خالد أبوأحمد
أتذكر جيداً الأيام التي أعقبت انتفاضة أبريل 1985 وتأسيس (الجبهة الإسلامية القومية)، فقد انتشرت أدبيات الحركة التي تتحدث عن دولة العدل وتحكيم الشريعة الإسلامية، وكان أول لقاء شبابي جامع للحركة الإسلاموية بعد الانتفاضة مباشرة في أرض المعسكرات جنوب الخرطوم، اجتمع فيه نحو ثلاثة آلاف شاب وشابة، وخاطبه القيادي علي عثمان محمد طه نائب الأمين العام، وكان الأمين العام يومها الدكتور حسن الترابي، فتحدث عن مجاهدات الحركة في عقودها الماضية، وأثنى على الشباب، ورسم معالم المرحلة المقبلة ودورهم في الدفاع عن الحركة وهي تخوض معارك ترسيخ الإسلام في المجتمع السوداني، ومنّاهم بدولة الشريعة الإسلامية، وأكثر من العبارات التي ألهبت حماسهم حتى علا التهليل والتكبير في المكان، وكان علي عثمان يستشهد بالقرآن الكريم بلباقة المفكر الجهبذ، ويقلد الدكتور الترابي في تحريك يديه وفي تعديل وضعية الشال الذي كان يضعه على كتفه.
وأذكر أننا كنا ذلك اليوم ونحن حديثي تجربة بمثل هذه التجمعات وهذه الأفكار في قمة السعادة بما سمعناه من أمنيات وقيم إسلامية، ومن عبارات ربما كانت المرة الأولى التي نسمعها، كانت وعوداً تهز المشاعر، وفي الوقت نفسه تؤسس لدى كل شاب منا لمرحلة جديدة من مراحل حياته، وكنا بعنفوان الشباب نردد الأناشيد التي تمجد الحركة
لا أبالي لا أبالي..إنني شعب مثالي..قد تربى بين قرآن وساحات القتال
مسلم قالت جموعي لست بعثي لا شيوعي..عانقت أصلي فروعي رافضا إي انفصال
سوف نبي بالعقيدة دولة الدين الرشيدة لا دويلات عديدة شيدت في الرمال
وبعد ذلك انتشرت الدُّور التي كانت تنشط بالندوات والمحاضرات ذات الطابع السياسي، أما الفعاليات الدينية والروحية فكانت قليلة جداً، حتى المساجد لم يكن فيها النشاط المفترض من حركة تسمي نفسها (إسلامية)، فقد كان التركيز كله على السياسة والإعلام، ومضت الحركة تبني تنظيمها السياسي (الجبهة الإسلامية القومية) وتنظيماتها الفئوية للطلاب والمرأة والقطاعات المهنية من الأطباء والمهندسين وغيرهم، وبعد أعوام قليلة استولت على السلطة، واليوم بعد نحو أربعين عاماً على تأسيس الجبهة، وأكثر من ستة وثلاثين عاماً على وصولها إلى الحُكم، كانت النتيجة هذا الواقع المزري الذي نعيشه، دمار وقتل وانهيار في كل المجالات، حتى أصبحنا أنموذجاً في السقوط، وفي تشريد الملايين ونزوحهم.
ومن خلال الرصد والمتابعة واهتمامي المستمر بشأن الحركة الإسلاموية السودانية والكتابة عنها، أعتقد أن الحديث عن نهاية الفكرة الإسلاموية في السودان والمنطقة لم يعد كلاماً نظرياً يتناقله الباحثون والمهتمون فيما بينهم، فقد أصبح واقعاً يراه كل من يستمع إلى ما يقوله الناس في البيوت والأسواق ووسائل التواصل، ولا أقصد هنا أن التنظيمات اختفت أو أن قادتها غابوا عن المشهد، فهم لا يزالون حاضرين بسلاحهم وأموالهم ومنابرهم وأفكارهم النتنة، وإنما أقصد أن الناس لم يعودوا يصدقونهم، وهذه هي النهاية الحقيقية لأي مشروع سياسي، وقد سُئل الحكيم الصيني كونفوشيوس قبل خمسة وعشرين قرناً عما تحتاج إليه الدولة، فقال إنها تحتاج إلى ما يكفي من الطعام، وما يكفي من السلاح وإلى ثقة الناس، فلما سُئل عما يمكن التخلي عنه أولاً قال السلاح، ثم الطعام، وأبقى على الثقة لأن الدولة لا تقوم إذا فقد الناس ثقتهم فيها، فالجماعة قد تبقى أعواماً طويلة بقوة التنظيم والمال، لكنها تفقد قيمتها إذا فقدت ثقة الناس.
وعدٌ جميل وتجربة كاملة
وبعد كل هذه الأعوام من التجارب الماثلة، والواقع الذي عاشه السودانيون في الداخل والخارج وتأذّوا منه، جاء سقوط نظام الإسلامويين إعلاناً عن نهاية مشروع لم يكن له وجود أصلاً إلا في مخيلة من رسموا ملامحه، وربما كان الأصح أنه مشروع دمار كبير طال كل جوانب حياة السودانيين، وما زال هذا الدمار مستمراً فيما تبقى من الدولة السودانية. لقد بدأت الفكرة الإسلاموية بوعد جميل ومغرٍ، إذ وعد أصحابها السودانيين بدولة يسودها العدل ويحكمها رجال أمناء نظيفو الأيدي، وقالوا إن تطبيق الشريعة سيملأ البلاد خيراً وبركة، ورفعوا شعار (المشروع الحضاري) الذي سيجعل السودان قدوة للعالم الإسلامي كله، وردد الناس معهم (نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع). وقد صدّق كثير من السودانيين هذا الوعد بإخلاص في البداية، ورأوا فيه مخرجاً من مشكلات الحكم والاقتصاد التي عانت منها البلاد منذ الاستقلال، غير أن الخداع كان حاضراً منذ الليلة الأولى، فقد خرج قادة الحركة على الناس ينكرون أي صلة لهم بالانقلاب، ويؤكدون أنه تحرك عسكري لا علاقة للحركة به، فكان ذلك أول درس قدمه المشروع للسودانيين، وهو أن الوصول إلى السلطة عند هؤلاء يبرر الكذب، حتى على الشعب الذي جاءوا باسم الدين لهدايته، ويذكرني هذا بما قاله الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- للخوارج عندما رفعوا شعار (لا حُكم إلا لله)، فقال (كلمة حق أريد بها باطل)، فالشعار الديني الصادق في ظاهره قد يحمل في داخله رغبة في السلطة لا علاقة لها بالدين.
وتختلف التجربة السودانية عن غيرها من تجارب الإسلامويين في الحُكم في أنها الأطول والأكمل، فقد حكموا السودان وحدهم ثلاثين عاماً دون شريك يمكن أن يلقوا عليه اللوم، وسيطروا على كل مفاصل الدولة، الجيش والأمن والاقتصاد والإعلام والتعليم والقضاء، وطبقوا مشروعهم كما أرادوا دون أن يعترضهم أحد، ولذلك لا يستطيعون اليوم أن يقولوا ما يقوله أنصارهم في دول أخرى من أنهم لم ينالوا فرصتهم كاملة، أو أن الانقلابات والمؤامرات منعتهم من تحقيق وعودهم، لقد أخذوا الفرصة كاملة وأخذوا الوقت الكافي، والنتيجة يراها الجميع دمارا كاملا.
حصاد ثلاثين عاماً
وما وصلت إليه هذه التجربة واضح ولا يحتاج إلى شرح كثير، فقد انفصل الجنوب عام 2011 وخسر السودان قرابة ربع مساحته وأغلب نفطه، واشتعلت الحرب في دارفور وقُتل فيها مئات الآلاف، وصدرت مذكرة توقيف دولية بحق رأس النظام بتهم من بينها الإبادة الجماعية، وانهار الاقتصاد حتى أصبح السودانيون يقفون في طوابير طويلة للحصول على الخبز والوقود، وصارت مؤسسات الدولة ملكاً للتنظيم وأبنائه، انتظر الناس العدل فوجدوا الفساد، وانتظروا الاكتفاء فوجدوا الجوع، وانتظروا القدوة فوجدوا بلداً يهاجر منه أبناؤه بالملايين، ثم جاءت هذه الحرب المدمرة فزادت الصورة سواداً، فنزح أكثر من عشرة ملايين سوداني، وانتشرت المجاعة والأمراض، ودُمرت المدن، بينما يرفض الإسلامويون كل دعوة للسلام ويرسلون الشباب إلى الموت.
وقد سبق ابن خلدون إلى تفسير هذا المصير قبل ستة قرون، فعقد في مقدمته فصلاً عنوانه (الظلم مؤذن بخراب العمران)، وبيّن فيه أن الدولة التي تظلم الناس في أموالهم وأرزاقهم تقتل فيهم الرغبة في العمل والبناء، فيضعف العمران ثم تسقط الدولة نفسها، وقبله قال ابن تيمية كلمته المشهورة إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، وهذا ما عاشه السودانيون بأنفسهم، فالشعارات الإسلامية لم تحمِ دولة أقامت حكمها على الظلم والفساد، وكتب عبدالرحمن الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد) أن الاستبداد أصل لكل فساد، وقد جمعت التجربة السودانية الاستبداد والفساد معاً تحت لافتة الدين.
وقد عبّر الأديب الكبير الطيب صالح عن دهشة السودانيين المبكرة بهذا الحكم في مقالته الشهيرة التي تساءل فيها (من أين أتى هؤلاء؟)، وكتبها في الأعوام الأولى للنظام، فقد رأى في الحكام الجدد غرباء عن طبع السودانيين وسماحتهم وكرمهم، ثم صار سؤاله على مر الأعوام سؤالاً يردده كل سوداني يرى ما فعله هؤلاء ببلده وأهله.
هذه النتائج هزت قناعات السودانيين كما لم يحدث من قبل، فالجيل الذي وُلد وتربى في عهد نظام الحركة الإسلامية، وسمع خطابها في المدارس والمساجد ووسائل الإعلام، هو نفسه الجيل الذي خرج إلى الشوارع في ديسمبر 2018 يطالب بسقوطها، وهذا في رأيي أقوى دليل على سقوط المشروع، فقد فشل في إقناع الأبناء الذين رباهم بنفسه وشكّل تفكيرهم طوال ثلاثين عاماً، وحتى كثير من أعضاء الحركة الإسلامية تركوها وكتبوا شهاداتهم عن الوعود التي ضاعت والمبادئ التي تخلى عنها التنظيم من أجل السلطة والمال، وكان السودانيون قد رأوا قبل ذلك كيف انقسم أهل المشروع على أنفسهم في المفاصلة الشهيرة عام 1999، عندما أبعد البشير شيخه الترابي، ثم عاد الترابي إلى السجن الذي دخله أول مرة تمويهاً، فدخله هذه المرة حقيقة على يد تلامذته، فصدق فيهم القول الذي اشتهر أيام الثورة الفرنسية (الثورة تأكل أبناءها)، واليوم إذا تحدثت مع أي سوداني عادي عن استخدام الدين في السياسة فستسمع في كلامه مرارة التجربة أكثر مما تسمع حماساً للفكرة.
صورة انكسرت في أفريقيا والمنطقة
ولم يتوقف أثر التجربة السودانية عند حدود البلاد، ففي التسعينيات قُدّم النظام في السودان على أنه مركز لنشر المشروع في القارة الأفريقية والعالم الإسلامي، واستضافت الخرطوم (المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي) الذي جمع الحركات الإسلامية من دول كثيرة، وانتشرت مؤسسات مثل (منظمة الدعوة الإسلامية) و(الوكالة الإسلامية الأفريقية للإغاثة) في دول القارة، واستقبلت (جامعة أفريقيا العالمية) آلاف الطلاب الأفارقة الذين عادوا إلى بلدانهم وهم يحملون صورة السودان على أنه نموذج للدولة الإسلامية الناجحة، واليوم يرى هؤلاء وأبناؤهم هذا النموذج وقد انتهى إلى حرب ومجاعة وتشريد، ويرون السودانيين لاجئين في بلدانهم بعد أن كانوا يأتون إليهم دعاة يبشرون بالمشروع، وقد انكسرت هذه الصورة في عيون الأفارقة انكساراً كبيراً، فالدعاية التي استمرت أعواماً طويلة انهارت أمام صور المخيمات على حدود تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا، ويصدق على تلك الدعاية القول المنسوب إلى الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن إنك تستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وبعض الناس كل الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت، ولم يعد السودان قادراً على إقناع أحد بتجربته، فمن يقبل أن يسير خلف نموذج أوصل أصحابه إلى هذه الحال؟
وفي المنطقة العربية جاءت التجارب الأخرى لتؤكد ما كشفه السودان، ففي مصر سقط حكم الإخوان عام 2013 بعد عام واحد فقط، وفي تونس انتهت تجربة حركة النهضة بإجراءات يوليو 2021، وفي المغرب خسر حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2021 أغلب مقاعده، فتراجع من 125 مقعداً إلى 13 مقعداً، والتجربة المغربية مهمة بشكل خاص، لأن الخسارة جاءت عبر صناديق الاقتراع وباختيار الناخبين أنفسهم، وهذا يرد على ما يردده الإسلامويون دائماً من أنهم ضحايا الانقلابات والمؤامرات، فالناس جربوهم في الحكم ثم قالوا كلمتهم بأنفسهم، وتعلمت شعوب المنطقة أن تفرق بين الدين وبين من يرفعون شعاره، وهو المعنى الذي تحمله الكلمة المأثورة عن الإمام علي (لا يُعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله)، وكانت التجربة السودانية حاضرة في أذهان هذه الشعوب، فقد أصبح السودان المثال الذي يذكره كل من يحذر من وصول هذه الجماعات إلى الحكم.
ما بقي من المشروع
وهناك جانب إنساني مؤلم في هذا الموضوع لا بد من الحديث عنه، وهو الشباب الصغار الذين يقاتلون اليوم مع الإسلامويين، فكثير من هؤلاء لا يعرفون شيئاً عن تاريخ التنظيم ولا عن صراعاته على السلطة والمال، وإنما دخلوا الحرب بعد أن خدعهم الخطاب الديني وحملات التعبئة والاستنفار التي تقول لهم إن الحرب جهاد وإن الموت فيها شهادة، وهناك شباب آخرون لم يذهبوا إلى الجبهات بسبب أي خطاب، وإنما دفعتهم إليها الظروف الاقتصادية الصعبة في هذا الوقت العصيب، فالشاب الذي فقد عمله ودراسته ونزحت أسرته ولا يجد ما يطعمها به يقبل بأي راتب يعيل به أهله حتى لو دفع حياته ثمناً لذلك، هؤلاء الشباب ضحايا للمشروع نفسه، يدفعون أرواحهم في حرب لا يستفيد منها إلا القادة الذين تعيش أسرهم في عواصم الخارج وتُدار أموالهم بعيداً عن الجبهات، والجماعة التي تستغل عاطفة الشباب الدينية وحاجتهم إلى المال لتبقى في السلطة تقدم دليلاً جديداً على أن الحلم الذي وعدت به الناس أصبح وسيلة لاستهلاك أبنائهم.
فما الذي بقي من المشروع؟ بقي التنظيم بأمواله وعلاقاته، وبقي السلاح والكتائب، وبقيت المنابر الإعلامية التي تكرر الشعارات القديمة نفسها، أما الفكرة التي كانت تجذب الناس وتجعلهم يضحون من أجلها فلم تعد موجودة، والحلم الذي حمله جيل كامل سقط تحت أنقاض المدن المدمرة وفي مخيمات النزوح، والجماعة التي تعتمد على السلاح وحده لتبقى تعترف بذلك أنها خسرت قدرتها على إقناع الناس، وقد شرحت الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت هذه الحقيقة في كتابها (في العنف)، فكتبت أن العنف يستطيع أن يدمر السلطة لكنه عاجز تماماً عن صنعها، ويُروى عن نابليون بونابرت، وهو رجل عاش حياته كلها بالسيف، أنه قال إن في العالم قوتين هما السيف والروح، وإن السيف تهزمه الروح على المدى البعيد.
إن نهاية الفكرة الإسلاموية التي أتحدث عنها هي نهاية ثقة الناس وقبولهم، وقد بدأت في السودان ثم امتدت آثارها إلى أفريقيا والمنطقة كلها، ودفع السودانيون ثمناً غالياً حتى وصلوا إلى هذه القناعة، دفعوه من أرواح أبنائهم ووحدة أرضهم ولقمة عيشهم، وقد قال الفيلسوف جورج سانتايانا إن الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بتكراره، ولذلك فإن المسؤولية اليوم على المثقفين والكتاب والإعلاميين أن يوثقوا هذه التجربة بأمانة، حتى لا تضطر الأجيال القادمة في السودان أو في غيره إلى دفع الثمن نفسه لتتعلم الدرس ذاته.
الأحد 25 أكتوبر 2026م
#أختانا خلاص
