استفتاء أم انتخابات … بقلم: أبوذر علي الأمين ياسين

 


 

 

عجزت المفوضية عن إعلان النتائج بحسب جدولها المعلن، بل ظلت تؤجل يوماً بعد يوم إعلان النتائج. وأزمة المفوضية يكمن في أن النتائج المتدنية التي حصل عليها المرشح البشير بالنيل الأزرق، ودارفور، والجنوب، صارت عاراً عليها تعجز عن إعلانه، وأنه (ربما) يحتاج إلى شئ من( طبيخ ) يحسن خواتيمها التي تبيح لها إعلاناً مشرفاً لنتائج انتخابات الرئاسة!!؟ فقد جاءت الانتخابات (الاستفتاء) بأكثر مما هي انتخابات. وكل الذي صار وتم فضحه من تزوير لم يسعف الرئيس المرشح البشير الذي لم ينجح في الحصول على شعبية (حاسمة) كما كان يصور هو وحزبه!!، ذلك أن محاولات البشير تصوير شعبيته التي هي كل السودان عقب صدور مذكرة اتهامه من محكمة الجنايات الدولية والتي ظل يلون هو وكل آلة الدولة صور ردود فعل الجماهير تجاه محكمة الجنايات الدولية وكأنه قد (دفق) بسبب قرار اتهام المحكمة له بشعبية غير متوقعة!؟، ولكن الحقيقة كانت أكثر من واضحة، فآلة الدولة سمحت لمن هم ضد توجهات محكمة الجنايات الدولية بالتعبير عبر التظاهر المدعوم والممول من الدولة. في حين منعت مؤيدي موقف المحكمة من التعبير عبر التظاهر على ذات النهج، بل ظلت تهددهم بكل ما أوتيت من إمكانات لدرجة منع وضع صورة أوكامبو على (الصحف) إلا وعليها علامة الشطب Cross !!. نفس الصورة والمنهج أتبعت مع الانتخابات التي لم يفز فيها أحداً سوى المؤتمر الوطني وعلى كافة الأصعدة بما فيها كل قوائم التمثيل النسبي، بل لم يشارك أحداً المؤتمر الوطني إلا من خاض الانتخابات على خلفية دعم مباشر من المؤتمر الوطني.!!. لكن النتيجة التي لم يشارك فيها المؤتمر الوطني أحداً من منافسيه عكست ذات العقلية والمنهج. فسند السلطة وإمكانات الدولة تسخر كلها لدعم الفوز الذي لا مجال فيه (لآخر)، بل أكثر من ذلك يجوز حتى التدخل بالتزوير المباشر أثناء وقبل وبعد الانتخابات لحسم النتيجة لصالح السلطة بأكثر مما هو لصالح حزبها، فخيوط التباين بين الحكومة وحزبها تكاد أن تكون معدومة بما يفيد بعدم وجود حزب ولكن حكومة توظف الحزب كيفما شاءت.

ويبدو أن حجم الأصوات التي سيعلن وفقاً لها فوز البشير لم تأتي وفقاً لتصور من اجتهد فزور!؟، للدرجة التي استدعت (زيارة خاصة) لعلي عثمان للجنوب على خلفية (حث) حكومة الجنوب على تحسين نتائج أصوات البشير!!، فالمصادر أكدت أن زيارة علي عثمان لم تكن للتنسيق للحكومة القادمة ولا لقبول نتائج الانتخابات. بل كان لها بند واحد فقط، وهو تحسين النتائج التي تحصل عليها المرشح البشير بالجنوب على خلفية أن مرشح الحركة ياسر سعيد عرمان قد انسحب ولا معني لإعلان الأرقام الكبيرة التي حصدها بالجنوب، كما أن تحسين أرقام وحظوظ المرشح البشير ستكون شكليه كون أصوات عرمان لن تؤهله للفوز، كما أن تحسين عدد أصوات البشير ترفع نسبة شعبيته من جهة كونه الفائز على كل حال. لكن ذات المصادر أكدت رفض الحركة مشاركة الحكومة وحزبها لعبة التزوير وخداع الشعب.

أخطر ما أفرزته الانتخابات هو عدم الاعتراف بأي حزب على الإطلاق. خاصة بعدما أثبتت الانتخابات أنه لا وجود لحزب أسمه المؤتمر الوطني، فالدولة هي الحزب. كما أن الدولة هذه تخشى أي حزب ولو كان عنوان خواء لها. ولن تعترف بالتالي بأي حزب، فطبيعتها لا تتماشى مع التعددية والحزبية، والانتخابات عند هذه الدولة هي بالتحديد أداة إعلان عدم وجود حزب وإثبات وجود الحكومة قبل وبعد الانتخابات وحتى في حالة إعادتها أو عقب انتهاء دورتها. هذا ما كشفته مفارقة تزوير الانتخابات كون النتائج جاءت مفاجئة حتى لقيادات في حزب (المؤتمر الوطني)، وهذا يفيد أن الحزب إنما هو صنيعة الدولة، وأن الدولة بصفتها الجهة التي تعين مفضية الانتخابات والعاملين فيها، فإنها هي التي تدير كل شئ فيها!. كما أن ما جرى تم بتخطيط وترتيب من مؤسسات تنفيذية وليس حزبية، وهذا تحديداً ما أشار له زعيم حزب المؤتمر الشعبي الذي أفاد أن ضباط بالأمن وقيادات بالمؤتمر الوطني أفادوه بما تم من تبديل الصناديق. كما أن الذي يضطلع بنفي التزوير الكثيف الآن ليس المفوضية بل الحكومة!. بل الواضح أنه وقبل الانتخابات كانت المفوضية مسلوبة الإرادة للدرجة التي مررت فيها كل طلب أو زعم من الحكومة أو المؤتمر الوطني لا فرق، في حين أنها رفضت كل طلبات واعتراضات المعارضة. والآن تصمت المفوضية وتدافع الحكومة عن تهم التزوير رغم البينات الكثيرة غير القابلة للإنكار. وهكذا انتهت الانتخابات لنخسر كل شئ الدولة ومؤسساتها، ووحدة البلاد وعدم استقرارها. وكل ذلك ليفدي (رجل واحد) نفسه من تهم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وربما الإبادة الجماعية. لكن الانتخابات أثبتت لنا أن بالسودان إنسان واحد يدعي عمر البشير، ولا يحق لأحد سواه أن يتصف بصفة إنسان كون الجميع (ونستعير هنا ما اشتهر من كلماته الرئاسية) تحت حذائه، ليس شعب السودان بل حتى دول كاملة وشعوب وحتماً محكمة الجنايات الدولية.

الانتخابات كذلك انتهت كبند ضمن اتفاقية السلام، وليس نهجاً أو توجهاً نحو الديمقراطية وترسيخها نظاماً شاملا لأهل السودان. ليس لأن ما جري لا يرقى للوصف بأنه انتخابات، بل هو يستحق وصف انتخابات مدروسة ومخطط لها ولنتائجها. لكن عواقبها لم يقف عندها أحد أو يهتم. الشريكان والعالم لا يريدون سوى النظر لهذه الانتخابات إلا باعتبارها (أحد بنود اتفاق السلام) التي تستوجب الإيفاء بها تمهيداً لتمام الاتفاق بالاستفتاء على تقرير مصير الجنوب. وهكذا فالنهايات هي الأهم وليس مسار وجوهر البنود. فقد انتهت الانتخابات لذات الوضع الذي كنا عليه قبلها؟!، والتغيير الوحيد الذي دفعت به هذه الانتخابات كان أن توسعت سيطرة الحكومة وحزبها على كامل الشمال. وتراجعت الحركة الشعبية لأقصى الجنوب، وكل منهم ينتظر لحظة إعلان دولته المستقلة عن الأخرى، رغب الشعب أم لم يرغب.

إن الانتخابات إذاُ جعلتنا مباشرة أمام دولتين شمال السودان التي يهيمن عليه المؤتمر الوطني، و دولة الجنوب التي تهيمن عليه الحركة الشعبية. لكن شمال السودان ما يزال يعاني من ذات المشاكل التي ستدفع الجنوب للانفصال!، وأكبر أسباب استمرار ذات المشاكل هو بقاء واستمرار واستحواذ المؤتمر الوطني على كل الشمال. لنجد أنفسنا على أعقاب إعلان انفصال الجنوب، أننا وبسبب ما انتهت إليه الانتخابات نواجه جنوباً آخر، ثم نتعامل معه بذات المنهج فينفصل، لنولد جنوب آخر وهكذا حتى تصير البلاد دولاً عدداً لأن الهم الرئيس هو حماية شخص (متهم) وما يزال عاجز عن إثبات براءته ويدعي أنه يحمل شعبية لا مثيل لها بسبب اتهامه. لكن ممثل الشعب الحقيقي والقوي والذي يحترم اختيار شعبه له يواجه مصيره ولا يختبئ بين الشعب ويحتمي به جاعلاً منه درع لحمايته ولو مات كل الشعب أو ذهبت دولته التي كان يمثلها يوماً.

هزمت الانتخابات الدولة التي كانت واحدة وجعلت من تفتتها أمراً واقعاً رغماً عن إرادة الشعب وأمنياته. كما هزمت الانتخابات المؤسسية وحررت شهادة موتها، فمنذ قدوم الإنقاذ للسلطة لم تعد هناك مؤسسات بل أشخاص هم المؤسسة والقانون وحتى القاضي الذي يفصل في القضايا والنزاعات. والآن أثبتت الانتخابات أن الأصل هو (شخص) واحد هو البشير الفائز حتماً، وأنه سيكون هو الدولة والقانون والأحزاب والناس أجمعين. وعلى من أراد أن يكون ضمن طاقمه أن يكون صاحب أكبر استعداد لتلقي الأوامر وتنفيذها كيف ما كانت. فالعسكر لهم قانون واحد أوامر من الرتبة الأعلى تستوجب الامتثال لها وتنفيذها، غض النظر عن حكومة أو حزب، عن قانون أو دستور، ألم يحل البشير يوماً المجلس الوطني ويعلن حالة الطوارئ معارضاً للدستور الذي (أقسم على احترامه وحمايته). ليس هناك جديد ذهب البشير وعاد البشير ولا جديد. سيظل نافع هو نافع، وعوض الجاز وصلاح قوش وغازي صلاح الدين والبقية هم هم، رجال حول الرئيس، وستكون تلك أهم صفة لهم. على الأقل نحن نعرف أن غازي صلاح الدين قبل من قبل أن يكون أميناً للمؤتمر الوطني وبالتزوير!!؟، ولا غرابة أن يقبل غازي ويفرح ويحتفل بالنصر المُزور، لكنه لن يكون يوماً من القيادات التي تستحق الاحترام وإن ادعي الاعتدال وامتشق الوسطية. فالطيور على أشكالها تقع.

ولكن وبعد كل التزوير الذي صار والمبشر به، هل سيفوز البشير بوزن جماهيري حقيقي؟ سؤال ننتظر أن توضحه لها حجم الأصوات التي بلغت وسط السودانيين بالخارج سقف ال 88%، لكنها تجاوزته بالشمال والوسط لما بعد ال 90%. ولكن السؤال هل سيكون لمجموع الأصوات ذات دلالة زخم ومزاعم الشعبية المطلقة؟. سننتظر لنرى ولكن لكم هذه المؤشرات التي تعين على تحديد مدى شعبية البشير رغم التزوير وبحساب كل شئ لصالحه.

بحسب التعداد السكاني عدد الذين يحق لهم المشاركة في اختيار الحكام والممثلين بالبرلمانات القومية والولائيه 19.576.242 – ولتنال 50% + 1 من هذا الرقم تحتاج إلى أكثر من 9.788.121 صوت. أما بحسب عدد المسجلين والذين يمثلون 80% ممن يحق لهم التصويت فالعدد 16.281.841 ولتنال 50% +1 من هذا الرقم تحتاج إلى أكثر من 8.140.920 صوت. أما حساب الفائز وفقاً للمشاركين بالانتخاب والتصويت والبالغ نسبتهم بحسب آخر بيانات المفوضية 60% من المسجلين ويمثلون 9.769.104 ناخب. ولتنال من هؤلاء 50%+1 تحتاج إلى 4.884.552 صوت. ولعله واضح من النسبة العامة للتصويت أن البشير رغم فوزه ستكون هذه الانتخابات قد سجلت هدفاً مهماً أنه بلا شعبية، ولو تعاملت مع النتائج التي ستعلن على أنها الحقيقة و تمثل كل الصدق. أما إذا حاولت أن تخصم حق (التزوير) فستجد الرجل بلا شئ، رجل جعلت منه السلطة كل شئ ولا عزاء لشعب، وليس له أن يثور على زعيم وهمي وفائز. وحتى نلتقي مع نتائج المفوضية الأخيرة هذه هي المقدمات!!؟، يبدو أننا سننتظر نافع ذاته لنحجز له مكانه بمقابره تلك.

 

 

Abuthar Ali [abuzzzar@yahoo.com]

 

آراء