بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
إن الأزمة المالية التي تعصف بالسودان اليوم ليست أزمة عابرة، بل هي مفصل حاسم سيحدد مصيره، سياسة واقتصاداً وأمناً، بحسب نوع الإجابات التي تقدمها الحكومة، ومدى جديتها في التنفيذ.
وعلى خلاف الأزمات السابقة، فإن هذه الأزمة ليست طارئة ولا مستوردة، فلا يُنجي منها ارتفاع سعر، ولا يُنهيها توقف حرب. إنها أزمة سياسية بامتياز، جذورها سياسية، وعلاجها سياسي.
وحلها داخلي، سوداني خالص، لا يُستورد ولا يُستعار، بل يُنتزع انتزاعاً بقرارات صعبة ومؤلمة، لا بد أن يتصالح عليها السودانيون ويتواصوا بها. فلا اقتصاد بلا سياسة رشيدة، ولا سياسة رشيدة بلا اقتصاد منتج، فهما جناحان لا يطير الوطن إلا بهما.
فإن بقيت هذه الأزمة بلا حل حقيقي لا ترقيعي، ولا علاج جذري لا مسكني، فإنها ستضيف سخطاً اقتصادياً إلى السخط السياسي الذي فجّر احتجاجات 2018م، وحين يجتمع جوع البطون مع غضب الصدور، وانعدام الحلول مع انسداد الأفق، فإن وقود الثورة يكون قد اكتمل، وفتيلها قد اشتعل.
وفي بلد كالسودان، ينتشر فيه السلاح انتشار النار في الهشيم، وتضعف فيه الدولة ضعف الجسد السقيم، وتتراجع فيه هيبة القانون وإنفاذه، فإن الثورة لا تكون هتافاً فحسب، بل تكون دماً يُسفك، وفوضى تعم، وتفككاً يطول، وتمزقاً لا يُلم، وانهياراً قد لا تقوم بعده قائمة.
إن هذه الأزمة هي النتيجة المنطقية والنهاية الحتمية للدولة الريعية، تلك الدولة التي لا يصنع فيها الشعب ثروته بعرق جبينه وكد يمينه، بل يتكئ على ما تحت الأرض، تسيطر عليه فئة وتوزعه بمعادلة القوة والمحسوبية والترضية.
لقد بدأت الدولة الريعية في السودان مبكراً، ثم تدهورت فصارت دولة جباية، معاشها من جيب المواطن، وخراجها من عرق الكادح، ضرائب تُنهك الحرث والنسل، ومحليات لا تحلي ولا تربط، همها الجباية من الفقير، ومطاردة الباعة في الأسواق، بدل خدمتهم وإعانتهم.
وللخروج من هذا النفق المظلم، لا بد من حزمة إصلاحات جذرية:
أولاً: مصالحة وطنية شاملة لا تستثني أحداً، مصالحة تلم الشمل وتجبر الكسر، وتطوي صفحة الأحقاد وتفتح صفحة الأمجاد، فلا إقصاء ولا انتقام، بل عدل وإنصاف، وعفو وتسامح.
ثانياً: تجريم العنصرية والجهوية والمحسوبية بنص القانون، فلا قبلية ولا جهوية، ولا محاباة ولا محسوبية، فالقانون فوق الجميع، والوطن يسع الجميع، والمواطنة هي الأساس والميزان.
ثالثاً: ضرب الفساد بيد من حديد، قليله وكثيره، صغيره وكبيره، وفضح المفسدين بلا خوف من ميديا ولا لومة لائم، فالفساد خيانة للأمانة، والرشوة سقوط للمروءة، والاختلاس جريمة في حق الوطن المنكوب المظلوم ببنيه.
رابعاً: إصلاح التعليم إصلاحاً جذرياً، نريد تعليماً منتجاً لا عقيماً، وفهماً سليماً لا سقيماً، تعليماً يوافق طبيعة البلاد وحاجة العباد، يخرّج زارعاً وصانعاً وتاجراً ومبرمجاً، لا طوابير من العاطلين الحائرين.
خامساً: تفكيك البيروقراطية وبناء جهاز حكومي رشيق، جهاز خفيف سريع، يخدم ولا يعرقل، ويسهل ولا يعقد، ويعطي ولا يأخذ، ويبني ولا يهدم.
سادساً: هيكلة القطاعات المنهارة من الجذور:
- هيكلة قطاع الكهرباء وفتح الباب للاستثمار الخاص ليضيء البيوت وينير المصانع.
- هيكلة قطاع الصحة ليداوي المريض ويضمّد الجريح.
- هيكلة الطرق والجسور لتصل الأطراف بالمركز، وتنقل الخير من الريف إلى المدينة.
- هيكلة جهاز الشرطة ليكون جهازاً مدنياً خدمياً بالكامل، يحمي المواطن لا يرهبه، ويخدم الشعب لا يجلده.
سابعاً: وهذا هو الأهم – إصلاح مالي حقيقي:
- إيقاف طباعة العملة بلا غطاء، فهي سرقة مقننة لجيب المواطن.
- توحيد سعر الصرف وإنهاء تعدد الأسواق.
- ولاية وزارة المالية على المال العام كله.
- دعم الإنتاج لا الاستهلاك، ودعم الزراعة والصناعة لا دعم الخبز والوقود.
- التحول الرقمي للجباية لمنع التسرب والرشوة، فكل جنيه يُدفع إلكترونياً لا يُسرق.
إن الأزمة المالية في جوهرها ليست أزمة جنيه ودولار، بل هي أزمة ضمير ودينار، وأزمة أخلاق قبل أن تكون أزمة أسواق، وأزمة ذمم قبل أن تكون أزمة دعم.
فإذا صلح الضمير صلح الجيب، وإذا استقامت النفوس استقامت الفلوس، وإذا صلح الراعي صلحت الرعية، وما ضاع وطن إلا بضياع أخلاق بنيه.
