البسيطة التي نفذتها مايو في غرب السودان كانت نموذجا كلاسيكيا لسوء التخطيط والتنفيذ. وكمثال على سوء التخطيط والتنفيذ مشروع تنمية غرب السافانا الذي انشات بموجبه ” هيئة تنمية غرب السافانا” في مارس 1978 وبتمويل من البنك الدولي لتنفيذ مشروعات التنمية المتكاملة. وعند تحليل مكونات الصرف خلال الفترة 1977-1984 تم اعتماد 27 مليون جنيه صرف منها 11 مليون في مباني الرئاسة والمكاتب والورشة، والمخازن، وبعض الاليات، والعربات.
ومثال اخر يحمل نفس الادعاءات الكاذبة للتنمية الريفية المتكاملة يعطيه مشروع جبل مرة للتنمية الذي بدء العمل فيه في عام 1979 بمنحة من صندوق التنمية الأوربي. قدرت التكلفة الكلية للمشروع بحوالي 25 مليون جنيه وجهت كلها لبناء المحطات الارشادية وجلب المدخلات والمحاريث، والعربات، ومعدات الارشاد، والورش. ونلاحظ استخدام المشاريع ” كواجهات” لتصريف بضائع دول السوق الاوربية المشتركة والشركات التابعة لها. ويشهد واقع الحال ان تلك المعدات والاليات لم تستغل استغلالا سليما لمصلحة المنتج الصغير الدار فورى ولم تحقق الاهداف المعلنة حول التنمية الريفية المتكاملة وينطبق عليها المثل (Too little too late). وهنا يجب ان نلاحظ ان تنمية الغرب لا تتم بمجرد انشاء المزيد من المشاريع وانما بمشاريع تنموية بتخطيط جيد وبمعرفة الجهات المستهدفة بتلك المشاريع واشراكها في التخطيط والتنفيذ والمتابعة وكيفية تحقيق الفائدة المرجوة. وهذه قضية كبيرة لا يتسع المجال للخوض في تفاصيلها في هذا الحيز.
وبوضوح تام لم يجد القطاع التقليدي، طوال عهد مايو، اهتماما يذكر فيما يتعلق بتطوير تكويناته الانتاجية والخدمية ويتضح ذلك من ضالة اعتمادات ومنصرفات التنمية على مشاريع هذا القطاع، حيث بلغت الاعتمادات للمشروعات ذات الصلة بالقطاع التقليدي، والمتمثلة في مشروعات الثروة الحيوانية وتنمية الموارد الطبيعية والخدمات الزراعية ومشروعات الرئاسة في جملتها حوالي 220 مليون جنيه سوداني خلال الفترة من 1977_ 1984 وهذه تمثل حوالي 22% من جملة الصرف الفعلي لمخصصات القطاع الزراعي في برنامج الاستثمار للفترة المذكورة. ويحدث هذا رغم ان القطاع التقليدي يعول حوالي 60% الى 70% من سكان البلاد وينتج حوالي 50% الى 60% من جملة انتاج البلاد من المحاصيل الزراعية ويساهم بحوالي 30% من صادرات البلاد الزراعية بالإضافة لثرواته الكامنة (ثروات حيوانية وغابية وزراعية بالإضافة للتعدد المناخي).
وإذا نظرنا للصرف على مشروعات الثروة الحيوانية خلال الفترة 1977- 1984 فان الصرف على قلته (6% من جملة الصرف الفعلي للقطاع الزراعي في برنامج الاستثمار) فنجد انه تميز بالإهمال المتعمد لتطوير امكانات الانتاج الحيواني بالقطاع التقليدي، وهو القطاع الذي يتمتع بوفرة في هذا النوع من الانتاج الزراعي. وما تم من صرف في هذا المجال وجه اساس نحو توفير الحد الادنى من الخدمات الضرورية المتصلة بتامين تدفق الماشية بالأعداد التي تكفل تحقيق الارباح المجزية للقابضين على اسواق التصدير والاستهلاك المحلى للحوم في المناطق الحضرية. وما انفق ، على قلته، صرف اغلبه على مشاريع حول العاصمة ( مشروع انتاج الكتاكيت – مصنع اعلاف الخرطوم – البان الجزيرة- مشروع استغلال الثروة السمكية) ولم تحظى ادارة ابحاث وخدمات الانتاج الحيواني بأكثر من 2 مليون جنيه ( 5% من مجموع المخصصات لمشروعات الثروة الحيوانية) وحتى هذا المبلغ ( رغم ضالته) وجه اكثر من نصفه على محطات ابحاث الانتاج الحيواني القائمة في المناطق التي تفتقر نسبيا الى الثروة الحيوانية مثل محطتي عطبرة والهدى مع الاهمال الكامل للمحطات القائمة بمناطق الانتاج الرعوى مثل محطة الغزالة جاوزت.
اما داخل الادارات الخاصة بالخدمات البيطرية فلقد وجه حوالي 68 % الى دعم خدمات التسويق لضمان استمرارية تدفق صادرات الحيوان مثل انشاء المؤسسة العامة لتسويق الماشية واللحوم وبناء المنازل وتشييد مخازن التبريد ومكاتب بالكدرو وابودليق وفتاشة وجبل اولياء. وحتى مشروع طريق الماشية فقد واجهته مشاكل عدة. وهنا يجب ملاحظة ان اغلب هذه المشاريع هي منح من مؤسسات دولية كمنظمة الاغذية والزراعة الدولية.
وما يهمنا هنا هو اختلال اولويات الصرف وعدم عدالة توزيع الاستثمارات مع ما يتفق مع الحاجات الفعلية والملحة للمواطنين وحقهم المشروع في التنمية المتوازنة. وهكذا لم يجن سكان القطاع التقليدي من القبائل الرعوية وغيرهم من تلك السياسات الخاطئة سوى الكوارث الاقتصادية والاجتماعية المدمرة التي ادت الى هلاك اعداد هائلة من الثروة الحيوانية.
اما الموارد الطبيعية، والتي تهم مواطني الغرب بصفة خاصة، فلم ينفق عليها الا اقل من 3% من جملة مخصصات القطاع الزراعي (1977-1984) وصرف اغلب ذلك المبلغ على بنود غير انشائية رغم تعدد الاطراف الاجنبية التي مولت ذلك مثل منظمة الساحل التابعة للأمم المتحدة وبرنامج الغذاء العالمي. والادهى وامر ان الحكومة عجزت حتى عن توفير الحد الادنى من الاحتياجات الاساسية لتسيير العمل بتلك المشاريع وحولت بنود الصرف التنموي الى صرف جارى لمقابلة المرتبات وكانت النتيجة ما نشهده من تدهور بيئي متزايد يوما بعد يوم.
siddigelzailaee@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم