احتراف الإبداع في السودان يقود الى الموت جوعا

*خالد البلولة

في مقابلة صحفية قال الشاعر السوداني النحرير مصطفى سند رحمه الله إلى ان ممارسة الإبداع في السودان بصورة احترافية وجعله مهنة يقتات الإنسان منها تقود إلى الموت جوعا،ملاحظة الشاعر الكبير مصطفى سند تحمل قدرًا كبيرًا من المرارة والواقعية،وهو توصيف لحال المبدع في بيئات لا تتحول فيها الثقافة إلى صناعة، ولا يجد فيها الأداب والفنون مؤسسات تحميها أوسوقًا يضمن له الحد الأدنى من العيش الكريم.

فحين يقول إن ممارسة الإبداع في السودان بصورة احترافية وجعله مهنة يقتات الإنسان منها تقود إلى الموت جوعًا، فهو لا يهاجم الإبداع ذاته،وإنما يفضح البيئة الاجتماعية التي تستهلك المبدع ولا تكافئه وأن المشكلة ليست في الشعر أو الغناء او الموسيقى،بل في غياب: دور النشر القادرة على دفع الحقوق والمؤسسات الثقافية الراعية والإعلام الذي يحترم المنتج ويسوقه والقوانين الرادعة التي تصون الملكية الفكرية والجمهور المتعاون من أجل دعم الثقافة.

في كثير من البلدان، يعيش المبدع يعيش بين وظيفتين:وظيفة تكسبه العيش الكريم ووظيفة إبداعية تمنحه الحرية والتفرد.ولهذا نجد عددًا كبيرًا من الشعراء والكتاب كانوا معلمين، موظفين، صحفيين، أو أكاديميين، لأن الاعتماد على الأدب وحده يعد مخاطرة قاسية. …تحمل عبارة مصطفى سند بعدًا أعمق:فالمبدع قد يموت معنويًا حين يشعر أن جهده لا يجد تقديرًا، وأن المجتمع يحتفي بالهامشي ويهمل الجوهري. ومع ذلك، فإن التاريخ يثبت أن الإبداع الحقيقي ،يولد في البيئات القاسية،فقط يحتاج إلى مؤسسات تحفظه من الفاقة. فالشعر وممارسته تصنع شهرة ومجدا ، لكنه لا يدفع الإيجار ولا يدفع رسوم المدارس وتكاليف العلاج.

لذلك يمكن تلخيص فكرته في جملة واحدة:حين لا تصبح الثقافة جزءًا من الاقتصاد الوطني، يبقى المبدع بين نار أداء الرسالة وقسوة الحاجة.

حين نتأمل خريطة الإبداع في العالم، نجد أن كثيرًا من الأمم أدركت مبكرًا أن الثقافة ليست ترفًا إنما تمثل أحد أعمدة النهضة الحديثة.فالكتاب والمسرح، والسينما والفنون، والشعر والغناء والموسيقى والبحث العلمي، لم تُعامل بوصفها زينة حضارية،وتمومتة جرتق إنما صناعة ثقافية حقيقية، ومصدرًا للوعي،وأداة لبناء صورة الدولة في الداخل والخارج.ولهذا يجد المبدع في تلك البيئات من يقرأه، ومن ينشر له، ومن يموّل مشروعه ومن يحتفي بمنجزه،فينشأ في مناخ يشعره أن جهده ذو قيمة، وأن الكلمة يمكن أن تصنع مكانة وحياة كريمة.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يخرج من بعض المجتمعات كتّاب وفنانون صاروا رموزًا عالمية، لأن وراءهم منظومات كاملة من المدارس، والجامعات، ودور النشر، والمسارح، والجوائز، والإعلام الثقافي، وسياسات الدولة التي ترى في الإبداع قوة ناعمة لا تقل أهمية عن الاقتصاد ووسيلة من وسائل التنمية والإعمار، فالمبدع في بعض المجتمعات لا يعيش في الهامش، بل يكون جزءًا من المشهد الوطني.

وإذا انتقلنا إلى القارة الإفريقية (محيطنا الثقافي) نجد نماذج لافتة استطاعت أن تمنح الثقافة موقعًا معتبرًا، فبرزت أسماء كبيرة من مختلف الأقاليم. ففي نيجيريا لمع اسم تشينوا أتشيبي صاحب الرواية الشهيرة (الأشياء تتداعى) الذي أعاد تقديم إفريقيا للعالم من داخل صوتها ،ليس من خلال الرواية الاستعمارية. وبرز كذلك ولي شوينكا،أول إفريقي ينال جائزة نوبل في الأدب،بما مثّله من حضور فكري ومسرحي عالمي. وفي جيل الحديث يحضر اسم شيماماندا نغوزي أديتشي كواحدة من أبرز الأصوات الروائية المعاصرة. ويبرز اسم ليوبولد سنغور،الشاعر والرئيس والمفكر السنغالي أحد مؤسسي حركة الزنوجة،الذي جمع بين السياسة والشعر وصناعة الهوية الثقافية. وهناك عثمان سمبين الذي انتقل من الرواية إلى السينما وصار من رموز الفن الإفريقي الحديث.

أما غانا، فقد قدّمت أسماء وازنة مثل أي كوي أرما الذي يعد من أشهر الروائيين الأفارقة، اشتهر بروايته الشهيرة “الجمال لم يولد بعد صاحب الأعمال الروائية الناقدة لما بعد الاستقلال، وكذلك أما آتا آيدو التي مثّلت صوتًا أدبيًا وفكريًا بارزًا في قضايا المرأة والمجتمع. وفي جنوب إفريقيا، لا يمكن تجاوز اسم نادين جوردمير،الحائزة على نوبل،والتي سخّرت الأدب لمقاومة نظام الفصل العنصري،

وفي شمال إفريقيا، نجد في الجزائر أسماء مثل الطاهر وطار وياسمين خضرا هو الاسم الأدبي للروائي الجزائري محمد مولسهول،.وفي المغرب أسماء مثل الطاهر بن جلون ومحمد شكري وفي مصر نجد ويوسف ادريس وجمال الغيطاني، نجيب محفوظ الذي بلغ بالرواية العربية ذروة عالمية.وفي السودان برز الطيب صالح بعد أن كتب عنه رجاء النقاش وأمير تاج السر في قطر.

هذه النماذج لم تظهر صدفة، بل جاءت لأن دولها ،بدرجات متفاوتة ،أدركت أن الأدب والفكر والفن أدوات لتحرير الذاكرة الوطنية بعد الاستعمار،ووسائل لإعادة تعريف الذات أمام العالم فاحتضنت تلك البلدان كتّابها، ودفعت بأصواتهم إلى الخارج،وربطت بين الهوية والإبداع، فكان الحصاد حضورًا لافتًا واعترافًا عالميًا.

أما في السودان في المفارقة أن الأزمة ليست في غياب الموهبة،بل في غياب البيئة التي تحمي الموهبة وتحوّلها إلى مشروع مستدام.فالسودان من أكثر البلدان ثراءً بالخيال الشعبي، والشعر،والموسيقى، والحكاية، والتنوع الثقافي، واللغة الحية، والذاكرة الجمعية الخصبة. غير أن هذا الثراء ظل في كثير من الأحيان مادة خامًا لم تجد المؤسسات القادرة على صقله وتقديمه.

لقد أنهكت الاضطرابات السياسية المتواصلة فكرة الدولة نفسها، فكيف بالمشروع الثقافي؟ وانشغلت الحكومات المتعاقبة بأزمتها وصراعاتها عن بناء مؤسسات للثقافة والفنون والمعرفة وتراجعت أدوار المسرح، وضعفت صناعة النشر،وغاب التخطيط الثقافي طويل المدى، و تقلصت فرص التمويل والرعاية. وينظر إلى المبدع بوصفه صاحب هواية وليس صاحب رسالة ومهنة، فوجد الكاتب أو الفنان نفسه يلهث وراء لقمة المعيشة.

ثم جاءت الهجرة تستنزف أفضل العقول، فغادر كثير من الشعراء والباحثين والفنانين بحثًا عن الاستقرار أو الحرية أو لقمة العيش.فخسر السودان ليس فقط أبناءه المبدعين، بل خسر الخبرات المتراكمة الذي تصنعها الأجيال حين تعمل داخل بيئة واحدة وتتوارث الخبرة.

إن ما يجعل احتراف الابداع السودان طاردا ،ليس عجزا عند المبدع السوداني ،بل غياب الرؤية. فحين لا تُعامل الثقافة كأولوية، ولا يُنظر إلى الإبداع كاستثمار، يظل المبدع فردًا يقاوم وحده،بينما تنهض الأمم حين تتحول مواهب أفرادها إلى مشروع جماعي.

ومع ذلك،يبقى الأمل قائمًا، لأن الجذوة لم تنطفئ.فكلما أُتيحت نافذة صغيرة، خرج من السودان صوت شعري مدهش، أو موسيقى متفرد،أو قلم لامع، أو تجربة فنية تستوقف العالم.وهذا يعني أن المشكلة ليست في البذرة،بل في التربة الخصبة .فإذا وجد الإبداع السوداني ما وجدته أمم أخرى من رعاية واستقرار ومؤسسات، لكان السودان اليوم أحد أبرز المراكز الثقافية في إفريقيا والعالم العربي.فالموهبة السودانية موجودة، ينقصها فقط رعاية الإبداع و توطينه ,,

*صحفي وباحث في الإعلام والاتصال الثقافي

dr.khalidbalula@gmail.com

عن خالد البلولة

شاهد أيضاً

قضية عضو مجلس السيادة اختبار للدولة والقانون

خالد البلولةdr.khalidbalula@gmail.com يثار جدل قانوني في الخرطوم حول تصرّف أحد أعضاء مجلس السيادة في مواجهة …