khaliddafalla@gmail.com
كانت النكتة الخليجية تمشي بطيئة في الهواتف المحمولة، تحبس السخرية والتصورات النمطية المكتومة وهي تحاول ان ترسم المفارقة بين بن لادن وأهل السودان.وهي أن سودانيين انضموا للقاعدة فقالوا لبن لادن اتركنا في الخلايا النائمة.هذه الصورة النمطية للشخصية السودانية وربطها بالكسل كما كشفت الباحثة زينب الفاضل عباس في دراستها الاكاديمية عن الشخصية السودانية في الإعلام العربي تكشف عن سذاجة عقل صانعها لأنها تداري بعض عجزه وضعفه وهو يخفف من غلواء قصوره بإصطناع صورة نمطية للآخر حتي يري نفسه في مرآة التاريخ صائلا بالعنتريات التي ما قتلت يوما ذبابة.
كانت لهذه الصورة النمطية أصداءا بعيدا في غور الأحداث حيث كان المسئول السوداني رفيع المستوي يغوص في عميقا في مقعده والصالة المتسعة تقدم عرضا للفيلم الأمريكي ( زيرو دارك ثيرتي) الذي يحكي قصة مقتل بن لادن في ابود اباد بباكستان. كانت هوليوود تقدم هذا الفيلم كأزهي ما تكون تجليات البطولة في لبوسها الأمريكي،لأن موظفة صغيرة في طاقم وكالة المخابرات المركزية تعمل في دائرة التحليل والمتابعة هي التي اصطادت بن لادن وحددت موقعه بدقة، وكانت الممثلة جسيكا جاستيان التي لعبت دور البطولة وشخصية ضابطة التحليل في الفليم قد جسدت بتكثيف درامي اعلي مراقي التضحية والمهنية في عملها، وهي تتعقب بن لادن وتربط الإحداث وتفك العقد والخيوط حتي اهتدت الي مخبئه. وخرج بعض المعلقين في الصحف ووسائل الإعلام الأمريكية ليؤكدوا قدرة الجندر في اختراق حجب المنظمات الإرهابية لأن النساء مغرمات بتعقب التفاصيل والإهتمام بالأشياء الصغيرة. كأن رسالة الفيلم المبطنة تقول ان بن لادن هزمته أمرأة.
قبل هذه الأحداث بسنوات كان ميتنر مدير تحرير صحيفة الواشنطون تايمز يسترجي كبار المسئولين في الخرطوم لتزويده ببعض تفاصيل الإتصالات مع الأجهزة الأمريكية لمنع وقوع هجمات إرهابية.وعندما خرج كتابه الشهير للعلن (إضاعة بن لادن) خصص فصلا كاملا عن محاولات السودان مد يد العون للأجهزة الأمريكية المختلفة لكفكفة جماح الإرهاب ومنع وقوع مزيد من الهجمات.تضمن الكتاب وثيقة مخطوطة باليد تعرض استعداد السودان للتواصل البناء مع المسئولين عن مكافحة الإرهاب،ونسبة لطبيعة التسييس الحاد في عمل وكالة المخابرات المركزية وخضوعها لرغبات الجهاز التفيذي فقد اختار مخططو السياسة في السودان التوجه للتعاون مع مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي) لمهنيته العالية وبعده عن النفوذ السياسي.كان عرض السودان بسيطا وشافيا: دعوه يعمل في السودان وسنراقبه ونرصد نشاطه لأنه مشغول بالتجارة ولا يفكر في الأعمال الجهادية. أو دعوه يعود من حيث اتي مع اصدار عفو عنه، أو أن نسلمه الي واشنطون.
كان الموقف دراميا والفريق الفاتح عروة مبعوث حكومة السودان في النصف الثاني من عقد التسعين من القرن الماضي يذهب الي ضاحية روزلن بفرجينيا ويصعد الي غرفة نائية في فندق شهير في قلب المدينة، وهناك يجد السفير ديفيد شن نائب مساعد وزير الخارجية للشئون الأفريقية وسفير واشنطون الأسبق لدي أديس أبابا. كان ديفيد شن قد خدم في سفارة الولايات المتحدة في الخرطوم قبل اكثر من عقدين من الزمان عندما كان في درجة السكرتير الثاني، وحضر الي جانبه بعض الشخصيات مجهولة الهوية. كان ديفيد شن يصف وجه الفاتح عروة بأنه مثل لاعب البوكر الماهر لا يبدي أي تعبيرات تكشف عن موقفه وخلجات نفسه. وتفاجيء ديفيد شن بالفاتح عروة وهو يقول له نحن علي استعداد لتسليمكم الرجل،فأضطرب القوم وتلعثموا وقالوا نحن غير مخولين بالرد علي هذا العرض المفاجيء.
وفي الجولة الثانية من المفاوضات عاد ذات الفريق دون ان يكون معهم السفير ديفيد شن لينقلوا رفض الإدارة الأمريكية لعرض السودان بتسليم بن لادن. نصح المستشارون القانونيون في الإدارة وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية رفض الطلب لعدم وجود مسوغ قانوني للقبض عليه لأنه حتي ذلك الوقت لم يكن بن لادن قد ارتكب أي جرائم او هجمات ارهابية ضد الولايات المتحدة. فخرج الفاتح عروة مبتسما لأنه كان يعرف رد الإدارة الأمريكية مسبقا.
مع تناثر غبار سقوط البرجين التوأمين في نيويورك عام 2001 كانت قناة السي أن أن تجري مقابلة توفرت فيها كل عناصر الإثارة والدراما الإعلامية. كان الصحفي ديفيد روس محرر مجلة (الفانيتي فير) يتحدث بهدوء وهو يستعرض كتاب ميتنر ويعرض وثائقه وهو يقول لسوزان رايس داخل الأستديو أن الإدارة الديمقراطية برئاسة كلنتون رفضت عرض السودان بتسليم بن لادن. وكان الجدل محتدما في واشنطون بين الجمهوريين والديمقراطيين، حيث أراد الجمهوريون ان يحملوا الرئيس كلينتون فشل استراتيجيه لمحاربة الإرهاب، وحاول الديمقراطيون ان يؤكدوا أن أحداث 11 سبتمبر هي قصور مريع في سياسات وتدابير الرئيس بوش لحماية الأمن القومي الأمريكي.
أنكرت سوزان رايس أتهامات الصحفي ديفيد روس وكانت في ذلك الوقت تعمل في معهد كارنيغي بعد فوز الرئيس بوش، وقالت أنها كانت مساعدة وزير الخارجية للشئون الأفريقية وان السودان لم يعرض قط علي إدارة الرئيس كلنتون أي شيء بخصوص تسليم بن لادن.
أتصل وزير الخارجية حينها الدكتور مصطفي عثمان في احدي زياراته الي واشنطون بسوزان رايس بعد فوز الجمهوريين بقيادة بوش، وعرض عليها تعاون الحزب الديمقراطي لدعم عملية السلام في السودان بعد خروجه من الحكم لصلاته القوية بجون قرنق وقيادة الحركة الشعبية. كان رد سوزان رايس مختصرا جدا أوقفوا الحملة الإعلامية علينا وسنفكر في التعاون معكم في قضايا السلام.
كانت اجابة سوزان رايس تنم عن مررات فشل متتالية لسياسات الرئيس كلنتون في أفريقيا، فقد فشل في وقف الإبادة الجماعية في بوروندا ورواندا، حتي خرجت البروفيسور سيمانثا بور مندوبة واشنطون لدي الأمم المتحدة بكتابها الشهير (مشكلة من الجحيم)، وفشل التدخل العسكري الأمريكي في الصومال فخرجت هوليوود بفيلم شهير اوضح عجز الإدارة وحمل اسم (بلاك هووك داون). وجاء الفشل الأكبر في جنوب السودان، حيث عجزت إدارة كلنتون في دفع الطرفين للتوصل الي تسوية سلمية مقبولة. كانت سوزان رايس ترد علي وزير الخارجية مصطفي عثمان عبر الهاتف وهي تتذكر تماما اصرارها العنيد علي نقل المفاوضات الي واشنطون قبل نهاية فترة الرئيس كلنتون ببضعة شهور مقابل اسقاط اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. والسبب هو أن سوزان رايس تريد ان تكلل فترة الرئيس كلنتون بنصر ملموس في أفريقيا بعد فشل ذريع في رواندا والصومال، وكانت قضية جنوب السودان تبدو حينها كثمرة سياسية ناضجة يمكن قطافها بثمن بخس.
لم يخيب الرئيس كلنتون ظن مستضيفيه في ملبورن بأستراليا وهو يلقي محاضرة بعد تركه مقعد الرئاسة بسنوات وهو يقول إن أكبر أخطاء رئاسته هو انه رفض عرض السودان بالقبض علي بن لادن. وذهب هذا الإعتراف موثقا في ارشيف صحيفة الواشنطون بوست.
جاء رد الخرطوم دون تردد برفض العرض الأمريكي نقل المفاوضات الي واشنطون مقابل اسقاط اسم السودان من القائمة، وكان شرح الدكتور مصطفي عثمان حينها وافيا وهو يقول إن أمريكا طرف غير محايد في الصراع لذا لن يغامر السودان بوضع كل أهم قضية سياسية له في السلة الأمريكية. لم تكتفي سوزان رايس بذلك بل قدمت مقترحا بعد ذلك لإدارة الرئيس بوش بضرب حصار بحري علي بورتسودان لخنق الإقتصاد السوداني لتعذر انشاء منطقة عازلة للطيران في دارفور.
وعندما عادت سوزان رايس مكللة بتيجان النصر مع الرئيس باراك أوباما في منصبي مندوبة أمريكا لدي الأمم المتحدة وكذلك مستشارة الأمن القومي لم تنس تاريخ مرارتها القديم مع السودان. وعندما جاءت ضمن وفد مجلس الأمن في مطلع العام 2011 زارت خلسة معسكر لتدريب أفراد الشرطة في جوبا وقالت بأعلي صوتها مخاطبة الجنود، هل أنتم جاهزون لحماية دولتكم الجديدة، وكان الرد هستيريا نعم قادرون. كان ذلك أكبر خرق للبرتوكول الدبلوماسي حين كان الهتاف يعلو في سماء جوبا والإستفتاء يجثم في صدر التاريخ علي بعد مواقيت معلومة من الزمان وحصيد الهشيم تذروه رياح البهتان والأمل.
كانت الباخرة تمخر عباب النيل قبالة مرسي وزارة الخارجية وجميع اعضاء مجلس الأمن يلبون دعوة وزير الخارجية حينها علي كرتي، أخرجت رايس من حقيبتها الكاميرا الشخصية والتقت صورة لمجري النيل قبالة المقرن وشمس الاصيل تنحدر مع الغروب وهي تقول لمن يجاورها سأهدي هذا الصورة لزوجي وأبنائي بنيويورك لأنها أخر صورة للسودان الموحد.
قريب من ذلك الزمان وفي مكان ما في العاصمة الأريترية أسمر كان الشاب النحيل يمضي رويدا قبالة الباب الحديدي الضخم، وهو يهمس لحارس البوابة بأنه يريد الحديث مع القنصل الأمريكي لأن لديه معلومات هامة يريد أن يدلي بها. وبعد تردد وفحص سمح لذلك الشاب بالدخول. فتم استجوابه لمدة اربعة اسابيع ومن ثم تم تحويله الي قاعدة عسكرية لواشنطون في ألمانيا لمواصلة تقييم ما يحمله من معلومات. وبعد شهور قليلة انتهي الأمر بذلك الشاب الي بروكلن بنيويورك.كان جمال الفضل قد عمل مع بن لادن لبعض الوقت في شركته، وقرر لأسباب كثيرة منها اختفاء اموال من الشركة ان يسلم نفسه للسلطات الأمريكية عسي أن تسفيد مما يحمله من معلومات. اخضعت السلطات الأمريكية جمال الفضل لبرنامج حماية الشهود فتم استخراج مستندات جديدة وتغيير اسمه وهويته، وفي وقت وجيز استطاع جمال الفضل أن يقدم صورة متكاملة لعمل تلك المنظمة منذ أن عمل معها في افغانستان. احتفي المستشارون القانونيون في الوكالات المتخصصة بالمعلومات التي قدمها جمال الفضل، وتم وفقا لذلك تحرير اول ادعاء قانوني ضد بن لادن في المحاكم الأمريكية، ولفت جمال الفضل أنظار المدعين للأصول الفكرية للعنف مشيرا الي مركزية فقه بن تيمية في تفريخ ظاهرة الإرهاب حسب قوله.
لم تقف الدراما عند هذا الحد بل تفاقم الأمر بعد أن قام مصدر سوداني غير معلن بتزويد مكتب التحقيقات الفيدرالي بمزاعم ان السودان ارسل مجموعة لإغتيال مستشار الرئيس كلنتون لمكافحة الإرهاب انتوني ليك. وسرعان ما تم اخفاء انتوني ليك في بيت الضيافة بواشنطون (بلير هاوس) لعدة اشهر. وبعد شكوك مستمرة تم اخضاع هذه الشخصية السودانية الغامضة لجهاز كشف الكذب فسقط سقوطا مريعا عدة مرات.فقامت وكالة المخابرات المركزية علي الفور بأعدام أكثر من مائة تقرير عن السودان من سجلاتها لأنها كاذبة ومضللة.
أرتفعت اصوات خلف ستار المسرح تنتقد الحكومة السودانية وانها قدمت ارتالا من المعلومات لمكافحة الإرهاب دون ثمن بل أتهمها البعض بأنها تورطت في العمالة للمشروع الأمريكي. جاء صوت الفريق صلاح قوش بعد ترجله عن المنصب من أمام ستارة المسرح ليقول أن تعاون السودان نابع من موقف اصيل وقناعة راسخة لمحاربة الإرهاب كما أن التعاون الفني وتبادل المعلومات وقي السودان من شر أن يتهم أو أن تتخذ ضده اجراءات عسكرية في ظل هوجة الاسد الجريح، وظل سجل السودان رغم المزاعم والإتهامات ناصعا من درن التورط في مغامرات يائسة تعارض الرشد والقيم المعلنة.
اشتعل الجدل مجددا في واشنطون هذا الأسبوع وأربعة من مستشاري وزارة العدل الأمريكية قدموا رواية كاملة حول نوعية الإستشارات والنصائح التي قدموها للإدارة الأمريكية وهي تخطط للهجوم علي منزل بن لادن في أبود أباد بباكستان، وذلك وسط شكوك كبيرة في الرواية الرسمية حول كيفية اغتيال بن لادن.
درج الصحفي الأمريكي الكبير سيمور هيرش صاحب السجل الضخم علي احراج الإدارات كل حين و كشف الأكاذيب والأحابيل السياسية خاصة في مناطق الصراعات التي تتورط فيها أمريكا.حيث كشف انحرافات حرب فيتنام، كما كشف التعذيب في سجن أبوغريب بالعراق. وظل هيرش ينشر تحقيقاته الإستقصائية في مجلة(ذي نيويوركر). لكن المجلة التي درجت علي نشر تحقيقاته الإستقصائية لعشرات السنين ترفض لأول مرة نشر تحقيقه الشهير عن مقتل بن لادن. فيعبر بتحقيقه الأطلنطي وينشره في بريطانيا في مجلة (لندن بوك ريفيو) بدلا عن صحف ومجلات أمريكا. لأنه يقول كلمة واحدة وهي أن إدارة الرئيس أوباما كاذبة وأن بن لادن لم تقتله فرقة (سيل) السرية وهي تقتحم سماوات باكستان بالمروحيات والطائرات، ولكنها كانت عملية تسليم وتسلم.
كنت أريد أن أهمس في أذن ذلك المسئول رفيع المستوي أن ما شاهده في فيلم (دارك ثيرتي) ودراما البطولة الأمريكية وانتصار تلك الفتاة الصغيرة في المؤسسة المخابراتية الشهيرة علي بن لادن لأنها كانت حاذقة في التفاصيل والشجاعة والأداء المهني الرفيع والذكاء، هذه الراوية اصبحت محلل شكوك كبيرة، وذلك ما سنضعه في مجهر التحليل مع سيمور هيرش في الحلقة القادمة من هذا المقال.
