باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 22 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

الأجانب الذين كتبوا تاريخ المهدية من خندق خصومها

اخر تحديث: 30 سبتمبر, 2026 11:09 صباحًا
شارك

الأجانب الذين كتبوا تاريخ المهدية من خندق خصومها
أدب الأَسر ومطبخ الاستخبارات ويوميات غردون ومراسلو الحرب، ودور ونجت وموقع بيتر هولت

د. الرشيد خليفة
حين يكتب الخصم سيرة خصمه
يقال إن التاريخ يكتبه المنتصرون، وهي عبارة صحيحة في جملتها، لكن المهدية في السودان تستحق عليها تعديلاً صغيراً: فتاريخها الذي قرأه العالم أولاً لم يكتبه المنتصرون وحدهم، بل، كتبه قبلهم أسراها الذين فرّوا من أم درمان، وضباط استخبارات جلسوا في القاهرة يستجوبون الهاربين والتجار والجواسيس، وجنرال محاصر كتب يومياته وهو ينتظر نجدة لم تصل، ثم مراسلو صحف ركبوا القطار العسكري مع كتشنر ليشهدوا «الاسترداد» ويبيعوه للقارئ في لندن طازجاً. وفوق هذا كله كان ثمة رجل واحد يقف خلف أكثر هذه الأقلام، يترجم هذا الكتاب ويحرر ذاك، ويدبر هروب مؤلف ثالث على ظهر جمل عبر الصحراء، ثم يكتب هو نفسه الكتاب الأم الذي تنقل عنه البقية. ذلك الرجل هو فرانسيس ريجنالد ونجت، وسنلقاه في كل محور من محاور هذا المقال تقريباً، كما يلقى المصلي الإمام في كل صلاة.
والمقصود بـ«أعداء المهدية» هنا ليس شتيمة ولا حكماً أخلاقياً مسبقاً، وإنما توصيف لموقع الكاتب: أجانب، أوروبيون في الغالب ومعهم مشرقيان، كتبوا عن الحركة المهدية ودولتها من موقع الخصومة المعلنة، إما لأنهم ذاقوا أسرها، أو لأنهم خدموا الجهاز الذي أعدّ لإسقاطها، أو لأنهم شهدوا حصار الخرطوم من داخل أسوارها وحكموا مصر من ورائها، أو لأنهم رافقوا الجيش الذي أنهاها في كرري. ولذلك قسمنا هؤلاء إلى أربعة محاور: أدب الأسر، ومطبخ الاستخبارات، وغردون ومن كتب حول أسطورته، ومراسلو الحرب وجنود الاسترداد. ثم نقف عند بيتر هولت لنسأل: هل هو واحد منهم أم خصم لروايتهم؟ ونختم بميزان عام لما يؤخذ من هذه المكتبة وما يرد. ويخرج من هذا الحصر من خاصم المهدية من السودانيين أنفسهم، فأولئك أبناء البيت وإن اختلفوا مع أهله، ولهم مقام آخر.
ونجت، المايسترو الذي لا يظهر على المسرح
ولد فرانسيس ريجنالد ونجت (Francis Reginald Wingate) عام 1861، والتحق ضابطاً بالمدفعية البريطانية، ثم انتقل عام 1883 إلى الجيش المصري الذي أعاد البريطانيون تنظيمه بعد احتلالهم مصر. وكان معروفاً بين أقرانه بموهبته اللغوية يجيد اللغة الألمانية ويتقن العربية إتقاناً نادراً، وهي ميزة وضعته في موقع مثالي حين تحول السودان، بعد سقوط الخرطوم عام 1885، إلى صندوق مغلق لا يعرف الإنجليز ما يجري فيه إلا من أفواه الهاربين والتجار. فتولى ونجت إدارة المخابرات الحربية في الجيش المصري أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، وبنى شبكة من العيون والرسل تمتد من وادي حلفا وسواكن إلى أسواق أم درمان نفسها [1].
وسيرة الرجل العملية سلسلة من المواقع التي لا تبتعد عن السودان إلا لتعود إليه. فقد ولد في الخامس والعشرين من يونيو 1861 في بورت قلاسكو باسكتلندا، وتخرج في الأكاديمية العسكرية الملكية في وولويتش، وعُيّن ضابطاً في المدفعية الملكية عام 1880، فخدم في الهند وعدن، ثم التحق بالجيش المصري عام 1883 ياوراً للسردار إيفلين وود. وشارك في حملة النيل لإنقاذ غردون بين 1884 و1885، فرأى النجدة تصل متأخرة يومين، وكأن الدرس الذي خرج به أن من لا يعرف ما يجري في الخرطوم يصل إليها بعد فوات الأوان. ثم صعد في قسم المخابرات المصرية حتى صار مديره، وحضر معركة توشكي في أغسطس 1889 التي أوقفت زحف ود النجومي نحو مصر، ورافق عام 1897 البعثة البريطانية إلى الإمبراطور منليك في الحبشة، ثم كان رئيس استخبارات كتشنر في حملة الاسترداد كلها، من دنقلا عام 1896 إلى عطبرة وكرري عام 1898، ورافقه إلى فشودة في مواجهته الشهيرة مع الفرنسيين، ثم قاد بنفسه القوة التي أنهت الخليفة في أم دبيكرات في نوفمبر 1899 واستلم من كتشنر مباشرة، بعد شهر واحد من انتصاره في ام دبيكرات، في ديسمبر 1899 وأصبح حاكم عام السودان. وبعد أن طوى صفحته الرسمية عاش متقاعداً حتى توفي في دنبار باسكتلندا في التاسع والعشرين من يناير 1953، عن واحد وتسعين عاماً، فعاش بعد الخليفة الذي كتب عنه أكثر من نصف قرن [2].

وتتلخص أدوار ونجت في هذه المكتبة في خمسة: فهو مؤلف الكتاب المرجعي الأول «المهدية والسودان المصري» (Mahdiism and the Egyptian Sudan) الصادر عام 1891 [1]، وهو مترجم كتاب الأب أُروالدر ومحرره عام 1892، ثم كتاب سلاطين عام 1896، وهو المدبر الفعلي لهروب هذين الرجلين من أم درمان عبر عملائه، ثم هو الراعي الذي احتضن نعوم شقير في قسم المخابرات حتى أخرج كتابه عام 1903، وهو أخيراً الرجل الذي صار سرداراً للجيش المصري وحاكماً عاماً للسودان من 1899 إلى 1916، فأمسك بالتاريخ من طرفيه: كتب عن الخليفة عبد الله، ثم كانت قواته هي التي أنهت حياته في أم دبيكرات في نوفمبر 1899. ومن النادر في تاريخ الكتابة أن يتولى المؤلف بنفسه كتابة الفصل الأخير في حياة بطله، لا بالحبر، بل، بالرصاص. ولهذا الكتاب الأول حياة ثانية لم يحسب لها مؤلفه حساباً، فقد أعيد نشره بالإنجليزية في طبعة ثانية عام 1968 بتقديم بيتر هولت، الذي سيأتي ذكره، ثم نقله إلى العربية محمد المصطفى حسن فصدر في الخرطوم عام 2009 [2]، فصار الكتاب الذي وُضع لتسويغ «الاسترداد» وتسويقه يُقرأ في عاصمة المهدية نفسها، بلغة أهلها، وبتقديم المؤرخ الذي أعاده إلى حجمه الطبيعي.
ولم يكن ونجت أول من جلس على هذا الكرسي، فقد سبقه إليه كتشنر نفسه. فحين وُقّعت اتفاقية الحكم الثنائي بين بريطانيا ومصر في التاسع عشر من يناير 1899، نصت على أن تُسند القيادة العسكرية والمدنية العليا في السودان إلى موظف واحد يحمل لقب «الحاكم العام»، يعيّنه خديوي مصر بمرسوم بناء على ترشيح الحكومة البريطانية، ولا يُعزل إلا بمرسوم خديوي وبموافقة تلك الحكومة. فكانت الصيغة في ظاهرها مصرية وفي باطنها بريطانية خالصة: القاهرة توقّع، ولندن تختار. وجرى العرف منذ البداية على أن يجمع الحاكم العام بين منصبه ومنصب «السردار»، أي القائد العام للجيش المصري. واللفظ فارسي الأصل لا تركي، مركب من «سر» بمعنى الرأس و«دار» بمعنى الماسك، أي صاحب الرأس والقيادة، أخذه العثمانيون بصيغة (serdar) لقائد الجيش في الحملة، ثم احتفظ به البريطانيون حين أعادوا تنظيم الجيش المصري بعد 1882، لأن ذلك الجيش ظل رسمياً جيش ولاية عثمانية برتبها وألقابها من باشا وبك. وتوالى على اللقب قبل ونجت إيفلين وود ثم فرانسيس غرينفل ثم كتشنر، فصار الرجل الواحد، بقلم الاتفاقية وحكم العرف، قائداً لجيش مصر وحاكماً للسودان في آن.
وتولى كتشنر المنصبين معاً، غير أن حكمه للسودان لم يدم إلا أحد عشر شهراً تقريباً، فقد اشتعلت حرب البوير في جنوب أفريقيا، وتلقى الجيش البريطاني في ديسمبر 1899 سلسلة هزائم عُرفت بـ«الأسبوع الأسود»، فأرسلت لندن اللورد روبرتس قائداً عاماً وكتشنر رئيساً لأركانه. وكان ونجت قد قاد قبل ذلك بأسابيع القوة التي أنهت الخليفة في أم دبيكرات، فجاءته الخلافة في ديسمبر 1899 كأنها جائزة الختام، وبقي سرداراً وحاكماً عاماً حتى 1916، ثم انتقل إلى القاهرة مندوباً سامياً لبريطانيا في مصر من 1917 إلى 1919، وفي عهده اندلعت ثورة 1919 التي طوت صفحته الرسمية، بعد أن انتقل المنصبان في الخرطوم إلى خلفه لي ستاك. أما كتشنر فمضى في صعود لا يعرف التوقف: قائداً عاماً في جنوب أفريقيا حتى نهاية الحرب عام 1902، ثم قائداً عاماً للجيش في الهند حتى 1909، ثم مشيراً، ثم عاد إلى القاهرة معتمداً بريطانياً وقنصلاً عاماً من 1911 إلى 1914، في الكرسي الذي شغله كرومر من قبل، ثم وزيراً للحربية مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، حتى غرق في يونيو 1916 حين اصطدم الطراد «همبشاير» بلغم قرب جزر أوركني وهو في طريقه إلى روسيا. ومن مفارقات التاريخ أن العام الذي ابتلع فيه البحر فاتح أم درمان هو نفسه العام الذي غادر فيه ونجت الخرطوم، كأن القدر أراد أن يغلق فصل الرجلين في موسم واحد.
درسَ وسردَ مارتن دالي (M. W. Daly)، في سيرته الشاملة لونجت «السردار» (The Sirdar)، دور ونجت الدعائي في كتابي أُروالدر وسلاطين وغيرهم بتفصيل، وبيّن أن الغاية لم تكن المعرفة المجردة، بل، إبقاء قضية السودان حية في الرأي العام البريطاني في سنوات كانت فيها حكومة لندن زاهدة في المغامرة، وتهيئة ذلك الرأي لقبول حملة «الاسترداد» حين تحين ساعتها [2]. فالكتب التي أشرف عليها ونجت كانت، بمعنى من المعاني، تقارير استخباراتية لبست ثوب المذكرات الشخصية، وخُطب تعبئة تنّكرت في هيئة شهادات أسرى. ولم يكن ونجت يكذب دائماً، لكنه كان يعرف بدقة متى يتكلم ومتى يصمت، وماذا يضع في الصفحة الأولى وماذا يدفن في الهامش.
المحور الأول، أدب الأسر أو حين يصير الهروب منهجاً
أول ما قرأته أوروبا عن داخل الدولة المهدية جاءها من أسرى، وأسرى أوروبيين تحديداً، وهي حقيقة تكفي وحدها لتلوين المشهد كله. فالأسير لا يكتب عن سجانه كما يكتب الرحالة عن مضيفه، والأسير الهارب بمساعدة جهاز استخبارات معادٍ لا يكتب كما يكتب الأسير المُطلق سراحه بكرم. ومع ذلك فهذه الكتب، على عللها، هي أغنى ما لدينا من الوصف العيني لحياة أم درمان اليومية في عهد الخليفة.
ولا يُفهم أول هؤلاء الأسرى وأشهرهم قبل أن نعرف البيت الذي خرج منه، أي بعثة فيرونا، وفيرونا (Verona) مدينة في شمال إيطاليا، في إقليم فينيتو، يحمل اسمها الإنجليزي والإيطالي الرسم نفسه، وهي التي أعطت البعثة اسمها لأن رجالها ونساءها تخرجوا في معاهدها. وقد سبقت البعثة المهدي إلى السودان، ففي عام 1846 أنشأ البابا غريغوريوس السادس عشر «النيابة الرسولية لأفريقيا الوسطى»، وهي أبرشية على الورق تمتد من أسوان إلى ما لا يعرفه أحد. ووصل روادها الخرطوم عام 1848 بقيادة السلوفيني إغناتسيوس كنوبليشر (Ignaz Knoblecher)، تحت حماية الإمبراطورية النمساوية التي رأت في الصليب رفيقاً حسناً لقنصليتها في الخرطوم، ثم دفعوا جنوباً مع النيل فأقاموا محطة غندكورو بين الباري، ومحطة «الصليب المقدس» بين الدينكا [3]. ولحق بهم منذ عام 1853 شباب من معهد الأب نيكولا ماتسا (Nicola Mazza) في فيرونا. غير أن الحمى كانت أسرع من التبشير، فحصدت المبشرين حصداً وقلّ من اعتنق، حتى أُخليت محطات الجنوب في مطلع الستينيات، وتحول المشروع إلى مقبرة إيطالية على ضفاف النيل.
ومن بين أولئك الشباب واحد نجا ليعود: دانييلي كمبوني (Daniele Comboni)، المولود عام 1831 في ليموني على بحيرة غاردا، والمتخرج في معهد ماتسا، الذي رُسم كاهناً عام 1854 ونزل محطة الصليب المقدس عام 1857في بلاد الدينكا، ثم أعادته الحمى إلى إيطاليا ومعه فكرة صارت شعاره: «إنقاذ أفريقيا بأفريقيا»، أي أن يُعلَّم الأفارقة ليبشّروا الأفارقة، وقد صاغها عام 1864 في «خطة لإحياء أفريقيا». ثم أسس في فيرونا عام 1867 معهداً للإرساليات صار لاحقاً جمعية «مرسلي كمبوني»، وأسس عام 1872 جمعية «الأمهات الورعات لنيغريزيا» (Pie Madri della Nigrizia)، وهن الراهبات اللواتي سيعرفُهن سوق أم درمان بعد عقد خياطات وصانعات طواقي، وفَتَحَ في القاهرة معاهد يتأقلم فيها المبشرون ويتعلمون العربية قبل الرحلة [4].
وفي عام 1872 عهدت روما بالنيابة كلها إلى معهده، فصارت «بعثة فيرونا» بالمعنى الذي نعرفه. وعاد كمبوني إلى السودان عام 1873 مقيماً لا زائراً، وقام في حياته بثماني رحلات إلى أفريقيا، وسيم أسقفاً ونائباً رسولياً عام 1877. وتوزعت البعثة في عهده على الخرطوم، مقرها الرئيس وفيها مدرستان للبنين والبنات، والأبيض بمحطتها ومدرستها، وملبس، القرية التي أقامها قرب الأبيض للرقيق المحررين، ثم «دلن» في جبال النوبة. ودلن ليست بلدة أخرى، بل، هي الدلنج المعروفة نفسها، كتب المبشرون اسمها بالرسم الذي سمعوه (Delen)، وهي المحطة التي خرج منها أُروالدر وراهباته إلى الأسر [5]. ولم تكن البعثة كبيرة، بل، بضع عشرات من الكهنة والإخوة والراهبات، يزيدون بقدوم قافلة وينقصون بحُمى، لكن نفوذها كان أكبر من عددها، لأن كمبوني جعل محاربة تجارة الرقيق عنوانه، وتعاون في ذلك مع غردون حين كان حاكماً عاماً، فصار الصليب والإدارة التركية في عين الجلابة وتجار الرقيق حلفاً واحداً، وهو من الأسباب التي جعلت البعثة هدفاً طبيعياً حين قامت الثورة.
ومات كمبوني في الخرطوم في العاشر من أكتوبر 1881، بعد أربعة أشهر فقط من إعلان محمد أحمد مهديته، فلم يرَ انهيار ما بناه: سقطت الأبيض والدلنج، وأُسر رجاله ونساؤه، وأُجلي من بقي في الخرطوم إلى القاهرة. ثم عاد أتباعه مع جيش كتشنر بعد عام 1898، وأما «مدارس كمبوني» المعروفة في السودان، ومنها كلية كمبوني بالخرطوم، فقد أسسها خلفاؤه في القرن العشرين وحملت اسمه، ولم يؤسسها هو بنفسه. وقد أعلنته الكنيسة قديساً عام 2003، فصار الرجل الذي قتلته الحمى في مدينة ستصير عما قليل عاصمة للمهدية قديس أفريقيا الرسمي. ومن هذا البيت خرج أُروالدر.

جوزف أُُروالدر (Joseph Ohrwalder)، قس نمساوي من امبراطورية آل هابسبورغ النمساوية، من إقليم التيرول في الجزء الإيطالي الآن الذي يتحدث معظم أهله الألمانية. ولد عام 1856، وانضم إلى بعثة فيرونا الكاثوليكية الإيطالية في وسط أفريقيا، وكان يعمل في محطتها بالدلنج في جبال النوبة حين اجتاحتها قوات المهدية عام 1882، فأُخذ أسيراً مع عدد من الراهبات إلى معسكر المهدي عند الأبيض. وقضى عشر سنوات بين الأبيض وأم درمان، حتى دبر له عملاء ونجت الهرب أواخر عام 1891 ومعه راهبتان وفتاة، فبلغوا الحدود المصرية بعد رحلة صحراوية شاقة.
وكتابه بالإنجليزية «عشر سنوات في أسر معسكر المهدي 1882–1892» (Ten Years’ Captivity in the Mahdi’s Camp 1882–1892)، صدر في لندن عام 1892 بترجمة ونجت وتحريره [3]، وكان قد صدر بالألمانية في العام نفسه بعنوان أطول يبدأ بـ«ثورة المهدي ودولته في السودان» (Aufstand und Reich des Mahdi im Sudan). ويروي الكتاب سقوط محطة الدلنج، ومسيرة الأسرى إلى الأبيض، ويصف المهدي في سنواته الأولى زاهداً مهيباً يخاطب أتباعه بلغة الإصلاح والآخرة، ثم يتتبع ما يراه تحولاً في سيرته بعد الانتصارات، ويصف سقوط الأبيض عام 1883، وأصداء إبادة حملة هكس في شيكان في نوفمبر من العام نفسه، ثم حصار الخرطوم وسقوطها، ووفاة المهدي في يونيو 1885. وينتقل بعد ذلك إلى عهد الخليفة عبد الله فيرسمه حاكماً مستبداً يقرّب قبيلته التعايشة ويستنزف أهل البحر، ويصف مجاعة سنة ستة عام 1889 وصفاً مروعاً، ومعارك الحبشة وتوشكي، وأحوال الأسرى الأوروبيين الذين عاشوا على الحياكة والتجارة الصغيرة، ولجوء بعض الراهبات إلى زيجات صورية مع أسرى يونانيين طلباً للحماية.
ولا ينبغي أن يُفهم من «الأسر» هنا السجن بمعناه المألوف، فأكثر هؤلاء الأوروبيين لم يعرفوا الزنازين إلا عقوبة أو عند الشك، كما جرى لسلاطين حين قُيّد بالحديد شهوراً بعد سقوط الخرطوم، ولنيوفلد بالسنوات مكبلاََ في سجن الساير. فقد أُلزموا بإعلان الإسلام ظاهراً، فصاروا يُعرفون في أم درمان بـ«المسالمة»، أي حديثي الإسلام، وسكن كثير منهم حياً خاصاً بهم، يتحركون في المدينة ويحضرون الصلوات الإسلامية، تحت رقابة لا تغفل، مع منع مطلق عن مغادرة المدينة. ولم تكن الدولة تتكفل بإعاشتهم، فدبّر كل منهم رزقه بيده: نسج أُروالدر القماش، وخاطت الراهبات وصنعن الطواقي وبعنها في السوق، واشتغل اليونانيون في التجارة الصغيرة والحرف، واستُخدم أصحاب الخبرة في ورش السلاح والبارود. فهو أسر مدينة لا أسر زنزانة، وسجن بلا جدران جدرانه وحُرّاسه بدون أي تكلفة هي الصحراء.
أما الزيجات الصورية فسببها أن نظام المهدية لم يكن يعرف امرأة بلا ولي. فالنساء اللاتي وقعن في الأسر عند فتح المدن كن يُعددن غنائم تُقسم على الأنصار زوجات أو إماءً، والمرأة التي لا زوج لها ولا قريب يقوم عليها تبقى في نظر السلطة غنيمة لم توزع بعد. ولم يكن لنذر الرهبنة، أي تكريس المرأة نفسها للكنيسة بلا زواج، أي اعتبار في هذا النظام، بل، كان في أعين الناس حالاً غريباََ لا يستقيم مع الشرع. فكانت الراهبة العزباء مهددة في كل يوم بأن يطلبها أمير لنفسه، أو يأمر الخليفة بتزويجها لأحد رجاله. فلجأ بعضهن إلى حيلة معلومة لأصحابها مستورة عن السلطة: عقد نكاح على الطريقة الإسلامية مع أسير يوناني من «المسالمة»، مسيحي في باطنه مثلهن، فيصير للراهبة زوج أمام الناس يغلق باب طلبها، وتبقى في حقيقة الأمر على نذرها، تسكن في بيته أو قريباً منه بلا علاقة زوجية. ووقع الاختيار على اليونانيين لأنهم أكبر جالية أوروبية في أم درمان وأكثرها تماسكاً، ومسيحيون أرثوذكس يُطمأن إلى دينهم، ويحملون صفة المسالمة نفسها، فلا تعترض السلطة على الزواج منهم. فكان الزواج الصوري ورقة حماية لا أكثر: عقد في الشكل، ودرع في المضمون. غير أن الورقة لم تبقَ ورقة في كل الحالات، كما تشهد قصة تيريزا غريغوليني رئيسة الراهبات في إرسالية ألأبيض، التي أسسها دانيال كامبوني فقد رفضت ان تترك ديانتها وتسلم، ولكن تزوجت وأنجبت من أسير إغريقي لتفدي الجماعة كلها، وظلت على زواجها بسبب أطفالها حين عاد الآخرين إلى أديرتهم وأهلهم بعد سقوط المهدية عام ١٨٩٨م.

أما دور ونجت في هذا الكتاب فأكبر من دور المترجم، إذ لم يكن الكتاب الإنجليزي نقلاً أميناً للنص الألماني، بل، إعادة صياغة وتحرير وإضافة، حتى صار أقرب إلى كتاب مشترك بين قس يحمل الذاكرة وضابط يحمل الغاية. وتلك الغاية واضحة في النبرة: السودانيون، في رواية الكتاب، يئنون تحت حكم الخليفة وينتظرون المخلّص، والمخلّص لا يحتاج القارئ إلى كثير ذكاء ليعرف من هو.
وفي ميزان النقد، للكتاب قيمة وصفية حقيقية، فأُروالدر شاهد عيان عاش في قلب الأحداث، ويتقن العربية الدارجة، ووصفه للمجاعة وللأسواق ولنظام بيت المال يتفق في كثير من خطوطه مع ما في الوثائق المهدية نفسها. غير أن الكتاب يعاني ثلاث علل: موقع الكاتب مبشراً مسيحياً يرى في الحركة «تعصباً» دينياً قبل أن يرى فيها ثورة على مظالم التركية، ونفسية الأسير الذي يجد في تسويد صورة سجانه تبريراً لعذاباته، ويد المحرر الاستخباراتي التي انتقت وقدّمت وأخّرت. وأضعف ما فيه روايات الفضائح الشخصية عن المهدي في شهوره الأخيرة، وهي تستحق وقفة.
ومضمون هذه الروايات أن المهدي، بعد سقوط الخرطوم في يناير 1885، انقلب من الزهد الذي عرفه به أنصاره إلى الترف: أكثر من النساء، واصطفى لنفسه من سبايا الخرطوم وبنات أعيانها، وأقام بين جواريه يُطيّبنه ويدلّكنه، وسمن جسده وثقل، وتطيّب بأغلى العطور، ولبس في الخفاء ناعم الثياب تحت الجبة المرقعة التي فرضها على أتباعه. والرسالة التي تجمع هذه الصور كلها واحدة: أن الرجل كان ينهى أنصاره عن الزينة ويأمرهم بالتقشف، ثم يخالف في بيته ما يأمر به في مسجده، فزهده واجهة للعامة لا عقيدة يعيشها. ويكتمل المشهد بما راج في أدب الأسرى من أن موته في يونيو 1885 لم يكن بالحمى كما قيل، وإنما بسمّ دسّته له امرأة ممن فُجعن بأهلهن في الخرطوم، فكأن الحكاية تريد لنهايته أن تكون عقاباً على سيرته.
غير أن هذه الروايات تسقط عند الفحص لأربعة أسباب. أولها أن الكاتب لم يشهد منها شيئاً، فالحريم عالم مغلق لا يدخله رجل غريب، فضلاً عن قس أسير، وكل ما قيل فيه سماع من سماع. وثانيها ضيق المدة، فبين سقوط الخرطوم وموت المهدي نحو خمسة أشهر، مرض في آخرها، وانقلاب السيرة كلها في هذا الأجل القصير أقرب إلى الحكاية منه إلى التاريخ. وثالثها أنها تخدم غرضاً مكشوفاً، فصورة الزاهد المنافق هي بالضبط ما يحتاجه قسم المخابرات: المهدي دجال لا ثائر، فتسقط شرعية دولته، ويصير استرداد السودان «تحريراً» لا غزواً، ويد ونجت في التحرير تجعل هذا الشك مشروعاً لا متعسفاً. ورابعها أنها تخالف ما تقوله المصادر السودانية، فرسائل المهدي ومنشوراته التي جمعها محمد إبراهيم أبو سليم في «الآثار الكاملة للإمام المهدي» [4] ترسم رجلاً مشغولاً حتى أيامه الأخيرة بالدعوة والتنظيم والحرب ومكاتبة الملوك، وسيرة إسماعيل بن عبد القادر الكردفاني تقدم صورة مغايرة لما رسمه الأسرى. وعلى هذا النحو وضع بيتر هولت، كما سيأتي، أمثال هذه الأخبار في موضعها: مصادر معادية تُستعمل بحذر. فالكتاب في هذه الصفحات لا يؤرخ للمهدي، بل، يؤرخ لما كان خصومه يتمنون أن يكون عليه.
رودولف كارل فون سلاطين (Rudolf Carl von Slatin)، نمساوي آخر، ولد عام 1857، وجاء إلى السودان شاباً في خدمة غردون، فتولى مديرية دارفور. وحين اشتعلت الثورة قاتل قوات المهدية فيها قتالاً طويلاً خسر أكثر معاركه، وكان جنده، وأغلبهم من المسلمين السودانيين والمصريين، يتهامسون بأن النصر لا يحالف جيشاً يقوده نصراني. فأعلن إسلامه في عام 1883، وهو لا يزال حاكماً في مقعده لا أسيراً في قيده، وتسمّى «عبد القادر»، ليمسك بولاء جند يتسرب من بين أصابعه. ويقرّ هو نفسه في كتابه بأن الخطوة كانت حساباً عسكرياً لا قناعة دينية [5]، وقد عاد إلى الكاثوليكية بعد هروبه، فكان إسلامه سلاح حرب لا عقيدة قلب، ألقاه حين وضعت الحرب أوزارها.
ولم يكن ما جرى بعد ذلك «اعتقالاً» بالمعنى الدقيق، بل، تسليماً بشروط المنتصر. فبعد فناء حملة هكس في شيكان في نوفمبر 1883 انقطع آخر أمل في نجدة تأتي من الخرطوم، وبقي سلاطين معزولاً في دارفور بجيش منهك وذخيرة ناقصة، فسلّم نفسه في دارا أواخر ديسمبر 1883 إلى قائد المهدي في الإقليم، محمد خالد زُقَل، قريب المهدي، الذي كان قبلها موظفاً في إدارة سلاطين نفسها، فانقلب المرؤوس رئيساً والرئيس تابعاً في يوم واحد. وقد قُبل الحاكم المستسلم مسلماً، ثم أُرسل إلى معسكر المهدي، فضُمّ إلى الملازمين، يجري حافياً بجوار فرس التعايشي، ويقف ببابه الساعات الطوال [6].
أما القيد الحقيقي فجاء لاحقاً. ففي عام 1884، وجيش المهدي يطوّق الخرطوم، ارتاب الأنصار في صلة سلاطين بغردون، وقد كان يراسله فعلاً، فكُبّل بالحديد، وفي تلك الحال عُرض عليه رأس غردون كما سيأتي. ثم رُفع عنه القيد بعد أشهر، فعاد إلى الملازمين في أم درمان، وبقي أسيراً نحو أحد عشر عاماً، حتى هرب في فبراير 1895 بتدبير من عملاء ونجت.
وكتابه «السيف والنار في السودان» (Fire and Sword in the Sudan: A Personal Narrative of Fighting and Serving the Dervishes 1879–1895) صدر عام 1896 بالألمانية والإنجليزية معاً، والإنجليزية بترجمة ونجت [4]. وهو أشهر كتب هذه المكتبة وأبعدها أثراً، وقد تنقل بين الطبعات والترجمات، ومنها العربية. ويتألف من ثلاثة أقسام كبرى: حروب دارفور قبل الاستسلام، وحياة معسكر المهدي وحصار الخرطوم، ثم بلاط الخليفة في أم درمان. وفيه المشهد الذي صار أيقونة الأدب الفيكتوري عن المهدية: صباح السادس والعشرين من يناير 1885، حين جيء إلى سلاطين المقيد في المعسكر برأس غردون ملفوفاً في قطعة قماش، وسُئل متهكماً إن كان هذا رأس «عمه الكافر». ويقدم الكتاب صورة مفصلة عن الخليفة: نسبه، وطباعه، وريبته الدائمة، وعنايته بالتعايشة وتهجيرهم إلى أم درمان، ونظام الملازمين والرايات، ومعاملة الأمراء، وحملاته على القبائل، وأساليب التجسس في بلاطه، ثم يختم بقصة الهرب.
ولمشهد يوم سقوط الخرطوم سياق ينبغي أن يُروى كاملاً. فقد سقطت الخرطوم فجر الاثنين السادس والعشرين من يناير 1885، وقُتل غردون في ساعة الاقتحام، قبل يومين فقط من وصول باخرتي النجدة اللتين رأتا العلم المهدي فوق المدينة فعادتا أدراجهما. والأرجح أن المهدي كان قد أمر باستبقائه حياً، فرسائله إليه أثناء الحصار تدعوه صراحة إلى الإسلام والتسليم [4]، وأسير بمقامه غنيمة سياسية ودعوية أثمن من جثة، أما القول إنه أراد أن يناظره في الدين فتفسير لاحق لتلك الدعوة لا نص لأمر محفوظ. وتضطرب الروايات بعد ذلك في كيفية قتله ومن قتله وأين، وأغلبها لأسرى لم يشهدوا المشهد، ويُروى أن المهدي استاء حين بلغه الخبر [6]. وأضعف من ذلك كله ما ردّدته كتب الأسرى ومن نقل عنها من أن المهدي أراد مبادلة غردون بأحمد عرابي المنفي في سيلان، فلا وثيقة مهدية تؤيدها، وعرابي كان ضابطاً في جيش «الترك» الذي قامت المهدية على حربه، لا حليفاً لها ولا رمزاً عندها، والرواية تُلبس المهدي عقلية مفاوض في وزارة الخارجية البريطانية، وهي أقرب إلى خيال قارئ لندن منها إلى منطق حركة ترى في غردون كافراً يُدعى أو يُقاتَل.
أما عرض الرأس على سلاطين فكان في اليوم نفسه، بعد ساعات من سقوط المدينة، في معسكر المهدي على الضفة الغربية، وسلاطين يومئذ مكبّل بالحديد منذ اتُّهم بمراسلة غردون. ويذكرسلاطين أنه أجاب سائليه بأن صاحب الرأس جندي شجاع سقط في موقعه، وقد استراح من عنائه [5]. ولا تنص الروايات على غرض العرض، والمفهوم من سياقه أمران: إذلال رجل اشتُبه في ولائه، وإبلاغه عملياً بأن الأمل الذي راسله قد مات فلا مخرج له إلا الطاعة. غير أن الحذر هنا واجب، فالمشهد كله برواية سلاطين وحده، في كتاب حرّره ونجت، ولا شاهد مستقل عليه، وقد صار أيقونة لأنه يخدم الصورة المطلوبة بتمامها: بطولة غردون، وشماتة «الدراويش»، ورباطة جأش الأوروبي الأسير.
ودور ونجت فيه مزدوج: فهو من دبّر الهرب، ثم هو من ترجم وحرّر، ويكاد الكتاب أن يكون ثمرة جلسات استجواب طويلة نُظّمت في شكل سيرة ذاتية. ويكفي أن نتذكر أن الكتاب صدر في العام الذي بدأت فيه حملة دنقلا، أي أن «الاسترداد» العسكري و«الاسترداد» الأدبي خرجا من الثكنة ومن المطبعة في موسم واحد.
والكتاب في ميزان النقد أعقد من سابقه. فمن محاسنه أن سلاطين عاش في قلب البلاط أكثر من أي أوروبي آخر، وعرف الخليفة عن قرب يومي، وسجل أسماء الأمراء وأنسابهم وتواريخ الحملات بدقة كبيرة يؤيدها كثير من الوثائق، حتى إن المؤرخين الذين خاصموا روايته ظلوا يرجعون إليه في تفاصيل البلاط لأنه لا بديل عنه. أما مساوئه فأخطر: فسلاطين كان يكتب وهو في حاجة ماسة إلى تبرير أمرين أمام قرائه الأوروبيين، استسلامه في دارفور، وإعلانه الإسلام، ولا شيء يبرر الاستسلام كتصوير الخصم قوة لا تقاوم، ولا شيء يبرر «الردة» كتصوير المهدية قهراً لا يدخله عاقل إلا مكرهاً. ثم إن الخليفة الذي قرّبه وأطعمه وأمّنه على حياته أكثر من عقد يخرج من الكتاب طاغية ماكراً قاسياً بلا فضيلة تقريباً، وهذه صورة لا يمكن أن تكون صادقة كلها، إذ لو كان الرجل كذلك لما بقي سلاطين حياً ليكتب. وفي الذاكرة السودانية يُلقّب سلاطين بالخائن مرتين: خان الخليفة الذي أمّنه، ثم عاد إلى السودان مفتشاً عاماً في حكومة الحكم الثنائي من 1900 إلى 1914 يحكم من كانوا بالأمس جيرانه في الملازمين.
كارل نيوفلد (Charles Neufeld)، تاجر ألماني كان يعمل في التجارة على حدود مصر الجنوبية، حاول عام 1887 أن يقود قافلة إلى كردفان طمعاً في تجارة الصمغ، فخانه أدلاؤه، وسيق أسيراً إلى أم درمان. وتقلبت به الحال بين السجن مقيداً بالحديد في السجن الذي كان يتولاه إدريس الساير، والعمل القسري في صناعة البارود واستخراج ملح البارود لحساب الخليفة، وتزوج امرأة حبشية، وظل كذلك حتى دخل جيش كتشنر أم درمان بعد كرري في سبتمبر 1898، فكُسرت قيوده وصار خبراً في الصحف البريطانية.
وكتابه «أسير الخليفة، اثنا عشر عاماً في الأسر بأم درمان» (A Prisoner of the Khaleefa: Twelve Years’ Captivity at Omdurman) صدر في لندن عام 1899 [5]. ويصف فيه طريقة أسره، والسجن وأهواله، وحياة السجناء من سودانيين وأجانب، وشخصيات من الأمراء والحراس، ويكشف تفاصيل عن صناعة السلاح والذخيرة في أم درمان، ويروي من الداخل أيام الانهيار الأخيرة حين كانت مدافع كتشنر تقصف قبة المهدي.
وأهم ما يميز كتاب نيوفلد أنه خارج مطبخ ونجت، بل، يكاد يكون موجهاً ضد ذلك المطبخ. فقد خرج الرجل من أسره ليجد نفسه موضع شكوك ولوم في روايات سبقته إلى القارئ، فجعل كتابه دفاعاً عن نفسه، وتصحيحاً لكثير مما ورد في كتب سابقيه، وعتاباً مريراً لجهاز لم يبذل لتحريره ما بذله لتحرير غيره. ومن هنا تنبع قيمته النقدية: فهو شهادة أسير أوروبي لم يمر نصها بمكتب ونجت، ولذلك فهي أحياناً أكثر إنسانية في تصوير أفراد سودانيين أحسنوا إليه، وأقل تعميماً في الأحكام. غير أنها تبقى شهادة أسير مقيد عانى عذاباً حقيقياً، وكاتب يدافع عن سمعته، فالمبالغة في وصف قسوة السجن، والانتقائية في رواية علاقاته بالبلاط، واردتان بطبيعة الموقف.
وفي هذا المحور أيضاً القس الإيطالي باولو روسينولي (Paolo Rossignoli)، من بعثة فيرونا كذلك، الذي أُسر مع من أُسروا في كردفان، وهرب عام 1894، ونشر ذكرياته بالإيطالية بعد ذلك بسنوات قليلة بعنوان «سنواتي الاثنتا عشرة في الأسر بين الدراويش» (I miei dodici anni di prigionia in mezzo ai Dervisci del Sudan). وكتابه أقل شهرة لأنه لم يمر بالمطبعة الإنجليزية ولا بمكتب ونجت، وهذا وحده درس في اقتصاد الشهرة.
ومن الأسرى الذين لم يكتبوا كتاباً لكن أصواتهم وصلت عبر الرسائل الراهبة الإيطالية تيريزا قريقوليني (Teresa Grigolini)، رئيسة راهبات البعثة في الأبيض، التي كانت رسائلها إلى رؤسائها في البعثة تُهرّب من أم درمان إلى مصر، فتحمل إليهم أخبار الأسرى وأحوالهم. وقد عقدت زواجاً من النوع الذي مر ذكره مع اليوناني ديمتري كوكوريمباس، وبقيت في أم درمان حتى سقوطها عام 1898.
وقصتها أوضح الأمثلة على الزواج الصوري الذي انقلب حقيقة. فقد كانت، بحكم رئاستها للراهبات، أظهرهن وأكثرهن عرضة للطلب، فقبلت العقد على كوكوريمباس لتسد باب المطالبة بها، وتذكر بعض الروايات أنها قبلته أيضاً لتصرف الأنظار عن أخواتها. غير أن الزواج، فيما تذكره الروايات، صار زواجاً فعلياً وأنجبت منه، فلما دخل جيش كتشنر أم درمان وجدت الكنيسة نفسها أمام راهبة صارت زوجة وأماً، وهو موقف لم يكن في كتب اللاهوت فصل جاهز له.
ولفهم حجم هذا الحرج ينبغي أن نعرف أن الراهبة في الكاثوليكية لا تعزف عن الزواج عرفاً أو عادةََ أو ذوقاً، بل، بنذر علني، يعني وعد، تنذر فيه الفقر والطاعة والعفة، فوعد الفقر ان لا تمتلك شيئاً ووعد الطاعة هو الخضوع لرئيستها في الجمعية، والعفة هنا تعني التخلي عن الزواج كله، إذ تُعد مكرّسة للمسيح، ويسمِي الأدب الكنسي تكريسها زواجاً روحياً، ولا يحلّها من نذرها إلا الكرسي الرسولي بإعفاء رسمي. والكنيسة الكاثوليكية ليست كتلة واحدة الطقس، بل، شركة من كنائس في وحدة مع بابا روما، أكبرها الكنيسة اللاتينية، أي كنيسة الطقس الروماني الغالبة في أوروبا الغربية والأمريكتين، ومعها كنائس شرقية كاثوليكية كالمارونية والملكية والكلدانية والقبطية الكاثوليكية، تتبع البابا في العقيدة وتحتفظ بطقوسها وقوانينها. وأظهر ما يفرّق بينها بتولية الكهنة: فاللاتينية لا ترسم، أي تعتمد بطقوس محددة، كاهناً إلا أعزب، وهي قاعدة تنظيمية لا عقيدة، بينما تجيز الكنائس الشرقية رسم المتزوجين كهنة، على ألا يتزوج الكاهن بعد رسامته، وألا يُختار الأسقف إلا من غير المتزوجين. أما الراهبة فلا خلاف فيها بين الطرفين، ولا حتى مع الكنيسة الأرثوذكسية المنفصلة عن روما، فنذر العفة يمنع زواجها في الشرق والغرب جميعاً. وتيريزا راهبة إيطالية في جمعية لاتينية كاثوليكية هي الأمهات الورعات لنيغريزيا، فحكمها حكم الكنيسة اللاتينية، وزوجها اليوناني أرثوذكسي لا يتبع روما أصلاً (مجموعة الكنائس الأرثوذكسية مستقلّة بذاتها ولبطريرك القسطنطينية المسكوني “أولوية شرف ” بينهم لا سلطة). فاجتمع في بيت واحد بأم درمان نذر كاثوليكي وعقد إسلامي وزوج أرثوذكسي، ولم يكن في كتب القانون الكنسي باب يتسع لهذا كله. غير أن القانون الكنسي يعترف بمفهوم الإكراه وانعدام الرضا الحر، فكان من السهل أن تُعد الزيجات الصورية ضرورة أملاها الأسر لا نقضاً للنذر، كزواج باطل من الأصل وكأنه لم يكن. أما زيجة صارت حقيقة فشأن آخر، ولهذا ظلت قصة تيريزا في أدبيات البعثة موضوعاً يُمر عليه بخفض الصوت.
المحور الثاني، مطبخ الاستخبارات
إذا كان الأسرى قد قدموا المادة الخام، فإن قسم المخابرات في الجيش المصري هو الذي طبخها وقدمها للقارئ في أطباق مرتبة. وفي هذا المحور ثلاثة أنواع من الكتابة: كتاب ونجت نفسه، والتقارير الاستخباراتية الدورية، وكتاب نعوم شقير.
كتب ونجت بنفسه «المهدية والسودان المصري» (Mahdiism and the Egyptian Sudan: Being an Account of the Rise and Progress of Mahdiism and of Subsequent Events in the Sudan to the Present Time)، الصادر في لندن عام 1891 [1]، قدم لطبعته الثانية بيتر هولت عام 1968 ونقلها إلى العربية محمد المصطفى حسن ونشرته دار عزة بالخرطوم كطبعة أولى عام 2009 [2]. هو مجلد ضخم يبدأ بجغرافيا السودان وأحواله في أواخر التركية، ثم يروي نشأة محمد أحمد في جزيرة لبب قرب دنقلا، وتصوفه على الطريقة السمانية، وخلافه مع شيخه محمد شريف نور الدائم، ثم إعلانه المهدية في الجزيرة أبا عام 1881، ووقائع أبا وقدير وحصار الأبيض، وإبادة حملة هكس، وثورة الشرق بقيادة عثمان دقنة، ومهمة غردون وحصار الخرطوم وسقوطها، ووفاة المهدي، ثم عهد الخليفة بحروبه مع الحبشة التي قُتل فيها الإمبراطور يوحنا في القلابات عام 1889، وحملة النجومي التي انتهت في توشكي في العام نفسه. ويضم الكتاب ملاحق من ترجمات رسائل المهدي والخليفة ومنشوراتهما، وجداول بالأمراء والقوات، وخرائط مفصلة.
وقيمة الكتاب أنه أول محاولة منهجية لجمع المادة المتاحة عن المهدية في سياق واحد، وأنه حفظ ترجمات وثائق مهدية، وأعطى التسلسل العسكري بدقة معقولة. لكنه كتاب جهاز لا كتاب مؤرخ: مصادره الأساسية هاربون وجواسيس وتجار لهم مصالح فيما يقولون، ومنهجه يقدم المهدية «تعصباً دينياً» أثاره دَعيّ، ويعزل الحركة عن جذورها في مظالم الضرائب واضطراب تجارة الرقيق وفساد الإدارة التركية، لأن الاعتراف بهذه الجذور يعني الاعتراف بأن للثورة منطقاً، والجهاز لا يريد للقارئ أن يرى منطقاً في عدوه. والنتيجة كتاب صادق في كثير من الوقائع، مضلل في الإطار الذي يضعها فيه.
وإلى جانب الكتاب كانت تقارير المخابرات الدورية (Egyptian Army Intelligence Reports) تصدر تباعاً، ترصد أخبار أم درمان وتحركات الأمراء وأسعار الذرة وأمراض الماشية وشائعات السوق. وهي اليوم من أهم مصادر المؤرخين، لأنها كتبت للاستعمال الداخلي لا للنشر، فتقل فيها البلاغة الدعائية وتكثر الأرقام، وإن ظلت محكومة بمخبرين ينقلون ما يظنون أن السائل يحب سماعه.
وأما نعوم شقير (Na’um Shuqayr)، فهو مشرقي لبناني مسيحي، عمل في قسم المخابرات بالقاهرة تحت ونجت سنين طويلة، ورافق حملات الاسترداد. وكتابه «تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته»، ويترجم عنوانه بالإنجليزية (The History and Geography of the Sudan, Ancient and Modern)، صدر في القاهرة عام 1903 في ثلاثة أجزاء [6]. يبدأ بجغرافيا السودان وقبائله وأنسابه وعاداته، ثم تاريخه القديم والوسيط، فالفتح التركي المصري، ثم يخصص القسم الأكبر للمهدية من نشأتها إلى سقوطها، مورداً نصوص عشرات من رسائل المهدي والخليفة ومنشوراتهما كما وقعت في أيدي الجيش بعد سقوط أم درمان، ثم يختم بالاسترداد وقيام الحكم الثنائي.
ودور ونجت في هذا الكتاب دور الراعي والمانح: فهو الذي فتح لشقير أرشيف المخابرات والوثائق المصادرة، ووفّر له موقع الموظف المطلع. ولذلك يقف الكتاب في منزلة وسط: أحكامه على المهدية وقادتها عدائية في الغالب، ويتبنى الإطار الاستعماري العام. لكنه كُتب بالعربية، وبيد رجل يعرف البلاد وأهلها، ويورد النصوص الأصلية بدل تلخيصها، فصار مفارقة طريفة: كتاب خرج من مطبخ الخصم، لكن المؤرخين السودانيين لا يستغنون عنه، لأنه حفظ من وثائق المهدية ما لم يحفظه غيره. وهو في دقته أعلى من كتاب ونجت بدرجات، وفي حياده أدنى من أن يُعدّ مرجعاً محايداً.
المحور الثالث، غردون والأسطورة الفيكتورية
تشارلز جورج غردون (Charles George Gordon)، أو «غردون باشا» كما عرفه السودانيون، رجل صار بعد موته قديساً علمانياً في الذاكرة البريطانية، تُرفع له التماثيل وتُسمى باسمه الكليات. خدم في الصين حيث لُقّب «غردون الصيني» (Chinese Gordon)، ثم في السودان حاكماً لمديرية خط الاستواء، ثم حكمداراً عاماً للسودان بين 1877 و1879، وعاد إليه في يناير 1884 مكلفاً بإخلاء الحاميات المصرية، بعد عزل الحكمداران محمد رؤوف باشا وعبد القادر حلمي باشا وقتل علاء الدين صديق باشا في شيكان، فدخل الخرطوم في فبراير، وبدل أن يخلي ويرحل بقي وحوصر، حتى سقطت المدينة في السادس والعشرين من يناير 1885، قبل وصول طلائع حملة الإنقاذ بيومين.
وأهم ما خلفه غردون مما يعنينا «يوميات الجنرال غردون في الخرطوم» (The Journals of Major-Gen. C. G. Gordon, C.B., at Kartoum)، التي نُشرت في لندن عام 1885 بتقديم إيجمونت هيك (A. Egmont Hake) وحواشيه [7]. وهي ست كراسات كتبها غردون بين العاشر من سبتمبر والرابع عشر من ديسمبر 1884، وأرسلها بالبواخر إلى المتمة شمالاً. وهناك انتظرت البواخر وصول الحملة، فتسلمتها الفرقة الصحراوية في يناير 1885 التي كانت ضمن حملة ولسلي. ثم أُرسلت الكراسات إلى الحكومة البريطانية، ومنها إلى أسرة غردون، فنشرها إجموند هيك في لندن عام 1885 . وفيها الحياة اليومية للمدينة المحاصرة: نقص الطعام، وحساب الذخيرة، والطلعات النهرية، والجواسيس، ورسائل المهدي إليه يدعوه فيها إلى الإسلام والتسليم، وردوده عليها، ورسوم بخط يده. وفيها أيضاً، وربما قبل كل ذلك، هجوم لاذع على حكومة حزب الأحرار ورئيس وزراءها غلادستون وعلى إيفلين بارنج كرومرفي القاهرة، وتهكم مرّ على بطء حملة الإنقاذ، وتأملات دينية متكررة يرى فيها نفسه في يد القدر.
ولا دور لونجت في تحرير اليوميات، فقد سبقته إلى المطبعة، لكنه جعل موت غردون حجر الزاوية في روايته كلها، وتحول «الثأر لغردون» على يديه وأيدي من تلاه إلى الشعار الشعبي لحملة الاسترداد، وإن كانت دوافعها الحقيقية في لندن تتعلق بمياه النيل وبسباق الفرنسيين إلى أعاليه أكثر مما تتعلق بروح الجنرال.
واليوميات في ميزان النقد مصدر أولي من الطراز الأول لأنها كتبت ساعة الحدث، بلا تحرير لاحق من صاحبها الذي لم يعش ليراجعها. وهي، على خلاف ما يتوقع القارئ، ليست خطاب كراهية للمهدي، فغردون يتهكم عليه أحياناً، ويحترمه أحياناً، ويعترف ضمناً بأن الثورة تستند إلى مظالم حقيقية طالما شكا منها هو نفسه في حكمداريته. لكن اليوميات تبقى شهادة رجل واحد محاصر، متقلب المزاج، يخلط الوقائع بالمواعظ، ويصوغ صورته لقارئ يعلم أنه سيقرؤه بعد موته. أما الخطر الحقيقي فليس في اليوميات، بل، في الأسطورة التي نُسجت حولها: فمن سيل السير التمجيدية التي تلت موته، إلى رسائله إلى أخته التي نُشرت عام 1888، إلى اللوحات التي تصوره واقفاً بثبات على درج السراي أمام الرماح، تحول الرجل إلى شهيد مسيحي في مواجهة «الهمجية»، وتحولت المهدية في المخيال الشعبي البريطاني إلى مجرد القوة التي قتلت غردون.
ويلحق بهذا المحور إيفلين بارنج، اللورد كرومر (Evelyn Baring, Lord Cromer)، المعتمد البريطاني في مصر وحاكمها الفعلي بين 1883 و1907، وكتابه «مصر الحديثة» (Modern Egypt) الصادر في مجلدين عام 1908 [8]. وفيه فصول مطولة عن السودان: قرار الإخلاء، واختيار غردون، والخلاف معه، وحملة الإنقاذ، ثم الاسترداد. والكتاب في جوهره مرافعة دفاع عن النفس، يرد فيها كرومر على اتهامه بالتقصير في إنقاذ غردون، فيصور الجنرال رجلاً عظيماً متقلباً يخالف التعليمات، ويصور المهدية حركة تعصب لا يُفاوَض معها. وهو مصدر مهم لفهم كيف فكر صانع القرار البريطاني، لكنه ضعيف في كل ما يخص المجتمع السوداني نفسه، إذ لم يرَ كرومر السودان إلا من نافذة مكتبه بالقاهرة.
ولا يكتمل هذا المحور دون الإشارة إلى الصوت المضاد من داخل البيت البريطاني نفسه: ويلفريد سكاون بلنت (Wilfrid Scawen Blunt)، الشاعر والرحالة المعادي للاستعمار، الذي نشر عام 1911 كتابه «غردون في الخرطوم» (Gordon at Khartoum) [9]، مستنداً إلى يومياته الخاصة في تلك السنوات، فاتهم الحكومة البريطانية بالتخبط والنفاق، ورأى في المهدي زعيماً دينياً ثار على ظلم حقيقي، وفي غردون مغامراً عنيداً. وبلنت ليس من أعداء المهدية، بل، هو ممن تعاطفوا معها، ونذكره هنا لأنه يثبت أن الرواية الرسمية لم تكن الرواية الوحيدة الممكنة حتى في لندن.
المحور الرابع، مراسلو الحرب وجنود الاسترداد
حين تحرك جيش هربرت كتشنر (Herbert Kitchener) جنوباً بين 1896 و1898، رافقه جيش آخر من المراسلين والضباط الكتّاب، وكانت الحملة من أوائل الحروب الاستعمارية التي غُطّيت صحفياً بهذه الكثافة، بالبرقيات والصور والرسوم. وقد وصل هؤلاء إلى السودان وفي حقائبهم كتب ونجت وسلاطين وأُروالدر، فكانوا يرون ما قرأوا قبل أن يروا ما أمامهم.
ونستون تشرشل (Winston Churchill)، الضابط الشاب الذي فرض نفسه على الحملة رغم نفور كتشنر منه، التحق بفرقة الرماحة الحادية والعشرين، وشارك في هجومها الشهير في كرري في الثاني من سبتمبر 1898، وكان يراسل صحيفة «مورنينغ بوست» في الوقت نفسه. وكتابه «حرب النهر، تاريخ استرداد السودان» (The River War: An Historical Account of the Reconquest of the Soudan) صدر في مجلدين عام 1899 [10]، ثم اختُصر في مجلد واحد عام 1902. ويبدأ الكتاب بوصف جغرافي أدبي للنيل والصحراء، ثم يعرض تاريخ المهدية معتمداً، باعترافه الصريح، على سلاطين وأُروالدر وونجت، ثم يسرد حملة دنقلا، وسكة حديد الصحراء، ومعركة عطبرة، ثم كرري وسقوط أم درمان، وينتهي بأزمة فشودة مع الفرنسيين.
والطريف في كتاب تشرشل أنه جمع النقيضين. فهو من جهة يكرر الصورة الاستعمارية في أفجّ عباراتها، وفيه فقرات عن الإسلام شديدة التحامل حُذف أشهرها من الطبعة المختصرة. ومن جهة أخرى يحمل شجاعة نادرة في نقده علناً لقائده المنتصر والبطل القومي، السردار كتشنر، وهوملازم صغير: فقد أدان قتل الجرحى من الأنصار بعد كرري، وأدان هدم قبة المهدي ونبش قبره وإلقاء رفاته في النيل واحتفاظ كتشنر بجمجمته، وكتب عن الأنصار الذين سقطوا في كرري بلغة فيها إعجاب بشجاعتهم. وفي حق المهدي نفسه يقر تشرشل بأنه رجل ذو شأن حرّك أمة وأعاد إليها ثقتها بنفسها. ودقة الكتاب العسكرية عالية فيما شهده الكاتب بعينه، ضعيفة في الخلفية التاريخية التي نقلها عن مطبخ ونجت دون تمحيص.
وأشهر ما حُذف مقطع في المجلد الثاني من الطبعة الأولى، في الصفحات 248 إلى 250، يقول فيه تشرشل، فيما ننقله إلى العربية: «ما أفظع اللعنات التي يُنزلها الإسلام بأتباعه! فإلى جانب الهوس المتعصب، وهو في الإنسان خطير خطرَ داء الكَلَب في الكلب، هناك هذا الخمول القدري المخيف. وآثاره ظاهرة في بلدان كثيرة، فحيثما حكم أتباع النبي أو عاشوا تجد عادات التبذير، وأنظمة الزراعة المهملة، وأساليب التجارة البطيئة، وانعدام الأمان على الملكية. وحسّية منحطة تسلب هذه الحياة رقتها ورهافتها، وتسلب الآخرة كرامتها وقداستها. وكون كل امرأة في الشريعة المحمدية مِلكاً مطلقاً لرجل ما، طفلةً أو زوجةً أو سُرّية، وهي الأَمَة المملوكة ليعاشرها سيدها دون زواج (Concubine) . لا بد أن يؤخر زوال الرق حتى يكف الإسلام عن أن يكون قوة عظيمة بين البشر. قد يُظهر أفراد من المسلمين صفات رائعة، وآلاف منهم يصيرون جنوداً شجعاناً أوفياء للملكة، وكلهم يعرفون كيف يموتون، لكن تأثير هذا الدين يشلّ التطور الاجتماعي لأتباعه، ولا توجد في العالم قوة رجعية أشد منه. وهو، بعيداً عن أن يكون محتضراً، دين محاربِِ داعٍ إلى نفسه، قد انتشر في أفريقيا الوسطى يخرّج في كل خطوة محاربين لا يهابون الموت، ولولا أن المسيحية محمية بذراعي العلم القويتين، ذلك العلم الذي حاربته المسيحية نفسهاعبثاً، لربما سقطت حضارة أوروبا الحديثة كما سقطت حضارة روما القديمة» [16]. ومن هذا المقطع جملتان صارتا أكثر ما يتداوله الناس منه، الأولى افتتاحه: (How dreadful are the curses which Mohammedanism lays on its votaries!)، والثانية حُكمُه الجامع: (No stronger retrograde force exists in the world).
وقد كتب تشرشل هذا الكلام مراسلاً حربياً في الرابعة والعشرين لا يحاسبه أحد على ما يقول، ثم دخل مجلس العموم نائباً عن أولدهام في انتخابات عام 1900 [18]، والإمبراطورية التي يطمح إلى حكمها يسكنها ملايين المسلمين في الهند ومصر والسودان. فلم يعد يليق بسياسي صاعد أن يحمل على ظهره حكماً على دين رعاياه، فجاءت الطبعة المختصرة مجردة منه، ومجردة معه من فقرات أخرى محرجة، أشهرها نقده لكتشنر على نبش قبر المهدي وقتل الجرحى في كرري، إذ لم يكن من الحكمة أن يهاجم الضابط الذي صار نائباً برلمانياً القائد الذي صار بطلاً قومياََ. فالحذف لم يكن مراجعة فكريّة، بل تقليماََ سياسياً يحذف ما يحرج.
وفي المقطع مفارقة تمس ما مر بنا في أدب الأسر، فجملة «كل امرأة ملك لرجل» هي المنطق نفسه الذي ألجأ راهبات أم درمان إلى الزيجات الصورية، غير أن تشرشل يجعله حكماً على دين بأكمله، بينما كان في الواقع نظاماً للولاية في دولة حرب، عرفته الراهبات من الداخل وتحايلن عليه، ورآه هو من ظهر حصانه.
وفي المقطع مفارقة تمس ما مر بنا في أدب الأسر، فجملة «كل امرأة ملك لرجل» هي المنطق نفسه الذي ألجأ راهبات أم درمان إلى الزيجات الصورية، غير أن تشرشل يجعله حكماً على دين بأكمله، بينما كان في الواقع نظاماً للولاية في دولة حرب، عرفته الراهبات من الداخل وتحايلن عليه، ورآه هو من ظهر حصانه.
ولا يريد تشرشل باللعنات دعاءً على أحد ولا نصاً في كتاب، بل، يستعير لغة المنبر ليعدّد ما يراه أضراراً يجرّها الإسلام على أتباعه، ثم يسردها واحداً بعد آخر: التعصب، والقدرية، والكساد، والحسّية، والرق، وشلل المجتمع. فالجملة الأولى عنوان، وما بعدها قائمة الاتهام. وأول بنودها «الهوس المتعصب» الذي شبّهه بداء الكَلَب، والكَلَب مرض يصيب الكلب فيفقده السيطرة على نفسه، فيعض بلا تمييز، وينقل العدوى بعضته، ولا يرتدع حتى يموت. والتشبيه يحمل ثلاث تهم معاً: أن الحماسة الدينية جنون لا عقل فيه، وأنها معدية تنتقل من فرد إلى جماعة، وأن صاحبها لا يخاف الموت فلا ينفع معه إلا ما ينفع مع الكلب المسعور. وكان تشرشل قد سبق إلى الصورة نفسها في كتابه الأول عن حرب الحدود الهندية، حين كتب أن المجاهدين من قبائل البشتون يصيرون في خطر الكلاب المسعورة وفي «عقلها»، لا يصلحون إلا لأن يعامَلوا معاملتها [19]. ومعنى ذلك في لغة العسكر أن من يُشبَّه بالكلب المسعور لا يُفاوَض ولا يُؤسَر، بل، يُطلق عليه الرصاص. وقد رأى تشرشل بعينه في كرري صفوف الأنصار تندفع نحو نيران المدافع الرشاشة بلا تردد، فلم يجد لشجاعة لا يفهمها تفسيراً غير المرض.
أما «الخمول القدري المخيف» فهو قلب الاتهام كله. والقدرية (fatalism) عند تشرشل ومعاصريه هي الاعتقاد بأن كل ما يقع مكتوب سلفاً لا يغيّره سعي ولا حذر، فإذا اعتقده الإنسان سقط عنه واجب التدبير: فلا يحتاط لغدِه لأن رزقه مقسوم، ولا يعالج مريضه لأن الأجل محتوم، ولا يصلح أرضه ولا يطوّر تجارته لأن ما كُتب سيكون، ويختم كل خطة بعبارة «إن شاء الله» التي سمعها الأوروبي نهاية للحديث لا بداية للعمل. وكانت كلمة «قِسمة» (kismet) قد دخلت الإنجليزية يومئذ مرادفاً للاستسلام الشرقي. فالخمول عنده ثمرة القدر: شعب لا يفعل لأنه يرى أن الفعل لا يغيّر شيئاً. والطريف أن تشرشل يرى الوجهين في عقيدة واحدة، فالإيمان بالقدر نفسه يصنع في ساحة الحرب ذلك الهوس الذي يدفع الأنصار إلى الموت بلا خوف، لأن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر، ويصنع في أيام السلم خمولاً يترك الأرض بوراً والمريض بلا دواء. فالمسلم في نظره إما مجنون في المعركة أو نائم في الحقل، ولا منزلة بين المنزلتين.
غير أن هذا التصور يقرأ العقيدة الإسلامية من طرفها الواحد. فالقدر في الإسلام لا يلغي السعي، بل، يقترن به: فحديث «اعقلها وتوكل» يأمر صاحب الناقة بأن يربطها أولاً ثم يتوكل، وعمر بن الخطاب رجع بالناس عن الشام حين وقع فيها الطاعون، فلما سُئل: أفراراً من قدر الله؟ قال: نفرّ من قدر الله إلى قدر الله. والمفارقة الأكبر أن أوروبا نفسها عرفت عقيدة في القدر أشد صرامة، هي عقيدة الاختيار المسبق عند الكالفينيين، فلم تنتج خمولاً، بل، رأى فيها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، بعد سنوات قليلة من كتاب تشرشل، المحرك النفسي لروح الرأسمالية نفسها [20]. فالعقيدة الواحدة تُقرأ في جنيف سبباً للعمل، وفي أم درمان سبباً للكسل، والفارق ليس في العقيدة، بل، في موقع من يقرأ. وأما ما رآه تشرشل من بؤس في السودان فله أسباب أقرب من القدر: مجاعة «سنة ستة» (1888–1889) التي أهلكت الناس بالجفاف والحرب، ونصف قرن قبلها من الضرائب التي كانت تُجبى بحد السونكي، وقد وصفها هو نفسه في الفصل الأول من كتابه وصفاً لا يقل قسوة عن وصفه للإسلام [17].
ويعني تشرشل بـ«أتباع النبي» المسلمين عامة، وكان الإنجليز يسمّونهم «المحمديين» كأنهم يعبدون محمداً، وهي تسمية يرفضها المسلمون. والتبذير الذي ينسبه إليهم ليس الكرم العربي المعروف، وإن كان الرحالة الأوروبيون كثيراً ما خلطوا بينهما، فالكلمة الإنجليزية (improvident) تعني انعدام التحسّب للغد: أن ينفق المرء ما في يده اليوم فلا يدّخر ولا يستثمر، ويعيش يوماً بيوم، ثم يستدين حين تنزل الشدة، وهي عنده ثمرة مباشرة للقدرية، فلماذا يدّخر من يرى رزقه مقسوماً؟ وأما «التجارة البطيئة» فالمراد بها تجارة السوق الصغير والمساومة الطويلة ورأس المال الذي يدور ببطء، بلا مصارف ولا شركات مساهمة ولا تأمين ولا ائتمان منظم، في مقابل تجارة أوروبا الصناعية التي كانت تتحرك بسرعة السكة الحديدية والباخرة والتلغراف، وهي الأدوات نفسها التي حملت جيش كتشنر إلى أم درمان. وأما «انعدام الأمان على الملكية» فلا يعني أن السرقة مباحة في مجتمعات المسلمين، بل، يعني أن المال لا يحميه قانون ثابت من يد الحاكم: فالوالي يصادر، والجابي يفرض ما يشاء، ولا محكمة مستقلة يلجأ إليها المظلوم، فلا يأمن التاجر على ما جمع فلا يستثمره. وقد كان هذا وصفاً صحيحاً لكثير من الحكم التركي في السودان، ولبيت المال المهدوي الذي كانت تُضم إليه الغنائم والمصادرات، لكنه وصف لسلوك الحكام لا لنصوص دين يجعل حرمة المال من حرمة الدم. وأما «الحسّية المنحطة» فتلميح إلى تعدد الزوجات والتسري في هذه الدنيا، وإلى وصف الجنة بالحور العين في الآخرة، وهو اتهام قديم في أدب الجدل المسيحي أعاده تشرشل بلغة فيكتورية مهذبة، حسناً شبة مهذبة.
وأما جملة الرق فكثيراً ما تُقرأ مقلوبة. فتشرشل لا يقول إن استمرار الرق يضعف الإسلام، بل، يقول العكس: إن الإسلام هو ما يحفظ الرق، لأن شريعته، في فهمه، تجعل كل امرأة مملوكة لرجل، أباً أو زوجاً أو سيداً، فإذا كان للتسري أصل في الدين لم يزل الرق ما دام الدين قوياً، ولن يُمحى إلا حين يضعف الإسلام. والحجة تخلط بين الولاية والملك: فالمرأة في الفقه الإسلامي ذمة مالية مستقلة، تملك وترث وتعقد وتقاضي، والمهر حق لها لا لوليها، والولاية في الزواج ليست ملكاً للرقبة، وإن كان الفقه قد أقر ملك اليمين في الإماء كما أقرته شرائع العالم القديم كلها. والمفارقة أن الحكومة التي جاءت بها حملة كتشنر، وقد سُوّقت للرأي العام البريطاني حرباً على تجارة الرقيق، لم تُلغ الرق المنزلي في السودان عند دخولها، بل، تساهلت معه عقوداً خشية أن يغضب الملاك، واكتفت بمنع تجارته [21]. فانحسر الرق في السودان بتحولات الاقتصاد وسوق العمل وقرارات الإدارة الاستعمارية المتأخرة، لا بضعف الإسلام كما تنبأ تشرشل.
ويبلغ الاتهام ذروته في قوله إن هذا الدين «يشلّ التطور الاجتماعي لأتباعه». ولفهم العبارة ينبغي أن نتذكر أن الإنجليزي المتعلم في أواخر القرن التاسع عشر كان يرى المجتمعات البشرية سلماً واحداً يصعد من الهمجية إلى الحضارة، وأوروبا في أعلاه، وأن كل شعب يرتقي درجاته بقدر ما يتحرر من سلطان الماضي. والإسلام في نظره يمنع هذا الصعود من ثلاثة وجوه: أنه شريعة شاملة تنظم الأسرة والميراث والعقود والعقوبات بنصوص يراها أتباعها إلهية لا تقبل التعديل، فلا يستطيع المجتمع أن يغيّر قوانينه كما غيّرت أوروبا قوانينها حين فصلت الدين عن الدولة، وأنه يحجب نصف المجتمع، أي المرأة، عن الحياة العامة، وأنه يرتاب في كل جديد بوصفه بدعة. فالمجتمع المسلم عنده ساعة توقفت عقاربها عند القرن السابع. غير أن تشرشل كان يكتب في زمن يموج فيه العالم الإسلامي بحركات الإصلاح: فالدولة العثمانية خاضت إصلاحات التنظيمات، ومحمد علي بنى في مصر جيشاً ومدارس ومطابع قبل ذلك بثلاثة أرباع قرن، ومحمد عبده كان يدعو في القاهرة إلى التوفيق بين الإسلام والعلم الحديث في السنوات نفسها، بل، إن المهدية التي كان تشرشل يؤرخ لسقوطها كانت هي نفسها حركة إصلاح ديني، أياً كان تقدير الناس لها. فالشلل الذي رآه لم يكن في الدين، بل، في الصورة التي حملها معه من لندن.
أما خاتمة المقطع فتُقرأ كثيراً على غير وجهها، إذ يظن بعض قرائها أن تشرشل يتهم الإسلام بمحاربة العلم، والضمير في عبارته يعود على المسيحية لا على الإسلام: (the science against which it had vainly struggled)، أي العلم الذي حاربته المسيحية نفسها عبثاً. وهو يشير إلى صراع الكنيسة الطويل مع العلم، من محاكمة غاليليو في القرن السابع عشر إلى معارك نظرية داروين في القرن التاسع عشر. ومعنى الجملة أن المسيحية التي خسرت معركتها مع العلم صارت تحتمي به، والعلم هنا ليس المختبر والمكتبة، بل، البندقية سريعة الطلقات والمدفع الرشاش والباخرة المسلحة والسكة الحديدية والتلغراف، أي الآلة التي حصدت في كرري نحو عشرة آلاف من الأنصار في صباح واحد، مقابل أقل من خمسين قتيلاً في جيش كتشنر. فلولا مدافع مكسيم، في تقديره، لكان هؤلاء المحاربون الذين لا يهابون الموت قادرين على أن يفعلوا بأوروبا ما فعله البرابرة بروما. وقد لخص الشاعر الإنجليزي هيلير بيلوك هذه الحكمة الاستعمارية في بيتين ساخرين نُشرا في العام نفسه الذي وقعت فيه كرري: (Whatever happens, we have got / The Maxim gun, and they have not) [22]، وقالها تشرشل نفسه في كتابه الأول بلغة أهدأ: «ولحسن الحظ أن دين السلام هو في العادة الأحسن تسلحاً» [19].
وأما تهمة عداء الإسلام للعلم فلها صاحب آخر في ذلك العصر، هو الفرنسي إرنست رينان الذي ألقى في السوربون عام 1883 محاضرة زعم فيها أن الإسلام خنق العلم والفلسفة [23]، فرد عليه جمال الدين الأفغاني في العام نفسه [24]. والتاريخ في صف الرد: فالعلماء الذين حملوا الجبر والبصريات والطب من بيت الحكمة في بغداد إلى قرطبة كانوا في دار الإسلام وتحت رعايتها، وعنهم أخذت أوروبا كثيراً مما قامت عليه نهضتها، ولم تتسع الفجوة بين الطرفين إلا في القرون المتأخرة، ولأسباب يطول فيها الخلاف بين المؤرخين.
وقد ظل النص المختصر لعام 1902 أساساً لكل طبعات الكتاب نحو مئة وعشرين عاماً، وهو النص الذي تحمله اليوم المكتبة الرقمية المجانية «مشروع غوتنبرغ» (Project Gutenberg)، فغاب المقطع عن أغلب القراء حتى صار يُتداول على الإنترنت مقطوعاً من سياقه، يستشهد به الخصوم على الإسلام والمدافعون عنه على تشرشل، إلى أن أعاد جيمس مولر نشر النص الكامل في طبعة محققة عام 2021 [25]. فعاد المقطع إلى مكانه بعد أن صار أشهر مما حوله.
جورج وارينغتون ستيفنز (George Warrington Steevens)، مراسل «الديلي ميل»، وكتابه «مع كتشنر إلى الخرطوم» (With Kitchener to Khartum) الصادر عام 1898 [11]، الذي كان من أسرع كتب الحملة ظهوراً وأوسعها انتشاراً. وهو كتاب صحفي لامع الأسلوب، يصف كتشنر آلة لا تخطئ، ويمجد التنظيم والسكة الحديد والمدافع الرشاشة، ويصف الأنصار بلغة عرقية صريحة تجعلهم مادة للمشهد لا بشراً فيه. وقيمته في رسم المزاج الإمبراطوري ساعة الانتصار، أما قيمته التاريخية عن المهدية نفسها فضئيلة، لأنه لم يكتب عنها إلا كما يكتب الصياد عن الطريدة.
ومن المراسلين كذلك بينيت بيرلي (Bennet Burleigh)، مراسل «الديلي تلغراف»، صاحب «السردار والخليفة» (Sirdar and Khalifa) عام 1898 و«حملة الخرطوم 1898» (Khartoum Campaign 1898) عام 1899، وإرنست بينيت (Ernest N. Bennett)، مراسل «الوستمنستر غازيت»، صاحب «سقوط الدراويش» (The Downfall of the Dervishes) الصادر عام 1898 [12]. ولبينيت فضل خاص، إذ كان من أوائل من كشفوا للرأي العام البريطاني، في مقالة نشرها مطلع 1899، قتل الجرحى في ساحة كرري، فأثار جدلاً في الصحف والبرلمان، ودفع ثمنه عداء أنصار كتشنر. ويكاد هذا المحور كله يشترك في أنه يصف المهدية من فوهة البندقية، فالدولة المهدية فيه ليست مجتمعاً ولا نظاماً، بل، خصم في ساحة المعركة ينبغي كسره.
وأما دور ونجت في هذا المحور فغير مباشر لكنه حاسم: فهو مدير المخابرات أثناء الحملة، ومصدر المعلومات عن العدو وأعداده وقادته، وكتبه المرجع الذي أخذ عنه هؤلاء خلفيتهم التاريخية. فالمراسلون كتبوا ما رأوه بأعينهم، لكنهم فهموه بعيني ونجت.
ميزان الصدق، ما يُؤخذ من هذه المكتبة وما يُرد
إذا جمعنا هذه الكتب في كفة واحدة ظهر لنا نمط واضح. فهي، أولاً، مكتبة مغلقة الدائرة: تشرشل ينقل عن سلاطين، وسلاطين يترجمه ونجت، وونجت ينقل عن أُروالدر الذي حرّره، وشقير يعمل في مكتب ونجت، والمراسلون يتلقون المعلومات من ونجت. فإذا اتفقت هذه المصادر على أمر لم يكن اتفاقها دليلاً على صدقه بالضرورة، بل، ربما كان صدى صوت واحد يتردد بين جدران غرفة واحدة.
وهي، ثانياً، مولد صاحبه غايب، أي مكتبة بلا سودانيين. فالأنصار في هذه الكتب يُرَون ولا يُسمَعون، ويوصفون ولا يتكلمون، إلا حين ترد رسالة للمهدي أو الخليفة مترجمة ومنتزعة من سياقها لتؤكد «تعصب» صاحبها. وحتى لفظ «الدراويش» الذي تجمع عليه هذه الكتب لم يكن اسماً اختاره الأنصار لأنفسهم، فقد نهى المهدي عن تسمية أتباعه بالدراويش وجعل اسمهم «الأنصار»، فكان الاسم الذي عرفهم به العالم اسماً اختاره لهم أعداؤهم.
وهي، ثالثاً، مكتبة صادقة في التفاصيل، مضللة في الإطار. فأسماء الأمراء، وتواريخ المعارك، وأسعار الذرة في سنة ستة، ومواقع البيوت في أم درمان، كثيراً ما تؤيدها الوثائق المهدية نفسها. لكن الإطار الذي توضع فيه، أي أن المهدية «تعصب» بلا جذور، وأن الخليفة طاغية بلا منطق، وأن الشعب كان ينتظر الإنجليز، إطار دعائي لا يصمد أمام الوثائق.
وإذا أردنا تقييماً تقريبياً لكل كتاب قلنا إن يوميات غردون أصدقها شهادة وأضيقها أفقاً، وإن كتاب شقير أوثقها في النصوص وأشدها تحيزاً في الأحكام، وإن نيوفلد أكثر الأسرى استقلالاً وأشدهم ذاتية، وإن سلاطين أغناها معلومات وأحوجها إلى الحذر، وإن أُروالدر شاهد صادق فيما رأى متهم فيما سمع، وإن ونجت أدقها تسلسلاً وأوضحها غاية، وإن كرومر أعلمها بدهاليز القرار وأجهلها بالسودان، وإن تشرشل أجرأها ضميراً وأضعفها خلفية، وإن ستيفنز أجملها أسلوباً وأقلها نفعاً للمؤرخ.
بيتر هولت، الحكم الذي خرج من بيت الخصم
وفي منتصف القرن العشرين ظهر كتاب غيّر هذه الصورة كلها: «دولة المهدية في السودان 1881–1898، دراسة في أصولها وتطورها وسقوطها» (The Mahdist State in the Sudan 1881–1898: A Study of its Origins, Development and Overthrow)، للمؤرخ البريطاني بيتر مالكولم هولت (Peter Malcolm Holt)، الصادر عن مطبعة كلارندون في أكسفورد عام 1958، وفي طبعة ثانية منقحة عام 1970 [13].
وكان هولت، المولود عام 1918، قد جاء إلى السودان عام 1941 في خدمة حكومته معلماً، ثم عمل في تنظيم الوثائق الحكومية، ومن ذلك الموقع وضع يده على كنز لم يستثمره أحد قبله بجدية: أرشيف المهدية نفسه، أي آلاف الرسائل والمنشورات والسجلات التي صادرها الجيش عند سقوط أم درمان وظلت نائمة في الصناديق نصف قرن. ثم غادر السودان عام 1955 إلى مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، حيث صار أستاذاً لتاريخ الشرق الأدنى.
ويقوم كتاب هولت على أطروحات أساسية: أن المهدية ثورة لها جذور في مظالم التركية، من ضرائب باهظة وفساد إداري ومحاولات خرقاء لقمع تجارة الرقيق أضرت بالجلابة وبفئات واسعة ارتبطت بها، وأنها في الوقت نفسه حركة إحياء ديني حقيقية تستمد مفهوم المهدي المنتظر من التراث الإسلامي والصوفي السوداني، لا مجرد «تعصب» أثاره دعيّ. وأن الخليفة عبد الله لم يكن طاغية فوضوياً فحسب، بل، بنى دولة ذات إدارة وبيت مال وجيش وقضاء، وأن صراعاته مع الأشراف وأولاد البحر كانت صراعاً على السلطة بين كتل اجتماعية لها منطقها. واستند في ذلك إلى الوثائق المهدية العربية أولاً، ثم إلى المصادر السودانية كسيرة المهدي لإسماعيل بن عبد القادر الكردفاني، ووضع كتب ونجت وسلاطين وأُرفولدر في موضعها الطبيعي: مصادر معادية تُستعمل بحذر، ويُكشف غرضها الدعائي.
فهل هولت من أعداء المهدية؟ جوابنا: لا. فالعداوة في سياق هذا المقال موقع وغرض قبل أن تكون جنسية: أعداء المهدية كتبوا لإسقاطها، أو ليبرروا إسقاطها، أو لينتصروا على ذكراها. أما هولت فكتب بعد سقوطها بستين عاماً، ولم يكن له في إدانتها غرض سياسي، ومنهجه قائم على الوثيقة لا على الشهادة المجنّدة، وأهم ما أنجزه تفكيك الرواية التي بناها ونجت ومن معه. وإذا كان لا بد من تصنيف فهو خصم للرواية الاستعمارية عن المهدية لا للمهدية نفسها، وربما كان أول من أعاد للأنصار أصواتهم في الكتابة الغربية الأكاديمية. ولهذا وضعنا الحديث عنه بعد المحاور الأربعة لا في داخلها، فمكانه منصة الحكم لا مقاعد الشهود.
لكن هذا لا يعفي هولت من النقد. فالرجل كان موظفاً في حكومة الحكم الثنائي، وبعض أحكامه على الخليفة لا تزال تتأثر بسلاطين في تفاصيل البلاط لأن البديل لم يكن متاحاً. ثم إن تركيزه على البعد الديني وعلى البنية السياسية جعله أقل عناية بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية العميقة، وهو ما انتقده عليه مؤرخون لاحقون، سودانيون وغيرهم، رأوا أن الثورة كانت أيضاً صراعاً على الأرض والتجارة والعمل. كما أخذ عليه بعض الوطنيين السودانيين أنه، على إنصافه، ظل يكتب من موقع المراقب الخارجي الذي يفسر حركة شعب بأدوات الاستشراق الأكاديمي. غير أن هذه مآخذ الباحث على الباحث، لا مآخذ الضحية على الجلاد. وقد مدّ هولت عمله لاحقاً في «تاريخ السودان الحديث» (A Modern History of the Sudan) الصادر أولاً عام 1961، ثم أعاد كتابته مع تلميذه مارتن دالي في طبعات متتالية بعنوان «تاريخ السودان» (A History of the Sudan)، فصار مرجع الجامعات لعقود.
ما وراء الكتب، الرواية والصورة والمصطلح
ولم تتوقف صورة المهدية في الغرب عند الكتب التاريخية، فقد انتقلت إلى الأدب الشعبي الذي كان أوسع انتشاراً من أي كتاب. ففي عام 1890 نشر روديارد كبلنغ (Rudyard Kipling) قصيدته عن «الفزي وزي» من البجا الذين كسروا المربع البريطاني، وفي عام 1902 نشر ألفريد ميسون (A. E. W. Mason) روايته «الريشات الأربع» (The Four Feathers)، التي تحولت إلى أفلام متكررة على مدى القرن العشرين، وقدمت لأجيال من القراء والمشاهدين السودان ساحة لاختبار شجاعة الرجل الإنجليزي، والأنصار خلفية صاخبة لهذا الاختبار. وهكذا انتقلت رواية ونجت من الكتاب إلى الرواية إلى الشاشة، دون أن تمر بوثيقة مهدية واحدة.
ومن الكتّاب غير الأوروبيين المعادين للمهدية الضابط المصري إبراهيم فوزي (Ibrahim Fawzi)، الذي خدم مع غردون ووقع في أسر الأنصار، وأصدر عام 1901 كتابه «السودان بين يدي غردون وكتشنر»، وهو يقف قريباً من شقير في خصومته للمهدية، ويضيف إليها منظور الضابط المصري الذي رأى فيها نهاية سلطان مصر على السودان.
وفي مقابل هذه المكتبة تقف مكتبة أخرى لم تجد طريقها إلى القارئ الغربي إلا متأخراً: الوثائق المهدية نفسها التي حققها محمد إبراهيم أبو سليم، والمصادر السودانية كسيرة الكردفاني ومذكرات أمراء المهدية، والدراسات الحديثة التي أعادت قراءة المرحلة كلها. ومن أبرز هذه الأخيرة كتاب فيرغس نيكول (Fergus Nicoll) «سيف النبي» (The Sword of the Prophet: The Mahdi of Sudan and the Death of General Gordon) الصادر عام 2004 [14]، الذي أعاد رواية الصراع بين المهدي وغردون بالاعتماد على المصادر العربية إلى جانب الإنجليزية، فأظهر المهدي قائداً سياسياً بارعاً في المراسلة والتفاوض، لا مجرد «متعصب» ينتظر ساعة الذبح.
من يملك الحبر
كتب الأجانب أعداء المهدية تاريخها قبل أن يكتبه أهلها، وكتبوه بمهارة ودقة في التفاصيل وسوء نية في الإطار، ووضعوه في مكتبات العالم قبل أن تصل الوثائق المهدية إلى أي مطبعة. وظل القارئ الغربي عقوداً يعرف عن الخليفة عبد الله ما قاله عنه سلاطين الذي هرب منه، وعن المهدي ما قاله عنه ونجت الذي لم يره قط. ثم جاء هولت فنزع عن هذه الرواية أقنعتها، وفتح صناديق الوثائق، فظهر للمهدية وجه أكثر تعقيداً وإنسانية، فيه الإيمان والظلم معاً، والعدل والاستبداد معاً، كأي تجربة بشرية.
والدرس الذي تتركه هذه المكتبة للقارئ السوداني اليوم ليس أن يرمي كتب الأعداء في النيل كما رمى كتشنر رفات المهدي، فذلك عبث لا يليق بالمؤرخ، بل، أن يقرأها كما يقرأ المحقق أقوال شهود الخصم: يأخذ منها ما تؤيده الوثيقة، ويسأل عن غرض كل جملة قبل أن يسأل عن صدقها، ويتذكر دائماً أن الحبر الذي كُتبت به كان يُشترى من ميزانية قسم المخابرات.
المراجع
[1] Wingate, F. R. Mahdiism and the Egyptian Sudan: Being an Account of the Rise and Progress of Mahdiism and of Subsequent Events in the Sudan to the Present Time. London: Macmillan and Co., 1891.
[2] Daly, M. W. The Sirdar: Sir Reginald Wingate and the British Empire in the Middle East. Philadelphia: American Philosophical Society, 1997.
[3] ريجنالد ونجت، المهدية والسودان المصري، تقديم بيتر هولت، نقله إلى العربية محمد المصطفى حسن، الطبعة الأولى، الخرطوم، دار عزة للنشر والتوزيع، 2009، عن الطبعة الإنجليزية الثانية، لندن، 1968.
[4] Gray, Richard. A History of the Southern Sudan, 1839–1889. London: Oxford University Press, 1961.
[5] Hill, Richard. A Biographical Dictionary of the Sudan. 2nd ed. London: Frank Cass, 1967.
[6] Toniolo, Elias, and Richard Hill, eds. The Opening of the Nile Basin: Writings by Members of the Catholic Mission to Central Africa on the Geography and Ethnography of the Sudan, 1842–1881. London: C. Hurst and Company, 1974.
[7] Ohrwalder, Joseph. Ten Years’ Captivity in the Mahdi’s Camp, 1882–1892. Translated and edited by F. R. Wingate. London: Sampson Low, Marston and Company, 1892.
[8] محمد إبراهيم أبو سليم (جمع وتحقيق)، الآثار الكاملة للإمام المهدي، سبعة مجلدات، الخرطوم، دار جامعة الخرطوم للنشر، 1990–1994.
[9] Slatin, Rudolf C. Fire and Sword in the Sudan: A Personal Narrative of Fighting and Serving the Dervishes, 1879–1895. Translated by F. R. Wingate. London: Edward Arnold, 1896.
[10] Hill, Richard. Slatin Pasha. London: Oxford University Press, 1965.
[11] Neufeld, Charles. A Prisoner of the Khaleefa: Twelve Years’ Captivity at Omdurman. London: Chapman and Hall, 1899.
[12] نعوم شقير، تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته، القاهرة، مطبعة المعارف ١٩٠٣
[13] Gordon, Charles George. The Journals of Major-Gen. C. G. Gordon, C.B., at Kartoum. Introduction and notes by A. Egmont Hake. London: Kegan Paul, Trench and Co., 1885.
[14] Cromer, Earl of. Modern Egypt. 2 vols. London: Macmillan and Co., 1908.
[15] Blunt, Wilfrid Scawen. Gordon at Khartoum: Being a Personal Narrative of Events. London: Stephen Swift and Co., 1911.
[16] Churchill, Winston Spencer. The River War: An Historical Account of the Reconquest of the Soudan. Edited by F. Rhodes. 2 vols. London: Longmans, Green and Co., 1899.
[17] Churchill, Winston Spencer. The River War: An Account of the Reconquest of the Soudan. New and revised edition in one volume. London: Longmans, Green and Co., 1902.
[18] Churchill, Randolph S. Winston S. Churchill. Vol. 1, Youth, 1874–1900. London: Heinemann, 1966.
[19] Churchill, Winston Spencer. The Story of the Malakand Field Force: An Episode of Frontier War. London: Longmans, Green and Co., 1898.
[20] Weber, Max. The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism. Translated by Talcott Parsons. London: George Allen and Unwin, 1930.
[21] Sikainga, Ahmad Alawad. Slaves into Workers: Emancipation and Labor in Colonial Sudan. Austin: University of Texas Press, 1996.
[22] Belloc, Hilaire. The Modern Traveller. London: Edward Arnold, 1898.
[23] Renan, Ernest. L’Islamisme et la science. Paris: Calmann Lévy, 1883.
[24] Keddie, Nikki R. An Islamic Response to Imperialism: Political and Religious Writings of Sayyid Jamal ad-Din “al-Afghani”. Berkeley: University of California Press, 1968.
[25] Churchill, Winston S. The River War: An Historical Account of the Reconquest of the Soudan. Edited by James W. Muller. 2 vols. South Bend, IN: St. Augustine’s Press, 2021.
[26] Steevens, G. W. With Kitchener to Khartum. Edinburgh and London: William Blackwood and Sons, 1898.
[27] Bennett, Ernest N. The Downfall of the Dervishes: Being a Sketch of the Final Sudan Campaign of 1898. London: Methuen and Co., 1898.
[28] Holt, P. M. The Mahdist State in the Sudan, 1881–1898: A Study of its Origins, Development and Overthrow. Oxford: Clarendon Press, 1958; 2nd ed. 1970.
[29] Nicoll, Fergus. The Sword of the Prophet: The Mahdi of Sudan and the Death of General Gordon. Stroud: Sutton Publishing, 2004.

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

بيانات
مؤتمر تلويحة الخلود .. كمال الجزولي
منبر الرأي
كرامة لله !
منبر الرأي
صراع المليشيات ومصير السودان .. بقلم: أحمد حسين آدم
منبر الرأي
حين تصبح لقمة العيش مغامرة محفوفة بالموت: مأساة الشعب السوداني في زمن الحرب والفقر
منبر الرأي
وراك والزمن طويل !

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

تأجيل تكوين البرلمان .. من المستفيد؟ .. بقلم: اسماعيل عبد الله

طارق الجزولي
منبر الرأي

نعم لإيقاف الصحف الرياضية ولكن؟ .. بقلم: سليم عثمان

سليم عثمان
منبر الرأي

كيف اضاعوا السودان ؟؟ .. عشر مخاز سودانيه .. تاليف عثمان ميرغني .. عرض وتعليق/ د.عادل عبد العزيز حامد

طارق الجزولي
منبر الرأي

كرونا: فرصة لاجتراح أفق تنموي جديد .. بقلم: دكتور الوليد آدم مادبو/ خبير الحِكمانية ومستشار التنمية العالمية

د. الوليد آدم مادبو
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss