الإسلامويين ودولة المرابطين في السودان (١)

 


 

 

"هل يتكرر نموذج دولة الأطراف (العربية) انطلاقاً من السودان والنيجر ليجتاح غرب أفريقيا"
________
أحمد ضحية
________
مقدمة:
(الإسلامويين) وبعد أن فشل انقلابهم، وتحوّل إلى حرب كارثية، أصبحوا لا يأبهون لخطورّة (تاكتيكاتهم) على (وحدة وسلامة السودان بتكوينه الحالي)، الذي هو عملياً الآن في مهب الرِّيح؛ ما لم يوقفوا هذه الحرب. بدلاً عن الترويج (للنعرات العنصرية)، والتهافت بوصف البعض بأنهم (غير سودانيين)، في سياق الكيد السياسي "لاستقطاب عداء الشعب" ضد (أجنبي مُتخيَّل!).
كل ذي بصر يمكنه أن يرى بوضوح، أن "نظام اللجنة الأمنية" الذي خلفه النظام البائد وراءه، فقد السيطرَّة على أجزاء واسعة من الأراضي السودانية، وتؤكد أحداث (الجنينة) مؤخراً، والأحداث المماثلة في عقابيل سقوط نظام ٣٠ يونيو ١٩٨٩ الإسلاموي، والأحداث بعد انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ في "منطقة النيل الأزرق"، فقدان النظام "احتكار الاستخدام المشروع للقوَّة والسلطة"؛ في الكثير من أجزاء السودان!
وهذه نتيجة طبيعية لتآكل السلطة الشرعية التي وفرتها ثورة ديسمبر ٢٠١٨ لحكومة حمدوك، خصوصاً بعد انقلاب ٢٥ أكتوبر. فالنظام كما كشفت هذه الحرب المستعرَّة الآن —التي خططت لها ونفذتها العناصر الإسلاموية، سواءاً داخل الجيش والشرطة، أو "بقايا كتائب الظل"؛ الذين يمثلون "أحد مفاصل الجناح المسلح"؛ للحركة الإسلاموية— العجز عن اتخاذ قرارات موحدة، وتعدد مراكز القرار داخل النظام، وعدم القدرّة على توفير الخدمات العامة.
لدرجة موت بعض (المسنين والأطفال) نتيجة للعطش والجوع، فضلاً عن مئات القتلى وآلاف الجرحى؛ نتيجة قصف طائرات النظام للأحياء السكنية؛ التي تختبئ داخلها قوات الدعم السريع. وكذلك عدم قدرّة النظّام على التفاعل مع دول الاقليم والعالم؛ كعضو كامل العضوية في المجتمع الإقليمي والدولي، بعد أن تخطت الإدانة الحكومة الانقلابية، إلى التشكيك في (شرعية الجيش) نفسه، وأصبح جدوى استمراره في قصف المواطنين بعد ١٧ يوماً من بداية هذه الحرب العبثية موضع إدانة وتساؤل، بل ويحوله هو نفسه شيئاً فشيئاً إلى ميليشيا!
يجب أن ندرك أن السودان كان مجاوراً لـ(تسعة دول) قبل انفصال الجنوب، والآن بعد الانفصال يجاور (سبعة دول). وكل هذه الدول لدينا معها (مجموعات مشتركة). وهي مشكلة تعود لفترَّة الاستعمار، الذي قام بترسيم الحدود على هواه (كيفما اتفق)، فلم يعتمد (التقسيم الجغرافي) (التطابق) مع (الحدود الثقافية) لهذه المجموعات المشتركة!
فبعد أن رحل المستعمر؛ طفت إلى السطح أزمات الحدود بين الجيران، وبالتالي "المجموعات المشتركة". وقد تسبب ذلك في نزاعات و إزهاق أرواح، فضلاً عن الكُلفة الاقتصادية الهائلة؛ في مناطق جغرافية تعاني من الفقر والمرض، رُغم غناها بالموارد والثروات الثمينة، مثالاً لذلك الصرّاع على "الفشقة" بين (السودان وإثيوبيا) والصراع على مثلث "حلايب" بين (السودان ومصر)، والصراع على (أبيي وهجليج) بين (السودان وجنوب السودان). وكلها مناطق تنطوي على ثروات ومجموعات مشتركة.
ورُبما بدا ذلك واضحاً في تهديد (الناظر ترك) بضم الشرق إلى (مصر)، فربما أن في ذهنه، أن "الحدود الثقافية لشعب البجا"، تشمل (حلايب)، التي كل سكانها هم من قبائل وبطون مجموعة (البجا). وفي الحقيقة الحدود الثقافية (للبجا) لا تشمل (مثلث حلايب) فقط؛ بل تشمل جزءاً من جانبي حدود إثيوبيا واريتريا أيضاً. مثلما يشترك جنوب النيل الأزرق مع إثيوبيا كذلك في بعض المجموعات، من جهة أخرى.
وأيضاً (النوبيين) كمجموعة واحدة، مقسومة بين السودان النيلي وجنوب مصر. وكلها تقسيمات حدودية صنعها المستعمر اعتباطياً، لا يد فيها للنظم المتعاقبة.
ورُبما كثيراً ما تردد على مسامع المهتمين، مسمى (دولة الزغاوة الكبرى)، فالحدود الثقافية "للزغاوة" تشمل أجزاء من دارفور وتشاد وليبيا وأجزاء من شمال أفريقيا على نحوٍ عام، إلخ.. حيث تعتبر كل هذه المساحة بمثابة وطنهم الأم! وهم ليسوا وحدهم، فهناك العديد من المجموعات السودانية المشترّكة الأخرى، والمقسمة على عدّة دول؛ على جانبي الحدود الفاصلة؛ بين السودان وجيرانه.
وبذات القدر نجد (البَقَّارَة والأبالة) كمجموعة إثنية كبيرة، تتكون من عدّة قبائل و عشائر وبطون وأفخاذ تجمع بينها لغة واحدة، وديانة واحدة وتاريخ موحد، وعادات وتقاليد مشترّكة. و يتجاوز تعدادها الكلي ١٨ مليون نسمة حسب زعم بعض أبنائهم، الذين يزعمون أيضاً أنهم يمثلون نسبة ٧٠% من سكان إقليمي دارفور وكردفان.
وعلى أي حال تنتشر هذه المجموعة، في نطاق جغرافي واسع يُعرف بـ(حزام البَقَّارَة) يمتد في المنطقة من تخوم الحدود (الإثيوبية الإريترية) مع السودان، وحتى الأطراف الحدودية (النيجرية) مع تشاد، نيجيريا، جمهورية أفريقيا الوسطى، الكاميرون، وجنوب السودان. وقد لعب (البَقَّارَة) دوراً تاريخياً وسياسياً كبيراً، خصوصاً في تشاد. وكذلك في السودان خلال فترّة الثَّورة والدولة المهدية وما بعدها. ومؤخراً تمكن بطن من بطونهم من تقلد السلطة في (النيجر).
وكما هو معلوم أن ترسيم الحدود تم من قبل الاستعمار، هو أمر حدث في أفريقيا كلها، وليس السودان وحده، وأدى لنفس المشكلات التي يعاني منها السودان، فالمجموعات المشتركة على جانبي الحدود، تعبر في (حدودها الثقافية)، لا تبالي بـ(التقسيم الجغرافي) وسيادة الدول، إلخ. ووفقاً "للمنطق الثقافي" لا يمكننا منعها!.. ووفقاً "للمنطق الجغرافي"، كل ما بالامكان فعله هو أن تتم مراجعة الجنسية للتأكد من صحتها، واتخاذ الإجراء القانوني اللازم، والمعالجات عند ثبوت عدم صحتها، وتقنين وجود هذه المجموعات المشتركة وحركتها، فالمجموعة نفسها تعيش على جانبي الحدود، و جانبي الحدود (ثقافياً) هو وطنها.
ومن جانب آخر السودان أساساً "أرض هجرات" عبر مراحل التاريخ المختلفة، بحكم أراضيه المنبسطة، تحدث من آن لآخر هجرات داخله وكذلك منه وإليه، سواء هجرات جماعية أو هجرات أفراد. المحصلة هي (هذا التنوع)، وانتشار (كل القبائل) في (كل أنحاء الجغرافيا).
بمعنى أنك لو ذهبت لأي مكان في السودان.. على سبيل المثال ستجد (النوبة) أو (الفور)، ولو ذهبت إلى جبال النوبة نفسها أو دارفور، ستجد مجموعات هم ليسوا (نوبة) وليسوا (فور)؛ وقس على ذلك مجموعات السودان الأخرى؛ من أقصى الشمال إلى أقصى الشرق والغرب و(الجنوب الجديد) وكذلك الوسط.
ولذلك مزاعم هذا (أجنبي) وهذا (سوداني) حقائق واقع (التنوع التاريخي والتنوع المعاصر) للسودان ستسقطها بكل بساطة، فهي مزاعم لا قيمَّة لها، سواء علمياً أو سياسياً. كما أن هذا السؤال نفسه سؤال (متخلف)، فالدول التي (يحترم قادتها أنفسهم) شرَّعت قوانين منحت بموجبها الجنسية للأجنبي، وفق اشتراطات وضوابط قانونية ومُدد إقامة زمنية محددة، للحصول على جنسية هذا البلد أو ذاك.
ناهيك عن أن المجموعات السودانية وامتداداتها المشتركة، لا يجب وصف أياً منها بأنها أجنبية (فعلاً)، لأن هذا الزّعم كما نراه في دعاية (الفلول) الآن هو (تكتيك سياسي)، يريد أن يخدم به (الإسلامويون) صراعهم مع (الدّعم السريع)، وهذا لعب بالنّار، لأنه يفتح الباب لاستقطابات إثنية، متى اندلعت ليس بالإمكان التحكم فيها، أو إيقافها، خصوصاً في مناخ هذه الحرب البشعة. كما أن التكتيكات.. عندما يتعلق الأمر بوحدة بلد (هش) مثل السودان، يجب أن لا تتخطى الخط الأحمر، مهما كانت الأسباب والدوافع!
ويجب أن ندرك أنَّ زيادة حدّة صراعات القوى الكبرى في العالم؛ خصوصا أميركا وروسيا والصين، وكذلك دول الإقليم كمصر والامارات والسعودية وتركيا وتكالبهم على استقطاب السودان، في محاولة من هذا الطرف أو ذاك من أطراف الصراع الدولي أو الاقليمي، للإمساك بزمام الأمور، بالاستفادة من الاختلالات البنيوية للدولة السودانية، والخلَّل في موازين القوى الدولية والإقليمية لمصلحته، يُشكِّل عاملاً إضافياً في التعامل بحساسية مع العناصر الاثنية في الأزمة السودانية، نظراً لامتداداتها الإقليمية، لأن أي محاولة لتوظيف العامل الاثني من طرفي الصراع، سيؤدي غالباً في خاتمَّة المطاف، إلى حرب أهلية لا هوادة فيها، بل وعابرة للحدود على أقل تقدير!
ما هو أكثر أهمية إذن أن مزّاعم (الإسلامويين من دُعاة الفتنة)، الذين يحاولون منح (صكوك التجنيس) للسودانيين —وفي هذا التوقيت الحرج بالذات— بـ(مزاجهم) وتحديد من هو (أجنبي) ومن هو (غير أجنبي)، عليهم أن يسألوا أنفسهم أولاً: ألم يكتشفوا أن هؤلاء (تشاديين ونيجريين) وليسوا (سودانيين) إلا الآن؛ بعد ٣٤ سنة من حكمهم؟!
وكيف سمحوا لأجانب؛ أن يكونوا موجودين في كل ركن من أركان جغرافيا السودان الكبير، وفي كل مؤسسات الدولة وأكثرها حساسية، لأكثر من ثلاث عقود؟ هذا إذا كان (محاميد السودان) —وهم بطن من بطون (الرزيقات)— الذين تنتمي إليهم معظم مكونات (الدّعم السريع) أجانب!
وفي الواقع أن النظام البائد هو من قام باستجلاب الأجانب وأعاد توطينهم في دارفور وقام بتجنيسهم، والآن ليس هناك (أجانب) في هذه البلاد، سوى سفهاء الحركة الإسلاموية أنفسهم، بحكم "أيديولوجيا الاسلام السياسي" الشاذّة، التي شكَّلت وحكمت سلوكهم الفاسد والشاذ وأخلاقهم المختلة، التي قادت لهذه الحرب البشعة، والتي لا علاقة لها بأي مكوِّن ثقافي أو إثني من مكونات السودان.
لكن الأهم من كل ذلك كما ذكرنا، لا يُعقل أن تكتشف فجأة، بعد ٣٤ سنة من حكمك الإسلاموي (الأممي) البغيض، الذي (أصلا لا يعترف بحدود لـ"ديار الإسلام") أن هؤلاء أو أولئك (غير سودانيين)، لتأتي الآن وتكتشف ذلك فجأة في سياق "انقلاب اسلاموي دموي فاشل!" في تناقض حتى مع الآيديولوجيا الشاذة (للإسلام السياسي) التي تعتنقها؟!
وهذا يوضح أن الإسلامويين إلى أي مدى بإمكانهم "استغلال الدين والعرق" دون أن تردعهم مخاطر تهدد السودان، أو خطوط حمراء تجاوزها يمزق الجغرافيا، و في ذلك يتناقضون مع مشروعهم نفسه، فهم كالعهد بهم؛ لو اقتضت المصالح الضيقة، لمجموعة منهم من "شذاذ الآفاق" التضحية بالدين والأخلاق والقيَّم لن يترددوا، وقد فعلوا ذلك عملياً خلال ثلاث عقود من حكمهم الكارِّثي. وهذه الحرب التي أشعلوها الآن خير مثال!
الفتنة العنصرية أخطر فتنة، لأنها هي المدخل للحروب الأهلية التي لا تُبقي ولا تذّر، خاصة في دولة تعاني الانقسامات والفشل مثل السودان، جزء من مكوناتها في الشرق والغرب والشمال (هويات مشتركة) و(عابرة للحدود).
ولذلك التشديد على الانتباه والحذر في التعامل مع العامل الإثني ضرورة وأولوية، حتى لا يتم تمرير خداع "المتأسلمين الضالين"، بعد أن فشل انقلابهم اليائس، بالزّج بالسودانيين في أتون (استقطاب إثني) بدعوى محاربة "الأجانب التشاديين والنيجريين"، وبالتالي إدخال البلد في (فوضى حرب أهلية) تجر خلفها كل "بطون الرزيقات" داخل وخارج السودان، فتصبح الفوضى التي نعيشها الآن أهون بكثير، من الجحيم الذي يريدون زج السودان فيه!
فالسودان دولة عانت من حروب داخلية طويلة (الجنوب، دارفور، كردفان، النيل الأزرق، شرق السودان: "التجمع الديمقراطي الوطني"). كما عانت من عدم شرعية ومصداقية نظام الحكم منذ انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩، وما ترتب على ذلك من عزلة دولية، وتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات العامة، وتعطيل أو تعليق تطبيق حكم القانون، وانتشار الفساد وممارسات انتهاك حقوق الإنسان، وتنامي حالة من ازدواجية المسؤولية الأمنية، بحيث تمتعت جهة ك"جهازي أمن صلاح قوش ومفضل"، بسلطة ضاهت سلطة الدولة، الأمر الذي قاد إلى حالة مزمنة من عدم الاستقرار السياسي، خاصة على المستوى المؤسساتي، مع تزايد حدّة التدخل الخارجي، واقتطاعات في الجغرافيا التي لم تعد تخضع لسلطة الدولة، سواء بالاحتلال المباشر (مصر وإثيوبيا) أو كناتج للصراع المسلح (المناطق المحررة).
ورافق كل ذلك خلال ثلاث عقود، عدم انتظام معدل التنمية الاقتصادية، واستمرار تدهور وضع الاقتصاد بدرجات متفاوتة أو حادة، بالإضافة إلى ازدياد معدلات الفساد، وانتشار المعاملات العرفية. وليس هذا فحسب، فقد تزامن كل ذلك أيضاً مع الضغوط الديموغرافية، وانخفاض نصيب الأفراد في المجتمع من الاحتياجات الأساسية، وتزايد حركة النازحين بسبب الجفاف في غرب أفريقيا، واللاجئين بسبب الحرب (إثيوبيا)، والمغتربين والمهاجرين بشكل كبير إلى خارج السودان، وتفشي ظاهرة نزيف العقول بهروب الكفاءات. والاستيلاء على أراضي مجموعات قبلية بكاملها، ومنحها لمجموعات عربية؛ بدأ النظام منذ ١٩٩٥ استجلابها من غرب أفريقيا؛ ومنحها لاحقاً أرقاماً وطنية وجنسيات سودانية، وتهجير عدد كبير جداً من السكان الأصليين في مناطق داخل الدولة بشكل قسري (دارفور)، مع وجود إرث عدائي لدى أفراد الشعب، في مناطق التهجير الداخلي، بل وحتى في غير مناطق الحرب، ما أنتج خطاباً حاداً محتقناً بالكرّاهية.. كل هذه العوامل مجتمعة، لا تسمح بالعبث بالعامل الاثني، لأنه أشبه ببرميل بارود، على أهبة الانفجار!
لقد زج الجناح المسلح للحركة الإسلاموية بالسودان في أتون حرب يائسة؛ خطط لها سفهاء الإسلامويين، إن لم تتوقف سيخسر الجميع أنفسهم وبلادهم. ليس أمام الجميع الآن سوى الضغط وبكل قوَّة لإيقاف الحرب والجلوس للتفاوض. ليس هناك خيار آخر لإنقاذ الشعب وبقائه على قيد الحيَّاة، و إنقاذ السودان من مشاريع خفية لا ندري طبيعتها على وجه الدقة وأبعادها و إلى أين ستفضي بالسودان!.. كل ما نحن على يقين منه، أن قطع الطريق وإيقاف أي مخططات معلنة أو خفيّة لا ندري كنهها، يبدأ بإيقاف الحرب والجلوس للتفاوض!

ahmeddhahia@gmail.com
//////////////////////

 

آراء