قـرع الأجـراس .. بقلم: عمـر العمـر
بين الطرفين المتقابلين على جانبي طاولة التفاوض أيادٍ ساهمت في ركام فساد نظام الإتقاذ . بينهما وجوه جلادين ساهموا في عذابات الشعب إبان العقود العجفاء الثلاثة. بينهم من أشعل نار الفتنة ، أحرق مساكن االفقراء ، منهم من ولغ في الدماء. فكيف يصبح الشيطان ملاكاً! ثمة مقاعد جلس عليها إنتهازيون فنالوا شرفا زائفا لا يليق بأدوارهم القديمة والمصطنعة. مع هذا وذاك جاء الإتفاق وثيقة استسلام مقهورٍ أمام إرادة غلاب. كل النصوص إملاءات من قويٍ منتشيٍ على ضعيف مهزوم. ليس ثمة تنازل من طرف المنتصر بينما تعهد الطرف الآخر تقديم تنازلات فوق طاقاته. راجع مقالي المعنون “ظالم عصي مرتبك” المنشورر في 10اكتوبر 2020.
إتفاق جوبا محاكمة ظالمة من قبل قضاة غير مؤهلين بكل المعايير لبنات وأبناء أقاليم السودان. القضاة الجلادون وبينهم قتلة تجردوا من الموضوعية كما تجردوا من قبل من الأخلاق وافتقروا إلى نفاذ الرؤى كما افتقروا من قبل إلى الوطنية ففاضت الوثيقة بأحقاد رذيلة . القضاة وكلهم سدنة لم يكتفوا بإدانة أؤلئك الأبرياء بجرائم زوراً وبهتاناً بل رجموهم بعقوبات مجحفة بالغة في القسوة. تلك الأحكام صدرت والمتهمون غيابا. إذا عانت دارفور وجنوب النيل الأزرق من فساد وظلم الإنقاذ فابناء الأقاليم الأخرى دفعوا كذلك تحت ويلات ذلك النظام من أقواتهم ، دمائهم وأرواحهم.
حتى نسمو بإتفاق جوبا عن رواسب الماضي والحاضر المتخثرة ينبغي الإعتراف بصدور تلك المحاكمة الظالمة عن إفتراءات مغلوطة. الحديث الساذج عن استئثار أقاليم بحقوق التنمية لا يصدر فقط عن عقلية مسطحة بل يجافي الواقع. هناك حقائق جيوغراديمقرافية ينبغي استيعابها. مناطق الشمال ظلت طاردة نتيجة شح مواردها. شيخ المؤرخين بابكر بدري أوجز تلك الحقيقة السوسيولوجية حسب توصيف أحد أساتذتنا المرموقين في أربع كلمات ” السافل يلد والصعيد يربي”. ضرب أؤلئك قي أصقاع الوطن شرقا ، غربا ، وسطا وجنوبا. لا تخلو مدينة ذات ثقل تجاري أو مركز استراتيجي على خارطة الوطن لا تجد فيها أحياء سكنية مسماة بقبائل من السافل.
لمّا جاءت تيارات الحداثة الوافدة عبر الشمال فقد تأثرت تلك القبائل ببعض ما حملته. مما يحمد لتلك القبائل – بعضها يتحدّر من منابت حضارة عريقة – إدراكها منذ وقت مبكر أهمية التعليم في التنمية على مستوى الفرد، العائلة ،القبيلة والوطن فسخّرت عائلا ت إمكاناتها لتعليم أبنائها ولو عبر نظام تكافل قبلي أحايين. هكذا تجد أباء يرسلون ابناءهم إلى أقربائهم في مدن نائية كما تجد عائلات تفتح بيوتها لتلاميذ من خارج شبكة أرحامها أحياناً. يحدث ذلك بينما كانت قبائل ترفض إلحاق ابنائها بالمنظومة التعليمية أو تتأبى فتح مدارس في مناطقهم تحت أوهام تخلف عتيقة. هكذا ساهمت قبائل الشمال في توسيع رقعة الوعي في أرجاء الوطن. هي محقةٌ في الشعور باجحاف إتفاق جوبا في حقوقها بل القسوة عليها بتحميلها ما لا طاقة لهبه دون جريرة. كيف يستقيم الحكم بوقف حركة مجتمع ما من أجل دفع حركة مجتمع آخر بحجة لحاق الآخر بالأول! العقل يفترض إنماء المناطق المتأثرة بالحرب عبر برنامج متكامل مدروس ليس عبر فرض أتاوات مالية مهولة مقطوعة في وضع إقتصادي مأزوم.
لهذا يبدو الضجر الناجم عن إتفاق جوبا في بعض جنبات الوطن شعورا مشروعا. ذلك احساس ساهم في تهييجه مشهد وصول الموقعين على الإتفاق والإحتفاء بهم في ساحة الحرية. المناسبة وكيفية إخراجها تفضحان عقلية من المفترض جرى كنسها في مهب رياح الثورة العارمة. التصريحات المتواترة عن محاصصة مقاعد السلطة لا تزيد فقط من هيمنة تلك العقلية بل تشي – وهي مصحوبة بممارسات فجة- بسعار ينم عن نزعة ثأرية. تلك النوبات المتشنجة تفضي حتماً إلى ردود فعل غير عقلانية . تلك حقيقة فيزيائية؛ لكل فعلٍ ردُ فعل مساوٍ له و مضادٍ في الإتجاه. ثمة أطراف تتحفز كي تحصي إنتماءات شاغلي المناصب في هياكل الدولة المرتقبة. ذلك تحفز ينذر بنوبات إلتهاب مجتمعية سالبة . لهذا ينادي العقلاء بإعلاء معايير الكفاءة على الإنتماءات الإقليمية الضيقة في الإختيار. تكريس المحاصصة تحت أي الدعاوى يفتح الأفق أمام نقض قماشتنا القومية الواهنة عوضاً عن شد عصبها. لكم العبرة البيّنة في لبنان والعراق.
لذلك كله ينبغي على كل الأطراف الإنضباط وعدم الإنجراف وراء المشاعر غير الناضجة. من المهم كبح ردود الفعل االموتورة المتناثرة في بعض الأمكنة .
لا توجد تعليقات
