osmanyousif1@icloud.com
اجيال السودان واهمال التعليم (17)
(المعرفة: الكنز الذي لا يفنى):
في إحدى المداخلات بقروب نادي 81 للكتاب كتب الأستاذ إسماعيل حميم عبارة قصيرة لكنها عميقة الدلالة:
«المعرفة كنز»
انها جملة من كلمتين فقط، لكنها تحمل من المعاني ما يستحق الوقوف عنده طويلًا. وقد لاقت استحسانًا من أعضاء القروب، وكان من بينهم صديق طلب مني أن أكتب حولها ضمن هذه السلسلة التي تتناول قضايا التعليم وأجيال السودان.
حقيقة اننا عندما نتأمل هذه العبارة نجد أنها لا تصف المعرفة وصفًا مجازيًا فحسب، بل تعبر عن حقيقة أثبتها التاريخ الإنساني منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا.
لقد بحث الإنسان منذ القدم عن الكنوز. حفر في الأرض وشق الصخور بحثًا عن الذهب، وأبحر في البحار طلبًا للثروات، وخاض أشرس الحروب من أجل السيطرة على الموارد. لكن التجارب أثبتت أن أعظم كنز يمكن أن يمتلكه الإنسان ليس الذهب ولا الفضة ولا الأراضي، وإنما المعرفة.
فالمال قد يضيع، والثروة قد تنفد، والممتلكات قد تتلف، أما المعرفة فإنها تبقى مع صاحبها، بل وتزداد كلما استخدمها وشاركها مع الآخرين. لابد اننا نتذكر ان المعرفة ليست مجرد معلومات نحفظها أو شهادات نعلقها على الجدران. إنها الفهم والإدراك والخبرة التي يكتسبها الإنسان من التعلم والتجربة والتأمل ومخالطة الناس.
فالطبيب لا تنفعه المعلومات وحدها إن لم يعرف كيف يوظفها لعلاج المرضى، والمزارع لا يكفيه أن يمتلك الأرض إن لم يعرف كيف يستثمرها، والمعلم لا يكفيه حفظ المقرر إن لم يمتلك القدرة على توصيله بمفهومية لطلابه.
ولهذا فإن المعرفة هي الأصل الذي تنبني عليه كل الثروات الأخرى. وعندما ننظر إلى تجارب الأمم نجد أن الدول التي تقدمت لم تفعل ذلك لأنها كانت الأغنى بالموارد الطبيعية، وإنما لأنها استثمرت في الإنسان. فاليابان، بعد ما أصابها من دمار في الحرب العالمية الثانية، جعلت من التعليم والمعرفة طريقًا للنهوض. وكذلك فعلت سنغافورة التي تحولت خلال عقود قليلة من دولة محدودة الإمكانات إلى واحدة من أكثر دول العالم تقدمًا.
وفي المقابل، توجد دول تملك ثروات ضخمة لكنها لم تحقق ما يوازي تلك الإمكانات بسبب ضعف التعليم وقلة الاستثمار في المعرفة.
ومن أعجب خصائص المعرفة أنها الثروة الوحيدة التي تزداد بالعطاء. فإذا أعطيت شخصًا مالًا نقص ما عندك، أما إذا علمته علمًا أو نقلت إليه خبرة فإنك لا تفقد شيئًا مما لديك، بل ربما ازددت فهمًا ومعرفة أثناء التعليم نفسه.
ظل المعلمون والعلماء عبر التاريخ من أكبر صناع الثروة الحقيقية في المجتمعات، لأنهم لا ينقلون المعلومات فقط، بل يبنون العقول.
كما أن المعرفة تمنح الإنسان القدرة على مواجهة المشكلات. فحين تواجه المجتمعات الأزمات لا يكون الحل دائمًا في وفرة الأموال، بل في وجود العقول القادرة على التفكير والابتكار وإيجاد البدائل.
وكلما ازدادت معرفة الإنسان اتسعت أمامه الخيارات. فهو يصبح أقدر على اتخاذ القرار الصحيح، وأكثر قدرة على حماية نفسه من الخداع والاستغلال، وأفضل استعدادًا للتعامل مع متغيرات الحياة.
لا شك انه في عصرنا الحالي أصبحت عملية المعرفة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فنحن نعيش في عالم تتغير فيه المهن والمهارات بسرعة كبيرة، وصارت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي جزءًا من الحياة اليومية. ولم يعد التعلم مقتصرًا على المدرسة أو الجامعة، بل صار عملية مستمرة تمتد طوال العمر.
ومن هنا تظهر أهمية التعليم الحقيقي؛ التعليم الذي يعلم الطالب كيف يفكر لا ماذا يحفظ فقط، وكيف يبحث لا كيف يردد، وكيف يفهم لا كيف يكرر.
وبالنسبة للسودان، فإن الحديث عن إعادة البناء لا ينبغي أن يقتصر على الطرق والجسور والمباني. فإعادة الإعمار الحقيقية تبدأ من بناء الإنسان. تبدأ من المدرسة، ومن المعلم، ومن الكتاب، ومن المختبر، ومن بيئة تعليمية تشجع على التفكير والإبداع.
فالأمم لا تنهض بما تملكه من موارد فحسب، بل بما تملكه من عقول قادرة على تحويل تلك الموارد إلى تنمية وازدهار.
إن المعرفة ليست ترفًا، وليست خيارًا ثانويًا يمكن تأجيله، بل هي أساس التقدم كله. إنها الكنز الذي لا يفنى، والثروة التي لا تنقص بالعطاء، والنور الذي يبدد ظلمات الجهل والتخلف.
ولهذا فإن أعظم استثمار يمكن أن يقوم به الفرد أو الأسرة أو الدولة هو الاستثمار في المعرفة، لأنها المفتاح الذي يفتح أبواب المستقبل، والجسر الذي تعبر به الأمم من التخلف إلى النهضة، ومن الفقر إلى الازدهار، ومن التبعية إلى الريادة…
عثمان يوسف خليل
