قراءة تحليلية في مسار الاتهامات الأمريكية وتحركات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ومستقبل المساءلة الدولية
محمد عبدالله إبراهيم
صحفي ومدافع عن حقوق الانسان
يمثل حظر الأسلحة الكيميائية أحد أكثر المبادئ رسوخاً في المنظومة القانونية الدولية منذ دخول اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية حيز النفاذ في أبريل 1997، التي أرست حظراً شاملاً على تطوير هذه الأسلحة أو إنتاجها أو حيازتها أو استخدامها تحت أي ظرف، ويعكس هذا الحظر إجماعاً دولياً على أن استخدام الأسلحة الكيميائية يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي بما يفرض التزاماً جماعياً بمنعها وضمان المساءلة عن أي ادعاءات تتعلق بها، وانطلاقاً من ذلك فإن أي مزاعم باستخدام أسلحة كيميائية في سياق نزاع مسلح تتجاوز كونها خلافاً سياسياً أو مادة للتجاذب الدبلوماسي، لتصبح قضية ترتبط بحماية أحد أهم المحظورات الدولية، فهي تمس في المقام الأول حق الضحايا في معرفة الحقيقة والإنصاف، وحق المجتمع الدولي في مكافحة الإفلات من العقاب، كما تضمن في الوقت ذاته حق الجهة المتهمة في مواجهة تلك الادعاءات من خلال تحقيق مستقل وإجراءات قانونية عادلة تستند إلى الأدلة لا إلى الافتراضات أو المواقف السياسية.
وفي هذا السياق، لم يعد ملف السودان مجرد قضية مدرجة على جدول أعمال منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بل تحول خلال العامين الماضيين إلى اختبار حقيقي لقدرة منظومة العدالة الدولية على التعامل مع واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في النزاعات المعاصرة. فبعد أن بدأ الملف في إطار اتهامات وإجراءات أحادية اتخذتها الولايات المتحدة استناداً إلى تقارير ومعلومات، انتقل إلى أروقة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، ليصبح السودان للمرة الأولى محوراً لنقاش رسمي داخل المجلس التنفيذي للمنظمة، وبهذا التحول تجاوزت القضية حدود المواجهة الثنائية بين بورتسودان وواشنطن، إذ لم يعد النقاش يقتصر على استمرار الضغوط الأمريكية على السودان، بل اتسع ليشمل مدى فاعلية نظام حظر الأسلحة الكيميائية وقدرة آلياته القانونية والفنية على التعامل مع مزاعم بهذا المستوى من الخطورة. كما أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت هذه القضية ستقود إلى تفعيل آليات التحقق الدولية المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، أم ستظل رهينة التجاذبات السياسية والدبلوماسية بين الروايات المتباينة، بما قد ينعكس على مصداقية نظام حظر الأسلحة الكيميائية ومستقبل التزامات الدول الأطراف بالاتفاقية، ومكانة السودان داخل المنظومة الدولية.
من دارفور إلى لاهاي .. جذور القضية وعودة الاتهامات
لم تبدأ قضية مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان مع البيان الأمريكي الصادر عام 2025، بل تمتد جذورها إلى سنوات سابقة عندما وثقت منظمات حقوقية دولية مزاعم باستخدام مواد كيميائية سامة خلال العمليات العسكرية في إقليم دارفور، ولا سيما في منطقة جبل مرة عام 2016، وقد أثارت تلك التقارير اهتماماً دولياً واسعاً غير أن الحكومة السودانية نفتها بصورة قاطعة، ولم تتمكن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من إجراء تحقيق ميداني مستقل يحسم تلك المزاعم وفق الآليات المنصوص عليها في الاتفاقية، ومنذ ذلك الحين ظل هذا الملف دون حسم عبر آلية دولية مستقلة تتمتع بالمصداقية والحياد، ولم يؤدي غياب التحقيق إلى إبقاء الحقيقة محل نزاع فحسب، بل خلف أيضاً فراغاً قانونياً وحقوقياً حرم الضحايا المحتملين من حقهم في معرفة الحقيقة والإنصاف، كما حرم الجهة المتهمة من تبرئة تستند إلى نتائج تحقيق دولي مستقل إذا ثبتت براءتها، وتجسد هذه الإشكالية أحد أبرز أوجه القصور في منظومة العدالة الدولية في النزاعات المسلحة، حيث لا تصبح الحقيقة أحياناً أولى ضحايا الحرب فحسب، بل قد تتحول أيضاً إلى ضحية للتجاذبات السياسية وتعثر آليات المساءلة الدولية.
عاد الملف إلى واجهة الاهتمام الدولي مطلع عام 2025، عندما كشفت تقارير إعلامية أمريكية عن معلومات تفيد بأن القوات المسلحة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال العمليات العسكرية التي شهدها السودان عام 2024، وبعد أشهر من المراجعات الفنية والقانونية أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها توصلت وفق تقييمها إلى أن السلطات السودانية استخدمت أسلحة كيميائية، وأخطرت الكونغرس بذلك تمهيداً لفرض عقوبات بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، ولم يكن هذا الإعلان من منظور واشنطن مجرد موقف سياسي، بل استند بحسب ما أعلنته إلى تقارير ومعلومات وتقييمات فنية واستخباراتية. غير أن قضايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لا تحسم بالبيانات الحكومية أو العقوبات، لأن الحقيقة القانونية لا تبنى إلا على تحقيق مستقل ومحايد وشفاف يستوفي المعايير الدولية. فالعقوبات مهما بلغت آثارها السياسية والقانونية لا تعد بديلاً عن آليات التحقق المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وإنما تعكس موقفاً سيادياً لدولة استندت إلى تقييماتها الخاصة من دون أن تحسم من منظور القانون الدولي حقيقة الوقائع محل النزاع، ولذلك فإن بقاء الملف محصوراً بين عقوبات أمريكية من جهة وتحقيق وطني سوداني من جهة أخرى في ظل غياب تحقيق دولي مستقل، يترك مساحة واسعة للجدل، ويؤخر الوصول إلى الحقيقة التي يستحقها الضحايا، كما يكفل للجهة المتهمة حقها في الدفاع وإثبات موقفها عبر إجراءات قانونية واجبة تستند إلى تحقيق دولي مستقل وذي مصداقية، ويحد في الوقت ذاته من قدرة المجتمع الدولي على بناء موقف قانوني يستند إلى نتائج تحقق فني محايد.
العقوبات الأمريكية .. من الضغط إلى التدويل
مثلت العقوبات الأمريكية نقطة تحول مهمة في مسار القضية لكنها لم تكن المحطة الأخيرة في تطورها، فبعد أن بدأ الملف في إطار إجراءات أحادية انتقل إلى مستوى متعدد الأطراف داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، حيث أُدرج السودان للمرة الأولى كبند مستقل ضمن البند (6 هـ) على جدول أعمال المجلس التنفيذي، المعنون بـ”التصدي للتهديد الناجم عن استخدام الأسلحة الكيميائية (السودان)”، في خطوة عكست انتقال القضية من نطاق الضغوط الثنائية إلى فضاء الدبلوماسية الدولية وآليات المنظمة المختصة بتنفيذ اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وخلال الدورة (112) للمجلس التنفيذي التي عقدت في لاهاي في يوليو 2026، قدمت الولايات المتحدة واحداً من أكثر بياناتها حدة منذ بدء الأزمة، وأكدت أن تقييماتها الفنية خلصت إلى استخدام القوات المسلحة السودانية أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وأن السودان ظل وفق الرؤية الأمريكية في حالة عدم امتثال لالتزاماته بموجب الاتفاقية خلال عام 2025. كما أعلنت للمرة الأولى داخل المنظمة أن المادة المستخدمة كانت غاز الكلور، معتبرة أن ذلك يشكل انتهاكاً خطيراً لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية ويستوجب اتخاذ إجراءات تضمن العودة إلى الامتثال الكامل، ولم يقتصر البيان على تجديد الاتهامات، بل تضمن حزمة من المطالب والإجراءات التي رأت واشنطن أنها تمثل الأساس لمعالجة القضية وفي مقدمتها تقديم إعلان شامل ودقيق إلى الأمانة الفنية للمنظمة يتضمن أي مرافق أو برامج أو مخزونات أو أنشطة ذات صلة بالأسلحة الكيميائية والتعاون الكامل مع المنظمة، والسماح بإجراء عمليات تحقق وتفتيش مستقلة وفق أحكام الاتفاقية. كما رفض البيان اعتبار اللجنة الوطنية التي شكلتها السلطات السودانية بديلاً عن آليات التحقق الدولية، مؤكداً أن التحقيقات الوطنية مهما كانت نتائجها، لا يمكن أن تحل محل الآليات الفنية والقانونية التي تنص عليها الاتفاقية.
وفي السياق ذاته ربطت الولايات المتحدة استمرار ما وصفته بعدم امتثال السودان بفرض جولة ثانية من العقوبات بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، مؤكدة أن احترام اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية يمثل التزاماً قانونياً يقع على عاتق جميع الدول الأطراف، مع الإشارة إلى أنها لا تزال ترى إمكانية تسوية القضية إذا استجاب السودان للمتطلبات التي حددتها الاتفاقية. غير أن الرسالة السياسية الأبرز في البيان تمثلت في انتقال الخطاب الأمريكي من مخاطبة السودان إلى مخاطبة الدول الأطراف في المنظمة، إذ اعتبرت واشنطن أن الدولة التي تستخدم أسلحة كيميائية ولا تعود إلى الامتثال لا ينبغي أن تشارك في توجيه أعمال المجلس التنفيذي، ورغم أن البيان لم يطالب صراحة باتخاذ إجراء فوري بشأن عضوية السودان، فإنه حمل رسالة واضحة مفادها أن استمرار ما تعتبره الولايات المتحدة حالة عدم الامتثال يثير تساؤلات حول أهلية السودان للاستمرار في عضوية أحد أهم أجهزة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
الرد السوداني .. دفاع وأسئلة حول الاستقلالية
في المقابل لم تكتف السلطات السودانية برفض الاتهامات، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة تمثلت في تقديم مذكرة رسمية إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، أرفقتها بتقرير أولي صادر عن اللجنة الوطنية للتحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية. ويعد هذا التطور مهماً لأنه يمثل أول رد مؤسسي موثق تقدمه السلطات السودانية إلى المنظمة منذ بدء الأزمة، وخلص التقرير الأولي للجنة إلى أنها لم تتوصل استناداً إلى عمليات التفتيش الميداني والمقابلات والمعلومات التي جمعتها إلى أي أدلة جوهرية أو فنية أو وثائقية تثبت استخدام أسلحة كيميائية في المواقع التي شملها الفحص، وفي الوقت ذاته أكدت اللجنة أن نتائجها لا تزال أولية وأن التحقيق مستمر، وأنها ستنظر في أي معلومات أو أدلة جديدة قبل إصدار تقريرها النهائي.
ومع ذلك فإن تشكيل لجنة وطنية للتحقيق لا يعني في حد ذاته استيفاء متطلبات التحقيق المستقل وفق المعايير الدولية فالمبادئ الدولية التي تحكم التحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني تشدد على ضرورة أن يكون التحقيق مستقلاً ومحايداً وفعالاً، وأن يتمتع بالقدرة الكاملة على الوصول إلى الأدلة والشهود، وأن يكون بمنأى عن أي تضارب في المصالح أو تأثير من الجهات التي قد تكون موضع الاتهام، ومن هذا المنظور فإن إسناد مهمة التحقيق إلى لجنة أنشأتها السلطات نفسها التي تواجه الاتهامات يثير تساؤلات حقوقية وقانونية مشروعة بشأن مدى استقلالها المؤسسي والعملي، حتى وإن باشرت أعمالها بحسن نية أو التزمت بالإجراءات المعلنة، فالثقة في نتائج التحقيقات المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لا تبنى على حسن النوايا أو على الجهة التي شكلت اللجنة، وإنما على مدى توافر ضمانات الاستقلال والحياد وفق المعايير الدولية، بما يطمئن الضحايا والرأي العام والمجتمع الدولي إلى سلامة الإجراءات ومصداقية النتائج.
وفي هذا السياق، لا تمثل نتائج اللجنة الوطنية من منظور القانون الدولي، بديلاً عن آليات التحقق الدولية المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، كما لا تكفي وحدها لحسم المزاعم أو نفيها بصورة نهائية. فالتحقيقات الوطنية قد تشكل خطوة أولية في جمع الوقائع لكنها لا تغني عن تحقيق دولي مستقل عندما يتعلق الأمر بادعاءات تتصل باستخدام أسلحة محظورة دولياً، ولا سيما إذا كانت الجهة التي أنشأت لجنة التحقيق هي ذاتها السلطة التي تواجه تلك الاتهامات، فإن ذلك يثير تساؤلات جوهرية بشأن استقلاليتها المؤسسية والعملية ويخلق تضارباً في المصالح يقوض الثقة في حيادها ومصداقية نتائجها، ووفقاً للمعايير الدولية للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة، لا يمكن الاعتداد بنتائج لجنة أنشأتها الجهة محل الاتهام بوصفها دليلاً حاسماً على نفي تلك الاتهامات أو أساساً قانونياً لإغلاق الملف، لأن الاستقلال والحياد ليسا متطلبين شكليين، بل شرطان جوهريان لمشروعية أي تحقيق ومصداقيته، وفي حال عدم توافر هذه الضمانات، فإن نتائج التحقيق الوطني لا يمكن أن تكتسب بمفردها الحجية الكافية لحسم وقائع قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، ولا يمكن أن تحل محل تحقيق دولي مستقل ومحايد وشفاف يستوفي المعايير المقررة في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
السيناريوهات المقبلة .. بين التحقق الدولي واستمرار المواجهة
رغم تصاعد حدة الاتهامات والتطورات التي شهدها الملف خلال العامين الماضيين، لم تعلن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية حتى الآن عن إرسال بعثة لتقصي الحقائق أو فريق تحقيق ميداني مستقل إلى السودان، كما لم يصدر عن المجلس التنفيذي أي قرار بتفعيل آليات تحقق خاصة تتعلق بهذه المزاعم، ويعني ذلك أن القضية لا تزال حتى هذه اللحظة في إطار المداولات السياسية والدبلوماسية بين الدول الأطراف، ولم تنتقل بعد إلى مرحلة التحقق الفني المستقل التي تمثل جوهر ولاية المنظمة في التعامل مع مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية، ويفسر هذا الواقع استمرار تمسك كل طرف بروايته؛ فالولايات المتحدة تستند إلى ما تصفه بتقارير ومعلومات وتقييمات فنية واستخباراتية، وتؤكد أن تلك المعطيات كانت كافية لاتخاذ إجراءات قانونية أحادية وطرح القضية أمام أجهزة المنظمة، وفي المقابل تتمسك السلطات السودانية بنفي الاتهامات وتؤكد أن المزاعم لم تخضع حتى الآن لأي تحقيق دولي مستقل وفق الآليات المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وتعتبر أن غياب هذا التحقق يحول دون التوصل إلى حقيقة قانونية يمكن الاستناد إليها.
ومن منظور حقوقي، فإن الأزمة الحقيقية لا تكمن في تضارب الروايات بقدر ما تكمن في استمرار غياب آلية تحقق دولية مستقلة. فبقاء الملف محصوراً بين تقييمات وطنية من جهة وتحقيق وطني من الجهة الأخرى لا يحقق حق الضحايا في معرفة الحقيقة ولا يمنح الجهة المتهمة فرصة دحض الاتهامات أو تبرئة موقفها عبر تحقيق يحظى بثقة المجتمع الدولي، ولذلك فإن غياب التحقيق المستقل لا يخدم أياً من الأطراف، بل يكرس حالة من الغموض القانوني ويؤجل الوصول إلى الحقيقة التي يفترض أن تشكل أساس أي مساءلة أو تبرئة.
وفي ضوء المعطيات الحالية يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار القضية خلال المرحلة المقبلة.
السيناريو الأول .. استمرار الوضع القائم مع مواصلة الولايات المتحدة وحلفائها الضغوط السياسية والدبلوماسية والإبقاء على العقوبات، مقابل استمرار السلطات السودانية في رفض الاتهامات مع بقاء الملف مطروحاً على جدول أعمال المجلس التنفيذي من دون اتخاذ خطوات إجرائية جديدة.
السيناريو الثاني .. نجاح الدول الأطراف في الدفع نحو تفعيل آليات التحقق المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية إذا توافرت المتطلبات القانونية والإجرائية اللازمة، وهو السيناريو الذي من شأنه أن ينقل القضية من دائرة السجال السياسي إلى مسار التحقق الفني المستقل بما قد يفضي إلى نتائج تستند إلى أدلة يمكن التحقق منها وفق أحكام الاتفاقية.
اما السيناريو الثالث .. استمرار المواجهة القانونية والدبلوماسية داخل أجهزة المنظمة مع سعي كل طرف إلى تعزيز روايته وكسب تأييد الدول الأعضاء من دون التوصل إلى توافق يتيح مباشرة تحقيق دولي مستقل، وهو ما يعني بقاء القضية رهينة للتجاذبات السياسية واستمرار الجدل بشأنها من دون حسم قانوني نهائي.
وفي جميع الأحوال يبقى السيناريو الأكثر اتساقاً مع أحكام اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية والمعايير الدولية للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة هو الانتقال إلى تحقيق دولي مستقل ومحايد وشفاف، لأنه وحده القادر على حماية حق الضحايا في الحقيقة والإنصاف وضمان حق الجهة المتهمة في الدفاع عن نفسها وفق الإجراءات القانونية الواجبة بعيداً عن تأثير الضغوط السياسية أو الاعتبارات الدبلوماسية.
الخاتمة
أياً كان المسار الذي سيتخذه هذا الملف، فإن المؤكد أن قضية الأسلحة الكيميائية في السودان أصبحت واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية في النزاعات المعاصرة، وتحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية على الحفاظ على استقلال ولايتها الفنية في مواجهة الضغوط والتجاذبات السياسية المحيطة بها، وستظل الكلمة الفصل مرهونة بقدرة المنظمة والدول الأطراف على نقل القضية من دائرة البيانات والمواقف السياسية المتعارضة إلى مسار التحقق الفني والقانوني المستقل الذي يكشف الحقيقة على أساس الأدلة والمعايير الدولية.
إن احترام اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لا يتحقق عبر تبادل الاتهامات أو إصدار البيانات أو فرض العقوبات أو الاكتفاء بتحقيقات وطنية، وإنما من خلال تفعيل آلياتها القانونية والفنية بصورة مستقلة وشفافة، بما يضمن الوصول إلى نتائج تحظى بالمصداقية والقبول الدولي، وإذا كان المجتمع الدولي جاداً في حماية أحد أكثر المحظورات رسوخاً في القانون الدولي، فإن مسؤولية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والدول الأطراف لا ينبغي أن تقتصر على إدانة أي استخدام محتمل لهذه الأسلحة، بل يجب أن تمتد إلى ضمان تحقيقات مهنية تكشف الحقيقة كاملة، وتنصف الضحايا وتحفظ في الوقت ذاته حقوق الجهات المتهمة في محاكمة عادلة وإجراءات قانونية سليمة، وفي نهاية المطاف لا يمكن أن تكون الحقيقة رهينة للمواقف السياسية أو خاضعة لموازين الصراع، فهي ليست انتصاراً لطرف على حساب آخر، وإنما انتصار لسيادة القانون، ولحق الضحايا في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة، وللمبدأ الجوهري الذي قامت عليه اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ دخولها حيز النفاذ، والمتمثل في حماية البشرية من مأساة استخدام هذه الأسلحة المحرمة، وترسيخ حظرها باعتباره التزاماً دولياً ثابتاً لا يخضع للانتقائية السياسية أو ازدواجية المعايير.
محمد عبدالله إبراهيم
صحفي ومدافع عن حقوق الانسان
mohammedabdalluh2000@gmail.com
