باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 24 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

الآثارُ الكاملةُ للإمام المهدي، تحقيقُ أبي سليم

اخر تحديث: 24 سبتمبر, 2026 10:18 صباحًا
شارك

الآثارُ الكاملةُ للإمام المهدي، تحقيقُ أبي سليم
سبع مجلَّداتٍ ردَّتِ الكلامَ إلى صاحبه، وأنطقتِ الأرشيفَ السودانيّ
د. الرشيد خليفة
تاريخُ السودانِ مليءٌ بثوراتٍ كتبَ سِيَرَها خصومُها، وليست المهديّةُ استثناءً. فأوّلُ ما بلغَ العالَمَ عن دولةِ الأنصارِ إنّما حمَلَه إليه رجالٌ نجَوا من أسرِ أمّ درمانَ فحمَلوا أقلامَهم يستردّونَ بها ما فاتَهم من ثأرٍ، النمساويُّ رودولف سلاطين [Rudolf Slatin] في «السيفِ والنارِ في السودان»، والنمساويُّ جوزف أوروالدر [Josef Ohrwalder] في «عشرِ سنواتٍ في أسرِ المهديّة»، ومن ورائهما جهازُ المخابراتِ المصريِّ بقلمِ رجينالد وِنجت [Reginald Wingate] الذي أخرجَ «المهديّةَ والسودانَ المصريّ» ليُقنعَ الرأيَ العامَّ في لندنَ أنّ الثورةَ هَوَسٌ دينيٌّ لا دواءَ له إلّا مدفعُ كتشنر.
وهكذا دخلَتِ المهديّةُ المكتبةَ العالميّةَ مقلوبةً، دولةً بلا وثائقَ، وإماماً بلا كلامٍ منسوبٍ إليه، ورعيّةً لا يُسمَعُ صوتُها إلّا مُترجَماً على لسانِ سجّانِها ألغازي. ثمّ جاءَ رجلٌ واحدٌ لا يحملُ بندقيّةً، بل، يحملُ مِبضعاََ ومِلفّاً وفهرساً، فأعادَ إلى الثورةِ لسانَها الذي صادَرَه المنتصرون. ذلك هو البروفيسور محمد إبراهيم أبو سليم، جامعُ «الآثارِ الكاملةِ للإمام المهدي» ومحقِّقُها في سبع مجلَّداتٍ، ردَّ بها الكلامَ إلى قائلِه، وأتاحَ للسودانيِّ أن يقرأَ مهديَّتَه من أوراقِها هي، لا من مذكّراتِ من فرَّ منها [1].
المحقِّقُ الذي صار مِلكاً للسودانِ، لا لأهله
تناولنا في حلقةٍ سابقةٍ من هذه السلسلةِ سيرةَ أبي سليم ومنهجَه بالتفصيل، فنكتفي هنا بما يُعينُ على فهمِ صنيعِه في هذا المؤلَّف. وُلِدَ الرجلُ في قريةِ سِركِمتو بالولايةِ الشماليّةِ سنةَ ١٩٢٧، ودرسَ علمَ الوثائقِ بجامعةِ الخرطوم، فالتحقَ بمكتبٍ صغيرٍ لحفظِ الأوراقِ في وزارةِ الداخليّة، ما لبثَ أن نمَا على يدَيه حتّى صارَ «دارَ الوثائقِ القوميّة»، ونالَ الدكتوراه في فلسفةِ التاريخِ سنةَ ١٩٦٦، وتوفّي بالخرطومِ سنةَ ٢٠٠٤ وقد قاربَتْ مؤلّفاتُه وتحقيقاتُه اثنَينِ وستّينَ كتاباً [2].
وأصدقُ ما يُوصَفُ به هذا الرجلُ كلمةُ إسماعيل الأزهري حين احتفَتْ به أسرتُه، فقالَ للجمعِ إنّ أبا سليم «ليس مِلكَكم وحدَكم، بل، مِلكُ السودانِ كلِّه» [2]. وليس ذلك مبالغةً في مديحٍ، بل، وصفٌ لوظيفةٍ؛ فالمحقِّقُ عندَه ليس مؤلِّفاً ولا شارحاً، بل، رجلٌ نذرَ نفسَه لخدمةِ نصٍّ كتبَه غيرُه، يضبطُ حروفَه، ويؤرِّخُ صدورَه، ويردُّه إلى سياقِه. وأبرزُ ما يميّزُ منهجَه أنّه لا يقرأُ الوثيقةَ معزولةً، بل، يضعُها في تضاريسِها القبليّةِ والدينيّةِ والسياسيّةِ، فيفهمُ منشوراً إلى أميرٍ في ضوءِ انتماءِ ذلك الأميرِ وموقعِ قبيلتِه وعلاقتِها بجيرانِها، حتّى صارَ تحقيقُه تاريخاً اجتماعيّاً مُضمَراً لا مجرّدَ نشرٍ لأوراقٍ رسميّة. ومن أشهرِ تحقيقاتِه إلى جانبِ ذلك إخراجُه النقديُّ لتاريخِ نعوم شقير عن السودان، وهو المرجعُ الذي لا يكادُ باحثٌ يستغني عنه [3].
كيف تُجمَعُ ثورةٌ من أدراجِ الحكومةِ ومطاميرِ القُرى
لم تنزلْ «الآثارُ الكاملةُ» على أبي سليم دفعةً واحدةً، بل، تجمّعَتْ على مراحلَ من مصادرَ متفرّقةٍ ومتنافرة. فحين سقطَتْ أمّ درمانَ سنةَ ١٨٩٨، استولى جهازُ المخابراتِ في جيشِ الاحتلالِ على أرشيفِ الدولةِ المهديّةِ، منشوراتٍ ومكاتباتٍ وسجلّاتٍ لبيتِ المال، فحُمِلَ بعضُه إلى القاهرةَ ثمّ إلى إنجلترا حيث استقرَّ جانبٌ كبيرٌ منه فيما عُرِفَ لاحقاً بأرشيفِ السودانِ بجامعةِ درم. وبقيَتْ في السودانِ نفسِه نُسَخٌ متناثرةٌ في حوزةِ الأسرِ والأمراءِ والفقهاءِ، خبّأها أصحابُها في المطاميرِ والصناديقِ خوفاً من بطشِ الحكمِ الثنائيِّ الذي جرَّمَ المهديّةَ عقوداً.
فكانَ صنيعُ أبي سليم أشبهَ بجمعِ إناءٍ مكسورٍ تناثرَتْ شظاياه بين قارّتَينِ؛ يستنسخُ من أرشيفِ الخصمِ ما حفِظَه الخصمُ ليُدينَ به الثورةَ، ويستجدي من بيوتِ الأنصارِ ما ضنُّوا به على الغرباءِ زماناً، ثمّ يقابلُ النسخةَ بالنسخةِ حتّى يطمئنَّ إلى النصّ. وقد مهّدَ لذلك بأعمالٍ سابقةٍ في التوثيقِ صارَتْ أدواتٍ لهذا المؤلَّفِ، من «المرشدِ إلى وثائقِ الإمام المهدي» الذي فهرسَ به المادّةَ، و«منشوراتِ المهديّة»، و«الحركةِ الفكريّةِ في المهديّة» [4]، حتّى إذا نضِجَتِ المادّةُ أخرجَها كاملةً في سبع مجلَّداتٍ عن دارِ جامعةِ الخرطومِ للنشر [1]. وإلى جانبِ هذه المجموعةِ حقّقَ سِيَراً مهديّةً معاصرةً مثلَ «سعادةِ المهتدي» لإسماعيل عبد القادر الكردفاني [5]، وهي من المتونِ التي بنى عليها الباحثونَ الغربيّونَ سيرةَ المهديِّ فيما بعدُ [6].
أمّا هدفُه فمزدوجٌ، علميٌّ ووطنيٌّ في آنٍ. علميّاً أرادَ أن يضعَ بين يدَي الباحثِ المصدرَ الأوّلَ خاماً غيرَ مطبوخٍ، فلا يبقى الدارسُ أسيرَ ما كتبَه سلاطين وأوروالدر ومن نقلَ عنهما. ووطنيّاً أرادَ أن يستردَّ للسودانيِّ حقَّه في أن يسمعَ صوتَ ثورتِه بلسانِها لا بلسانِ عدوِّها، من غيرِ أن يتحوّلَ هو نفسُه إلى محامٍ عن المهديّةِ أو خصمٍ لها. وهذه هي المفارقةُ اللطيفةُ في مشروعِه، أنّه لم يكتبْ تاريخَ المهديّةِ من الوثائقِ فحسب، بل، أتاحَ الوثائقَ نفسَها لمن شاءَ أن يكتبَ، فهو يُسلِّحُ خصومَ المهديّةِ وأنصارَها بالسلاحِ ذاتِه.
أطروحةُ المحقِّق، أن يَدَعَ النصَّ يُحاكِمُ نفسَه
ليس لأبي سليم في هذه المجلَّداتِ أطروحةٌ يُدافعُ عنها بالمعنى الجدليِّ، لأنّ التحقيقَ في أصلِه إخفاءٌ للمحقِّقِ خلفَ نصِّه. ومع ذلك، فإنّ لصنيعِه أطروحاتٍ مُضمَرةً يُدركُها من يتأمّلُ ترتيبَه واختيارَه، أوّلُها أنّ المهديّةَ دولةٌ ذاتُ كتابةٍ لا حركةٌ شفويّةٌ عابرةٌ؛ فمن يملأُ سبع مجلَّداتٍ بالمنشوراتِ والمكاتباتِ والأوامرِ لا يكونُ هَوَساً بلا عقلٍ كما صوَّرَه خصومُه.
وثانيها أنّ الوثيقةَ أصدقُ من الروايةِ، فكلامُ المهديِّ كما صدرَ عن ديوانِه مقدَّمٌ على كلامِ من رواه عنه أسيرٌ ناقمٌ أو مريدٌ غالٍ. وثالثُها، وهو ألطفُها، أنّ فهمَ الدولةِ يبدأُ من ورقِها لا من خطبِها؛ فرسائلُ التعيينِ وسجلّاتُ الزكاةِ وأوامرُ التهجيرِ تكشفُ عن بنيةِ الحكمِ ما لا تكشفُه البياناتُ الرنّانة. وهكذا يصنعُ أبو سليم تاريخاً للمهديّةِ من دفاترِها لا من أناشيدِها، وتلك أطروحةٌ منهجيّةٌ لا تُقالُ، بل، تُمارَس.
من إعلانِ الدعوةِ إلى وفاةِ الإمام، تقويمُ ثورةٍ في أربعِ سنوات
تُغطّي المجلَّداتُ السبعةُ عمرَ المهديِّ العامَّ منذُ جهرَ بدعوتِه سنةَ ١٨٨١ حتّى وفاتِه في يونيو ١٨٨٥، وهي مدّةٌ لا تتجاوزُ أربعَ سنواتٍ، خلَّفَ فيها كمّاً هائلاً من الكلامِ المكتوبِ يُذهِلُ بغزارتِه قياساً إلى قِصَرِها. ففيها إعلانُ المهديّةِ ومكاتباتُه الأولى لعلماءِ السودانِ وأعيانِه يدعوهم إلى بيعتِه، ومنشوراتُه في الهجرةِ والجهادِ، ومراسلاتُه مع القوّادِ في ميادينِ كردفانَ والنيلِ الأزرقِ والشرقِ، حتّى حصارِ الخرطومِ وسقوطِها في يناير ١٨٨٥ ومقتلِ غوردون.
وإلى جانبِ المنشوراتِ ذاتِ الطابعِ الحربيِّ، تضمُّ المجموعةُ راتباً من الأدعيةِ والأورادِ التي فرضَها المهديُّ على أنصارِه بديلاً عمّا ألِفوه من أورادِ الطرقِ الصوفيّةِ، ورسائلَ في العقيدةِ وأصولِ الدعوةِ، ومكاتباتٍ في تنظيمِ بيتِ المالِ والقضاءِ والجيشِ ورايَاتِه الثلاث الفاعلة. ومن نافلةِ القولِ أنّ هذه الوثائقَ مؤرَّخةٌ بالتاريخ الهجريِّ كما صدرَتْ، وأنّ قراءتَها تحتاجُ إلى ردِّ تواريخِها إلى التاريخ الميلاديِّ ليَستبينَ للقارئِ تعاقبُ الأحداثِ على وجهِه الصحيحِ، وهو ما اتّبعته في كل كتاباتي عن المهدية.
وعلى ذكرِ الرايات الثلاثِ الفاعلة، فإنّها لم تكن في أصلِ تصميمِ المهديِّ إلّا ثلاثةَ أرباعِ الصورةِ؛ فقد جرى على سَنَنِ الخلفاءِ الراشدين فنصَّبَ لكلِّ رايةٍ خليفةً، الزرقاءَ لعبد اللهِ التعايشيِّ خليفة أبي بكر الصديق، والخضراءَ لعليٍّ وَدْ حلو خليفة ابن الخطاب، والحمراءَ لمحمد شريفٍ ابنِ عمِّه، وخليفة علي الكرار وأبقى الرابعةَ — رايةَ سيّدِنا عثمانَ الصفراءَ — معلَّقةً، عرضَها على رجلٍ من خارجِ السودانِ كلِّه، هو الإمامُ محمد المهديُّ السنوسيُّ زعيمُ الطريقةِ السنوسيّةِ في ليبيا؛ ولم يكن اختيارُه إيّاه عبثاً، بل، إعلاناً بأنّ الدعوةَ ليست شأناً سودانيّاً محلّيّاً، بل، مهديّةٌ للأمّةِ قاطبةً، إذ لو دخلَ فيها زعيمُ أوسعِ طريقةٍ عابرةٍ للصحراءِ كالسنوسي لمدَّ ظلَّها من النيلِ إلى المحيطِ، ولاكتملَ بها قالبُ الخلافةِ الراشديّةِ على تمامِه [7]. لكنَّ السنوسيَّ لم يُجِبْ، ولم يكن صمتُه ازدراءً خاصّاً بالمهديِّ، بل، سياسةً ثابتةً في النأيِ عن كلِّ حلفٍ ردَّ بها من قبلُ ومن بعدُ عروضَ العثمانيّينَ والطليانِ والألمانِ والعرابيّينَ جميعاً، مؤثِراً أن يبقى بمنأًى عن نزاعاتِ الدولِ ليتفرّغَ لدعوتِه؛ يُضافُ إلى ذلك أنّ السنوسيّةَ لم تكن تُقِرُّ بمهديّةِ محمد أحمدَ أصلاً، فما كان لمن لا يُصدّقُ الدعوى أن يرضى بأن يكونَ رابعَ أركانِها. ومع ذلك لم يستبدِلْ به المهديُّ سودانيّاً، بل، تركَ المقعدَ فارغاً باسمِ صاحبِه الغائبِ، لأنّ مَلأَه بأحدِ أبناءِ البلدِ كان سيُحيلُ الرايةَ الجامعةَ رايةً قُطريّةً محلية غير عالمية، ويُقزِّمُ الطموحَ العالميَّ إلى حجمِ الإقليمِ؛ فآثرَ أن يُبقيَ البابَ مفتوحاً على أملٍ لم يُثمِرْ، فبقيَتِ الصفراءُ لواءً بلا حاملٍ، وخلافةً بلا خليفةٍ.
الدعوةُ والدولةُ، ما تُفشيه المنشوراتُ ممّا تُخفيه الروايةُ
تكشفُ الآثارُ عن فكرةِ الثورةِ في صورتِها كما أرادَ المهديُّ أن يراها الناسُ، لا كما فسّرَها المؤرّخونَ بعدَ قرنٍ. فهي في خطابِه تجديدٌ للدينِ وإحياءٌ للسنّةِ ومحقٌ للبدعةِ، دعوةٌ إلى الهجرةِ من دارِ الكفرِ إلى معسكرِ الإيمانِ، وجهادٌ لإزالةِ حكمِ «الأتراكِ» الذين أثقلوا الرعيّةَ بالضرائبِ، وأفسدوا الدينَ بالمعاصي، وأذلّوا المسلمينَ بولايةِ النصارى عليهم [7]. ومن يقرأِ المنشوراتِ يجدْ أنّ الشحنةَ الدينيّةَ فيها أغلبُ من الشحنةِ السياسيّةِ صراحةً، وإن كانَتِ السياسةُ قابعةً تحتَ كلِّ سطرٍ منها.
أمّا سياستُه الخارجيّةُ فتُقرأُ في مكاتباتِه لمن حولَه ومن فوقَه، وهي وثائقُ طريفةٌ في بابِها. فقد كاتبَ السلطانَ العثمانيَّ، والخديويَّ في مصرَ، وملوكَ الحبشةِ، وقوّادَ الاحتلالِ ومنهم غوردون نفسُه، يدعوهم جميعاً إلى الدخولِ في طاعةِ «مهديِّ الله» على منوالٍ واحدٍ، دعوةٌ في ثوبِ إنذارٍ، غزيرةٌ في الآياتِ القرآنية والنبوءاتِ، شحيحةٌ في فقهِ الدولِ والموازين. وتلك المكاتباتُ، على بساطةِ منطقِها الدبلوماسيِّ، أصدقُ ما يدلُّ على أنّ المهديَّ لم يكن يرى نفسَه زعيمَ إقليمٍ يفاوضُ الأندادَ، بل، إمامَ آخرِ الزمانِ يستتيبُ الملوكَ.
وفي الداخلِ تكشفُ الوثائقُ عن دولةٍ تُبنى وهي تُقاتِلُ، أركانُها البيعةُ التي تجعلُ لكلِّ فردٍ عهداً في عنقِه، والهجرةُ التي تنقلُ الأنصارَ إلى معسكرِ الإمامِ وتحتَ عينِه، وبيتُ المالِ الذي يجمعُ الغنائمَ والزكواتِ ويعيدُ توزيعَها، والقضاءُ الذي أقامَه على الكتابِ والسنّةِ وحدَهما بعدَ أن دعا إلى تركِ التقليدِ المذهبيِّ والرجوعِ إلى النصِّ رأساً. فألغى العمل بالمذاهب الأربعة، الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، وحرّم التمذهب وهي سياساتٌ تظهرُ في المنشوراتِ آمرةً حاسمةً، لكنَّ الوثيقةَ لا تُخبرُنا كيف استُقبِلَتْ في القُرى، وهنا يقفُ نفعُ الأرشيفِ عندَ حدِّه وهذا هو المحك. فكيفية تقبل الأمة السودانية لفكرة المهدي النظرية وأركانها وتطبيقها على أرض الواقع، في مراحلها المتعددة، من دعوة إلى ثورة إلى تأسيس دولة هو لب دراستنا لهذه الحركة في سلسلتنا رغم شح المصادر التي تناولت تفاصيل الموضوع.
وتعاملُ المهديِّ مع قوّادِه ورعيّتِه يُستشَفُّ من نبراتِ رسائلِه، فهو مع خلفائِه الأربعةِ، بما فيهم السنوسي المطنش وعامل رايح، وأمرائِه بين ترغيبٍ وترهيبٍ، يُثني على الطائعِ ويُغلِظُ للمتردِّدِ، ويَعِدُ بالجنّةِ من صدَقَ في الجهادِ، ويتوعّدُ بالنارِ من تخلّفَ عنه. والذي حقّقَه أبو سليم هنا عظيمٌ في بابِه، فقد أتاحَ لنا أن نسمعَ هذه النبراتِ من فمِ صاحبِها لا من وصفِ خصمِه، لكنَّه محدودٌ بطبيعتِه، لأنّ ما نجا من الوثائقِ يمثّلُ صوتَ المركزِ الآمرِ لا صوتَ الأطرافِ المأمورةِ، فبقيَ نصفُ الحوارِ مسموعاً ونصفُه صامتاً.
مجلسٌ يُستشارُ أم إذنٌ يُنتظَر؟
يُغري السؤالُ بجوابٍ حادٍّ، إمّا شورى وإمّا انفرادٌ بالرأي، والوثائقُ لا تُسعِفُ هذا الحدَّ. فقد كانَ للمهديِّ خلفاؤُه الأربعةُ ومجالسُ أمرائِه يستشيرُهم في التدبيرِ والحربِ، وتشهدُ مكاتباتُه بأنّه كانَ يُوردُ ويُصدِرُ ويأخذُ الرأيَ في الفروعِ وليس الأصول للمداولة قبل ان يحسم امره. لكنَّ هذه الشورى كانت تدورُ كلُّها داخلَ دائرةٍ مقدَّسةٍ سقفُها أنّ الإمامَ مؤيَّدٌ بالإلهامِ، يجتمعُ بالنبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم يقظةً لا مناماً، فما صدرَ عنه في أصلِ الدعوةِ فوقَ المشورةِ لا يُرَدُّ.
فالجوابُ الأمينُ أنّ المهديَّ لم يكن منفرداً بالرأيِ لهوى نفسِه كما يفعلُ طاغيةُ الدنيا، ولا صاحبَ شورى ملزِمةٍ بالمعنى الفقهيِّ الذي يُقيِّدُ الحاكمَ برأيِ أهلِ الحلِّ والعقدِ، بل، كانت سلطتُه سلطةً كاريزميّةً نبويّةَ الطابعِ، يُستشارُ فيها فيما دونَ العقيدةِ والدعوةِ، ويُطاعُ فيهما بلا مراجعةٍ. وهذا التمييزُ نفسُه لا نبلغُه إلّا لأنّ أبا سليم أتاحَ لنا نصوصَ الرجلِ التي يُعلنُ فيها مصدرَ سلطتِه بلسانِه، فالوثيقةُ هي التي تحسمُ ما عجزَتْ عنه المناظرةُ.
هل كان أبو سليم مهدويّاً، حين يُحقِّقُ لا حين يُفتي
من حقِّ القارئِ أن يسألَ عن موقفِ المحقِّقِ من الثورةِ التي أفنى عمرَه في وثائقِها، أمؤيّدٌ هو أم ناقدٌ؟ والجوابُ أنّ أبا سليم في التحقيقِ نفسِه يكادُ يكونُ غائباً، عامداً إلى ألّا يُقحِمَ رأيَه بين النصِّ وقارئِه، وهذا في ذاتِه موقفٌ، إذ يرفضُ أن يُعيدَ إنتاجَ صورةِ المهديّةِ لا في ثوبِ القِدّيسِ الذي رسمَه المريدون، ولا في ثوبِ المجنونِ الذي رسمَه الأسرى.
على أنّ للرجلِ رأياً كتَمَه في التحقيقِ وباحَ به في التأليفِ، جمعَ خلاصتَه في كتابِه الأخيرِ «الخصومةُ في مهديّةِ السودانِ» الذي وضعَه بين مؤيّدي المهديّةِ ومعارضيها، فوقفَ منها موقفَ المؤرّخِ المنصفِ لا الداعيةِ ولا الخصمِ؛ يُقرُّ لها بأنّها فعلٌ سودانيٌّ أصيلٌ ردَّ للبلادِ كرامتَها من نيرِ الحكمِ التركيِّ، ويأخذُ عليها ما أخذَ التاريخُ عليها من إسرافٍ في الدمِ، واحتكارٍ للحقيقةِ، وتكفيرٍ للمخالفِ. وهو موقفٌ يُشبِهُ الرجلَ، فمن أفنى حياتَه في خدمةِ نصٍّ لا يليقُ به أن يكذبَ عليه، لا مدحاً ولا قدحاً.
نقدُ السبعةِ، ما لها وما عليها
لهذه المجلَّداتِ فضلٌ لا يُنكَرُ، فهي حجرُ الأساسِ الذي لا يقومُ بدونَه بناءُ أيِّ دراسةٍ جادّةٍ عن المهديّةِ، وكلُّ من كتبَ في الموضوعِ بعدَها عيالٌ عليها، عربيّاً كان أم أجنبيّاً [8]. وقد صارَتِ المهديّةُ بفضلِها فصلاً موثَّقاً في التواريخِ العامّةِ للسودانِ الحديثِ [9]، وفي المعاجمِ الترجميّةِ التي أرّخَتْ لرجالِها [10]. ودقّتُها في ضبطِ النصِّ وتأريخِه ونسبتِه عاليةٌ بمقاييسِ التحقيقِ، وقد جمعَتْ شتاتَ مادّةٍ كادتْ تضيعُ بين حرائقِ الحربِ ورطوبةِ المطاميرِ وتحفُّظِ الأُسَرِ.
لكنَّ الإنصافَ يقتضي بيانَ حدودِها، وهي حدودُ الجنسِ الذي تنتمي إليه لا عيوبٌ في صاحبِها. فالأرشيفُ الرسميُّ يحكي الدولةَ كما تحبُّ أن تُرى، صوتُ المركزِ فيه أعلى من صوتِ الأطرافِ، وصوتُ الرجالِ أعلى من صوتِ النساءِ، وصوتُ المنتصرِ أعلى من صوتِ المسحوقِ؛ فلا تكادُ تسمعُ في هذه المجلَّداتِ همسةً من رقيقٍ أو أسيرٍ أو قبيلةٍ سُحِقَتْ. والمنشورُ خطابٌ إنشائيٌّ يؤدّي وظيفةً، لا محضرٌ محايدٌ لواقعٍ، فمن أخذَه على أنّه سجلٌّ لما جرى لا لما أرادَ صاحبُه أن يجريَ، ضلَّ عن مقصدِه. يُضافُ إلى ذلك أنّ ما نجا من الوثائقِ هو ما شاءتْ له المصادفةُ أن ينجوَ، فالصورةُ مهما اكتملَتْ تبقى صورةَ ما بقيَ، لا صورةَ ما كان.
ما لم يُذكَرْ، وما يستحقُّ أن يُقال
يبقى في المسألةِ طرائفُ واستنتاجاتٌ يحسُنُ التنبيهُ إليها. أوّلُها مفارقةٌ كبرى، أنّ حركةً ارتابَتْ في علمِ الكتبِ وبطونِها، ودعَتْ إلى تركِ التقليدِ والرجوعِ إلى النصِّ الأوّلِ، هي نفسُها التي خلَّفَتْ واحداً من أغنى الأرشيفاتِ المكتوبةِ في تاريخِ أفريقيا الحديثِ. فالدولةُ التي صوَّرَها خصومُها بدائيّةً هوجاءَ كانت في حقيقتِها دولةَ ورقٍ ودواوينَ وسجلّاتٍ، تُدارُ بالمكاتبةِ لا بالصياحِ وحدَه، وهذا وحدَه كافٍ لنقضِ نصفِ ما كُتِبَ عنها.
وثانيها أنّ أبا سليم يكادُ يكونُ «المؤسِّسَ الثانيَ» للمهديّةِ في الذاكرةِ لا في الميدانِ؛ فلولا صنيعُه لبقيَتِ الثورةُ معروفةً بشهادةِ أعدائِها وحدَهم، ولظلَّ سلاطين وأوروالدر ووِنجت هم رواةَ السودانيِّ عن نفسِه. لقد أعادَ الرجلُ الحكايةَ إلى أهلِها، من غيرِ أن يُزوِّرَها لصالحِهم، وذلك أصعبُ من المديحِ ومن الهجاءِ معاً.
وثالثُها أنّ رحلةَ هذه الوثائقِ من ديوانِ المهديِّ في أمّ درمانَ إلى خزائنِ المخابراتِ في القاهرةَ ولندنَ، ثمّ عودةَ صورتِها إلى الخرطومِ على يدِ أبي سليم، هي في ذاتِها استعارةٌ لتاريخِ السودانِ الحديثِ كلِّه، بلادٌ صُودِرَ أرشيفُها كما صُودِرَ قرارُها، ثمّ جاهدَ أبناؤُها ليستردّوا الورقَ بعدَ أن استردّوا الأرضَ.
ورابعُها تنبيهٌ للباحثِ المتعجِّلِ، أنّ منشوراتِ المهديِّ أغلبُها إنشاءٌ دينيٌّ إلهاميٌّ بضميرِ صاحبِ الدعوةِ، تختلفُ في نبرتِها عن محرَّراتِ الخليفةِ عبد اللهِ من بعدِه التي غلبَ عليها الطابعُ الإداريُّ الدولانيُّ. فمن قرأَ الطائفتَينِ متتاليتَينِ رأى بعينِه كيف تتحوّلُ الدعوةُ إلى دولةٍ، وكيف يهبطُ الخطابُ من سماءِ النبوءةِ إلى أرضِ الدواوينِ، وذلك درسٌ في اجتماعِ السياسةِ لا تُوفِّيه المناظراتُ حقَّه.
خلاصةُ القولِ أنّ «الآثارَ الكاملةَ للإمام المهدي» ليست كتاباً يُقرَأُ فيُستمتَعُ به، بل، منجمٌ يُنقَبُ فيه فيُستخرَجُ منه تاريخٌ. وفضلُ أبي سليم أنّه لم يُعطِنا رأيَه في الثورةِ جاهزاً، بل، أعطانا موادَّها لنُكوِّنَ رأيَنا، وتلك أمانةُ المحقِّقِ التي قلَّ من يحمِلُها بحقِّها. وإذا كان المنتصرونَ قد كتبوا المهديّةَ أوّلَ مرّةٍ بمدادِ خصومِها، فإنّ أبا سليم أعادَ كتابتَها بمدادِها هي، فاستحقَّ أن يُقالَ فيه ما قيلَ، إنّه لم يكن مِلكاً لأهلِه وحدَهم، بل، مِلكاً للسودانِ كلِّه، ولتاريخِه.
المراجع
[1] محمد أحمد المهدي، الآثار الكاملة للإمام المهدي، جمع وتحقيق محمد إبراهيم أبو سليم، سبعة مجلدات، الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر.
https://www.nli.org.il/ar/books/NNL_ALEPH990043790790205171/NLI
[2] «ذكرى ميلاد: محمد إبراهيم أبو سليم.. في تأريخ السودان»، العربي الجديد، 2021.
https://www.alaraby.co.uk/culture/ذكرى-ميلاد-محمد-إبراهيم-أبو-سليم-في-تأريخ-السودان
[3] نعوم شقير، جغرافية وتاريخ السودان، تحقيق محمد إبراهيم أبو سليم، بيروت: دار الجيل، 1981.
[4] محمد إبراهيم أبو سليم، الحركة الفكرية في المهدية، الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر.
[5] إسماعيل عبد القادر الكردفاني، سعادة المهتدي بسيرة الإمام المهدي، تحقيق محمد إبراهيم أبو سليم، الطبعة الأولى، بيروت، 1972.
[6] Haim Shaked, The Life of the Sudanese Mahdi, New Brunswick, NJ: Transaction Books, 1978.
[7] «محمد أحمد المهدي.. والثورة في السودان»، بوابة الحركات الإسلامية.
https://www.islamist-movements.com/29003
[8] P. M. Holt, The Mahdist State in the Sudan, 1881–1898: A Study of its Origins, Development and Overthrow, 2nd ed., Oxford: Clarendon Press, 1970.
[9] P. M. Holt & M. W. Daly, A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day, 5th ed., Harlow: Longman, 2000.
[10] Richard Hill, A Biographical Dictionary of the Sudan, 2nd ed., London: Frank Cass, 1967

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
إغفاءة وزراء القطاع الاقتصادي وإنبطاحة البرهان الأمريكية..!
منبر الرأي
ما بعد الصدمة… ماذا أعدّت واشنطن للبرهان؟ وهل حانت لحظة تغيير النظام؟!
منبر الرأي
الأكتئاب النفسي: الأعراض .. الأسباب .. العلاج .. بقلم: ندى حليم
منبر الرأي
القونات ، احدى تجليات سيادة ثقافة الطفيليين .. بقلم: عبدالغفار سعيد
منبر الرأي
الإعلام بين الانحياز السياسي والقضية الوطنية .. بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

ضحايا حوادث السير فى طرق (الانقاذ) .. بقلم: عصام جزولي

طارق الجزولي
منبر الرأي

أجي.. حتى أنت يا ندى! .. بقلم: مجدي الجزولي

د. مجدي الجزولي
منبر الرأي

السيد الخطيب: أغلق هذه الصحيفة .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
منبر الرأي

أعواد كبريت .. في ظلام حكومة الاخوان المسلمين .. بقلم: بثينة تروّس

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss