نزار عثمان السمندل
سنوات طويلة مرت قبل أن تعترف واشنطن بما يعرفه السودانيون منذ عقود. حركة أرهقت البلاد، وزرعت الفتن، وحرقت حياة أجيال، لم تحرك الضمير الدولي إلا حين تلاقت مصالحه مع حسابات القوى الكبرى.
القرار جاء بعد أن وصل الخطر إلى حدود النفوذ الأميركي، بعد أن رأى العالم ما عاشه السودانيون على أرضهم منذ زمن طويل. دماء، نسيان، وعد مهمل… كل ذلك لم يكن كافياً، حتى جاء القرار ليضيف سطراً جديداً إلى قصة يعرفها كل سوداني من ذاكرته الخاصة، لكنه يقرأها للتو في عناوين الصحف.
سنوات طويلة منذ صعود حركة الإسلام السياسي إلى السلطة عبر الانقلاب عام 1989، سنوات امتلأت بتحولات عميقة في الدولة والمجتمع، وحروب ونزاعات تركت آثارها الثقيلة على جغرافيا البلاد. الجنوب انتهى إلى الانفصال بعد حرب طويلة، دارفور صارت عنواناً دائماً للمأساة الإنسانية، ومناطق النيل الأزرق وجبال النوبة شهدت نزوحاً وصراعات مستمرة.
المدن كلها م تكن بمنأى عن الانقسامات والصراعات المسلحة، والفقر والاقتصاد المنهك كانا جزءاً من الواقع اليومي للسودانيين.
في ذاكرة الشعب لا تُقرأ هذه السنوات بلغة التقارير فقط، بل عبر قصص البيوت المهدمة، القرى الخالية من أهلها، والأجيال التي كبرت وسط ضيق الفرص وضعف التعليم.
التجربة التي قادتها الحركة الإسلامية تركت جدلاً عميقاً حول طبيعة السلطة وطبيعة المشروع السياسي الذي حكم البلاد لعقود.
القرار الأميركي يبدو متأخراً بالنسبة للكثيرين. فمنذ التسعينيات، وُجهت اتهامات للحركة بفتح السودان أمام شبكات أيديولوجية وسياسية عابرة للحدود، وعاشت البلاد سنوات طويلة تحت قيود وعقوبات دولية قبل أن تبدأ مرحلة رفعها تدريجياً.
السؤال الأكثر إلحاحاً هو: لماذا الآن؟
القرار يأتي في سياق إقليمي شديد التوتر، حيث تتشابك النزاعات المحلية مع الحسابات الدولية. العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران تظل محوراً أساسياً في هذا المشهد. أي ارتباط محتمل بين حركات إقليمية وطهران يتحول سريعاً إلى حساسيات استراتيجية في واشنطن.
السياسة الدولية تتحرك وفق منطق المصالح والتوازنات، بينما الاعتبارات الأخلاقية غالباً ما تأتي في مرتبة لاحقة. لهذا يشعر كثير من السودانيين بأن مآسيهم الطويلة لم تكن كافية لتحريك الضمير الدولي بنفس سرعة التحرك حين تمس مصالح القوى الكبرى.
داخل السودان تبدو الصورة مختلفة تماماً. الناس هناك ينظرون إلى الماضي من زاوية التجربة المعاشة. ذاكرة الحروب، النزوح، الفقر، الإذلال والانقسامات ما تزال حاضرة في حياة الملايين. النقاش حول مسؤولية القوى السياسية والعسكر عن تلك السنوات ما يزال مفتوحاً، وتقييم دور الحركة الإسلامية يشكل أحد محاوره الأساسية.
بالنسبة لكثير من السودانيين، لا يحتاج الحكم على التجربة إلى قرارات خارجية. الذاكرة المحلية تحمل سجلها الخاص؛ سنوات من النزاع، اقتصاد منهك، مجتمع عانى القتل والتعذيب والاضطهاد. بالنسبة لهم يبدو القرار الأميركي أقرب إلى اعتراف متأخر بما عاشه الناس على أرضهم منذ زمن طويل.
القرار يضيف فصلاً جديداً، لكنه لا يمحو حقيقة أساسية مفادها أن تجربة هذي البلاد ما تزال تُكتب على الأرض، في المدن والقرى، في حياة الناس اليومية، وفي ذاكرة الأجيال.
التحديات مستمرة، والنقاش حول الماضي والحاضر سيتابع الدفع نحو فهم أفضل لما يعنيه الحكم، السلطة، والدين في السودان.
مسافة واسعة تفصل بين ذاكرة الشعب السوداني وحسابات القوى الكبرى، وفي هذه المسافة تتقاطع الأخلاق مع المصالح، والمآسي اليومية مع خرائط النفوذ.
القرار الأميركي يسلط الضوء على هذه المفارقة، لكنه لا يستطيع وحده تفسير كل ما جرى، ولا رسم ما سيأتي بعده.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم