احتكار الموارد الاقتصادية في السودان (إعاقة للتنمية واغتصاب لحقوق المواطنين – مثلاً زادنا وزادهم والذهب ، كلها تذهب هباءً منثورا )
د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
مقدمة:
هذا تعقيب على المقال “ذهب السوداني بين فرص التنمية ومخاطر الاقتصاد الموازي للسيد عبدالعظيم الريح مدثر، سودانايل ١٦/٩/٢٠٢٥)
يشهد السودان تحديًا خطيرًا يتمثل في سيطرَة كيانات قوية محدودة معروفة على قطاعات اقتصادية حيوية، حيث تحتكر شركات خاصة تابعة لأشخاص نافذين أو مؤسسات عسكرية أو منظمات عقدية موارد البلاد من الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين “خاصة الذهب” في يومنا الحالي . هذه الهيمنة لا تقوض الاقتصاد الوطني فحسب، بل تحرم المواطنين ومناطق الإنتاج من عوائد ثرواتهم الطبيعية وحقهم في التنمية المستدامة ( بنية تحتية، صحة وتعليم، مواصلات، ماء وكهرباء، صرف صحي، أمن إجتماعي واقتصادي وأمن على الحياة نفسها وجيش وطني يحمي البلاد وحدودها). مجتمع الرفاهية هكذا يبقى حلماً في الخيال ، وفي المثل السوداني يقولون “حلم الجوعان عيش”
مظاهر الاحتكار وآثاره المدمرة:
“الهيمنة على القطاعات الإستراتيجية”
تسيطر النخب الحاكمة والكيانات القوية على القطاعات الاقتصادية الحيوية في السودان، حيث تستأثر بمشاريع الزراعة الكبيرة، وتربية الماشية، والثروة المعدنية، مما يحول دون مشاركة القطاع الخاص المستقل والاستثمار الأجنبي المنظم الذي يخدم المصلحة الوطنية. الإستثمار الخاص المثالي يجب أن يتكون من شركات قوامها أسهم تجذب كل مواطن مهما قل دخله للإشتراك ومن ثم تعم المواطنين الإستفادة من عائدات الإستثمار. شركات الأفراد الأغنياء والمؤسسات الحكومية والخاصة “حزبية أو غيرها” هي أكبر سبب التهميشات التي تحدث في البلاد وتؤدي إلى الإنقسام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ومن ثم الحروب لأن كل ذلك يؤدي الى حرمان مناطق الإنتاج من عوائدها
في السودان تعاني المناطق التي تنتج الثروات الطبيعية من تهميش واضح، حيث تُستنزف مواردها دون أن تعود عليها بالفوائد المرجوة “ذهب غرب السودان وذهب مديرية نهر النيل” وعندنا مدينتا بربر واريافها مثال لذلك ، تعاني من الفقر والتهميش والنسيان . هذا الاستنزاف يوسع الفجوة التنموية بين المركز والأطراف، ويساهم كما ذكرت في تفاقم النزاعات الإقليمية.
إفقار المواطنين وإضعاف الدولة:
كما ذكر السيد عبدالعظيم يؤدي هذا الاحتكار إلى حرمان الخزينة العامة من عوائد كبيرة كانت ستسهم في تمويل الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية، كما يزيد من معدلات البطالة والفقر بين المواطنين. وهذا ما قد حدث وصار واقعاً فجل السودانيين فقراء
البدائل المناسبة للإصلاح:
الأهم فى البدء إقاف الحرب والخلافات بين الشعوب . لا يتم ترشيد إدارة الموارد فى مناخ تعمه الفوضى وفقدان الأمن القومي والقانون المصلح والرادع في نفس الوقت
الشفافية والحوكمة الرشيدة
إقرار قوانين شفافة تنظم عملية منح التراخيص والعقود في القطاعات الاقتصادية الحيوية
إنشاء هيئات رقابية مستقلة للإشراف على ثوابت الموارد الطبيعية وعوائدها
تطبيق معايير المحاسبة الدولية في جميع التعاملات التجارية والاستثمارية
تمكين الاقتصاد المحلي والمشروعات الصغيرة:
دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين الحرفي
توجيه جزء من عوائد الموارد الطبيعية لتمويل مشروعات تنموية في مناطق الإنتاج
إنشاء صندوق خاص لتنمية المناطق المهمشة يتم تمويله من عوائد مواردها الطبيعية
إصلاح التشريعات والقوانين:
مراجعة القوانين المنظمة للاستثمار في القطاعات الحيوية لضمان عدالة توزيع الفرص
وضع آليات واضحة لمحاسبة المتورطين في استغلال النفوذ لاحتكار الموارد
تعزيز دور القضاء ( إن وجد) في فض النزاعات الاقتصادية وحماية حقوق المستثمرين الصغار
تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر المنظم:
جذب استثمارات أجنبية مباشرة في القطاعات الاقتصادية الحيوية بشروط تحفظ حقوق الدولة والمواطنين
نقل التكنولوجيا والخبرات الدولية لتعزيز كفاءة القطاعات الإنتاجية
تنويع الشركاء الاقتصاديين لتجنب الوقوع في شبكات احتكار جديدة
ختاما:
إن إنهاء احتكار الموارد الاقتصادية في السودان ليس خيارًا فحسب، بل هو ضرورة ملحة لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة. يتطلب ذلك إرادة سياسية حقيقية وإصلاحًا جذريًا لنظام الحوكمة الاقتصادية، وتمكينًا حقيقيًا للمواطنين ومناطق الإنتاج من ثرواتهم، مما يضمن عدالة التوزيع ويحقق التنمية المتوازنة لكل السودان
وأختم بهذا الإقتباس من مقال السيد عبدالعظيم، “يقول الباحث بول كوليير في كتابه “The Plundered Planet (2010):
الموارد الطبيعية حين لا تُدار بشفافية تصبح نقمة، لأنها تغذي الفساد وتخلق اقتصادًا موازيًا ينخر في جسد الدولة”.
كنت أتوقع من السيد عبدالعظيم “ابن المنطقة” العالم بمصالح البلد وشعبها ان يثير قضية ذهب بربر “ومناطقها” (المنهوب) وكذلك المشروع “زاد ون” الزراعي ( الذي هو أحد فروع شركة زادنا )، للاسف المدينة “بربر المخيرف، التأريخية” وأريافها وتوابعها في نسيان وتهميش متعمد ،وسلب حقها في التنمية المستدامة إستفادة من مواردها الغنية و المشاريع المتعددة “لم تستفد منها بمثقال ذرة” .
ملحوظة: بعض الحلول والمقترحات أعلاه قد عرضت في مقالات سابقة ذات صلة
aa76@me.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم