الإصلاح الإداري للخدمة المدنية في السودان (الجزء الأول)

الإصلاح الإداري للخدمة المدنية في السودان: التحديات البنيوية ومسارات التحول نحو الكفاءة والحوكمة الرشيدة (الجزء الأول)

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

تتناول هذه الدراسة إصلاح الخدمة المدنية في السودان بوصفه مدخلاً محورياً لإعادة بناء الدولة وتعزيز فعالية الجهاز الإداري وتحقيق الانتقال نحو نموذج حوكمة رشيدة قائم على الكفاءة والمساءلة والشفافية. وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن التدهور الذي أصاب الخدمة المدنية في السودان لا يمكن تفسيره بوصفه خللاً تقنياً أو إدارياً محدوداً، بل هو نتيجة تراكم تاريخي لبنية سياسية-مؤسسية غير مستقرة أنتجت جهازاً إدارياً شديد التسييس، ضعيف المهنية، ومفتقر إلى الاستقلالية الوظيفية والاستمرارية المؤسسية، مع تداخل عميق بين السلطة السياسية والبنية البيروقراطية.

يستعرض الفصل الأول الإطار العام للدراسة من خلال تحليل نشأة الخدمة المدنية في السودان خلال الفترة الاستعمارية، حيث تأسست وفق نموذج بيروقراطي هرمي صارم يقوم على المركزية الشديدة والانضباط الإداري، لكنه كان موجهاً لخدمة أهداف الإدارة الاستعمارية في الضبط والسيطرة أكثر من بناء جهاز وطني تنموي. وبعد الاستقلال، شهدت الخدمة المدنية مرحلة انتقالية اتسمت بتوسع كمي كبير دون تطوير نوعي موازٍ، حيث دخلت اعتبارات سياسية وقبلية وحزبية في عمليات التوظيف والترقية، مما أدى إلى تراجع تدريجي لمبدأ الجدارة. ويبين الفصل أن العلاقة بين الأداء الحكومي والاستقرار السياسي علاقة دائرية تفاعلية، حيث يؤدي ضعف الأداء الإداري إلى إضعاف شرعية الدولة وتزايد الاحتقان الاجتماعي، بينما يؤدي عدم الاستقرار السياسي إلى تفكيك البنية المؤسسية وإضعاف قدرتها على تقديم الخدمات العامة.

كما يحدد الفصل مشكلة الدراسة في ثلاثة محاور رئيسية مترابطة: التدهور المؤسسي الناتج عن ضعف نظم الحوكمة الداخلية، التسييس المفرط للخدمة المدنية وما ينتج عنه من فقدان الحياد الإداري، وضعف أنظمة التوظيف والترقية القائمة على معايير غير شفافة. ويضيف الفصل أبعاداً أخرى للمشكلة تتمثل في ضعف الثقافة المؤسسية، وغياب نظم فعالة للمساءلة، وتآكل الذاكرة المؤسسية نتيجة التغيير المتكرر في القيادات الإدارية. كما يوضح أهداف الدراسة التي تشمل تحليل جذور الأزمة المؤسسية، وتقييم تجارب الإصلاح السابقة في السودان، وبناء نموذج إصلاحي قابل للتطبيق يأخذ في الاعتبار خصوصية الدولة السودانية كدولة هشة متعددة النزاعات. وتبرز أهمية الدراسة في كونها تربط بين الإصلاح الإداري والتحول الديمقراطي وبناء الدولة، إضافة إلى تحسين جودة الخدمات العامة وتقليل الفساد الإداري وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.

يعرض الفصل الثاني الإطار النظري الذي يستند إلى عدة مقاربات تفسيرية متكاملة تشمل النظرية البيروقراطية الكلاسيكية التي تركز على التنظيم الهرمي والانضباط، ونموذج الإدارة العامة الجديدة الذي يركز على الكفاءة والنتائج، ونموذج الحوكمة الرشيدة الذي يدمج بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص، ونموذج الدولة التنموية الذي يربط بين قوة الجهاز الإداري والقيادة السياسية المستقرة، إضافة إلى نموذج الإدارة الرقمية الذي يركز على التحول التكنولوجي في تقديم الخدمات العامة. ويبين الفصل أن كل نموذج من هذه النماذج يفسر جزءاً من الظاهرة دون أن يحيط بها بالكامل، مما يستدعي تبني إطار تحليلي مركب يجمع بين الاقتصاد السياسي المؤسسي ونظريات بناء الدولة.

كما يحدد الفصل مؤشرات تقييم الأداء الحكومي بشكل موسع تشمل الكفاءة التشغيلية، الفعالية في تحقيق الأهداف، الشفافية في اتخاذ القرار، المساءلة المؤسسية، جودة الخدمات العامة، رضا المواطنين، سرعة الاستجابة للأزمات، القدرة على التنسيق بين المؤسسات، ومستوى الابتكار الإداري، مع الإشارة إلى أن هذه المؤشرات تتأثر بشكل مباشر بمدى استقرار البيئة السياسية والمؤسسية.

يتناول الفصل الثالث المنهجية البحثية التي تعتمد على منهج وصفي تحليلي تاريخي مقارن متعدد المستويات، يجمع بين التحليل الكيفي للمؤسسات والتحليل المقارن للتجارب الدولية. ويعتمد على مصادر بيانات متعددة تشمل الوثائق الحكومية الرسمية، التقارير الدولية الصادرة عن مؤسسات مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والدراسات الأكاديمية المحكمة، إضافة إلى بيانات ميدانية ومقابلات مع خبراء إداريين وصناع سياسات. كما يستخدم أدوات تحليل متقدمة تشمل تحليل السياسات العامة، تحليل الاقتصاد السياسي، تحليل أصحاب المصلحة، تحليل الشبكات المؤسسية، وتحليل المسارات التاريخية لتطور المؤسسات، بما يسمح بفهم ديناميكي لبنية الخدمة المدنية.

يعرض الفصل الرابع التطور التاريخي للخدمة المدنية في السودان، موضحاً أن الفترة الاستعمارية أسست جهازاً إدارياً فعالاً من حيث التنظيم والانضباط، لكنه كان موجهاً لخدمة الإدارة الاستعمارية وليس التنمية الوطنية. وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، حدث توسع إداري كبير دون إصلاح مؤسسي مواكب، مما أدى إلى تضخم بيروقراطي غير كفء. أما في فترات الحكم العسكري، فقد تم تعزيز التسييس بشكل كبير عبر سياسات التمكين وإعادة هيكلة الجهاز الإداري وفق الولاء السياسي. وفي المرحلة الانتقالية بعد 2019، ظهرت محاولات إصلاح جزئية ركزت على إزالة التمكين وإعادة الهيكلة، لكنها واجهت قيوداً سياسية ومؤسسية حالت دون استكمالها.

يركز الفصل الخامس على التحديات البنيوية العميقة التي تواجه الخدمة المدنية، حيث يوضح أن التسييس يؤدي إلى انهيار مبدأ الحياد الإداري، وأن ضعف نظم التوظيف يؤدي إلى تراجع الكفاءة المؤسسية، وأن الترهل الوظيفي يرفع التكلفة التشغيلية دون تحسين الإنتاجية، وأن ضعف التدريب يقلل من القدرة على التكيف مع التغيرات، وأن الفساد الإداري يرتبط بضعف الرقابة المؤسسية وتدني الأجور، وأن المركزية المفرطة تعيق الاستجابة المحلية، وأن ضعف التحول الرقمي يقلل من الشفافية ويزيد من التعقيد الإداري، إضافة إلى ضعف التنسيق المؤسسي بين مستويات الحكم المختلفة وتأثير النزاعات المسلحة التي تعيد توجيه الموارد من التنمية إلى الأمن.

يعرض الفصل السادس تقييم تجارب الإصلاح السابقة في السودان، موضحاً أن إصلاحات التسعينيات ركزت على تقليص حجم الدولة دون بناء بدائل مؤسسية فعالة، بينما أدت إصلاحات ما بعد اتفاق السلام إلى توسع إداري غير منضبط زاد من التعقيد المؤسسي، في حين أن إصلاحات ما بعد الثورة واجهت تحديات سياسية حالت دون استكمالها، مما يكشف غياب الاستمرارية المؤسسية وضعف التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.

يقدم الفصل السابع تحليلاً مقارناً لتجارب دولية مثل رواندا التي نجحت في بناء جهاز إداري منضبط قائم على المساءلة الصارمة، وسنغافورة التي اعتمدت على الجدارة والرواتب التنافسية والحوكمة الصارمة، وإثيوبيا التي تعكس تحديات عدم الاستقرار السياسي وتأثيره على المؤسسات. ويخلص الفصل إلى أن نجاح الإصلاح الإداري يعتمد على السياق المحلي وعلى وجود قيادة سياسية مستقرة وقدرة مؤسسية قوية، وأن النقل الحرفي للتجارب غير ممكن دون تكييف مؤسسي عميق.

يعرض الفصل الثامن نموذجاً مقترحاً للإصلاح يقوم على إعادة بناء الخدمة المدنية عبر إصلاح الإطار القانوني، وإنشاء مفوضية مستقلة للخدمة المدنية، وتطبيق نظام توظيف قائم على الجدارة، وإصلاح هيكل الأجور والحوافز، وتوسيع التحول الرقمي، وبناء قدرات الموارد البشرية، مع تنفيذ مرحلي يبدأ بالإصلاح القانوني والمؤسسي، يليه إعادة الهيكلة، ثم التحول الرقمي، وصولاً إلى الاستدامة المؤسسية طويلة المدى، مع ربط كل مرحلة بمؤشرات أداء قابلة للقياس.

يتناول الفصل التاسع أدوار الفاعلين الرئيسيين، موضحاً أن الدولة هي الفاعل المركزي لكنها تعاني من تداخل سياسي إداري، وأن الأحزاب السياسية تسهم في تسييس الجهاز الإداري، وأن الإدارات الأهلية تلعب دوراً مزدوجاً بين دعم الاستقرار المحلي وإنتاج ازدواجية سلطوية، وأن المجتمع المدني يؤدي دوراً رقابياً محدوداً، وأن المنظمات الدولية تقدم دعماً فنياً ومالياً لكنه غير مستدام أحياناً، وأن القطاع الخاص لا يزال فاعلاً هامشياً بسبب ضعف البيئة المؤسسية. ويبين تحليل الشبكة المؤسسية أن العلاقات بين هذه الفواعل تتسم بعدم التوازن، مما يؤدي إلى ضعف فعالية الإصلاح واستمرار إعادة إنتاج الفشل المؤسسي.

يتناول الفصل العاشر المخاطر المستقبلية التي تشمل مقاومة النخب المستفيدة من الوضع القائم، وعدم الاستقرار السياسي، وضعف التمويل، والصراعات الإقليمية، وإعادة إنتاج الأنماط المؤسسية التقليدية، وضعف الالتزام السياسي طويل المدى، مما يؤدي إلى ثلاثة سيناريوهات مستقبلية محتملة: إصلاح مؤسسي ناجح ومستدام، إصلاح جزئي غير مكتمل، أو تدهور مؤسسي مستمر.

يعرض الفصل الحادي عشر النتائج التي تؤكد أن الأزمة الإدارية في السودان هي أزمة بنيوية مرتبطة بطبيعة الدولة نفسها، وأن التسييس وضعف الجدارة يمثلان العاملين الأكثر تأثيراً، وأن أي إصلاح إداري لا يمكن أن ينجح دون إصلاح سياسي ومؤسسي متزامن. كما يوضح أن النموذج المقترح صالح نظرياً لكنه مشروط بوجود بيئة سياسية مستقرة وإرادة إصلاحية مستدامة.

يقدم الفصل الثاني عشر توصيات قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى تشمل وقف التسييس، إصلاح القوانين، إنشاء مؤسسات مستقلة، تطوير نظم التدريب، التحول الرقمي، وترسيخ مبدأ الجدارة، مع تحديد مؤشرات قياس الأداء، ويخلص إلى أن إصلاح الخدمة المدنية يمثل حجر الزاوية في عملية إعادة بناء الدولة السودانية، وأن نجاحه يتطلب تحولاً شاملاً في بنية الدولة والعلاقة بين السلطة والمجتمع، مع اقتراح مسارات بحث مستقبلية تتعلق بالإدارة العامة في الدول الهشة، والتحول الرقمي، وبناء المؤسسات في سياقات النزاع الممتد.

النص الكامل للمقال

الفصل الأول: المقدمة والإطار العام للدراسة

1.1 المقدمة

تُعد الدولة في السياقات الهشة جهازاً مؤسسياً شديد التعقيد تتداخل فيه الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث يصبح الأداء الإداري أحد المحددات الأساسية لقدرة الدولة على البقاء والاستمرار (North, 1990). وفي حالة السودان، يتجلى هذا التعقيد في تفاعل مستمر بين ضعف البنية المؤسسية، وتعدد مراكز السلطة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، مما أدى إلى تراجع جوهري في وظيفة الدولة المرتبطة بتقديم الخدمات العامة الأساسية.

إن العلاقة بين ضعف الإدارة العامة وتفاقم النزاعات الاجتماعية ليست علاقة طارئة أو عرضية، بل هي علاقة بنيوية تتأسس على طبيعة توزيع الموارد وآليات الحكم وإدارة الصراع داخل الدولة (Evans, 1995). فكلما تراجعت كفاءة الجهاز الإداري، تزايدت احتمالات نشوء النزاعات حول الموارد والخدمات، مما يعمّق حالة عدم الاستقرار.

ويُظهر تحليل أدبيات فشل الدولة وبناء الدولة أن ضعف المؤسسات الإدارية يمثل أحد المؤشرات المركزية لانهيار القدرة الحكومية على تنفيذ السياسات العامة وتحقيق التنمية (Acemoglu and Robinson, 2012). وفي هذا السياق، لا يمكن فهم أزمة الخدمة المدنية في السودان بمعزل عن السياق الأوسع لفشل بناء الدولة الحديثة.

كما أن العلاقة بين الشرعية السياسية والأداء الإداري تتسم بطابع دائري تفاعلي، حيث يؤدي ضعف الشرعية إلى إضعاف المؤسسات، بينما يؤدي ضعف المؤسسات إلى مزيد من تآكل الشرعية، مما يخلق حلقة مفرغة من التدهور المؤسسي والسياسي (World Bank, 2017).

ويبرز ضمن هذا السياق مفهوم فجوة التنفيذ، الذي يشير إلى التباين بين السياسات العامة المعلنة والنتائج الفعلية على أرض الواقع، وهو تباين يعكس ضعف القدرات المؤسسية، وتعدد مراكز القرار، وغياب آليات المتابعة والتقييم الفعّال.

كما أن فجوة التنفيذ في السياق السوداني لا تُفهم فقط كخلل إداري، بل كنتاج لتشابك البنية السياسية مع البنية المؤسسية، حيث تتداخل السلطات الرسمية وغير الرسمية في إنتاج القرار وتنفيذه، مما يؤدي إلى تشوه السياسات العامة منذ لحظة تصميمها وحتى لحظة تطبيقها (World Bank, 2017).

ويمتد هذا الأثر ليشمل قدرة الدولة على إنتاج سياسات عامة قابلة للتنفيذ، إذ تتحول المؤسسات إلى قنوات شكلية تمر عبرها القرارات دون امتلاك القدرة الفعلية على تعديلها أو تنفيذها بكفاءة.

1.2 خلفية الدراسة

1.2.1 نشأة الخدمة المدنية في السودان

نشأت الخدمة المدنية في السودان ضمن إطار استعماري اتسم بالتركيز على الضبط الإداري وإدارة الموارد بما يخدم أهداف السيطرة السياسية والاقتصادية، وليس بناء مؤسسات تنموية وطنية (Weber, 1922). وقد تأسس النموذج الإداري على مركزية صارمة وهيكل هرمي يهدف إلى ضمان الامتثال أكثر من تعزيز الكفاءة أو الاستجابة المحلية.

وقد أدى هذا الإرث الاستعماري إلى ترسيخ نموذج بيروقراطي يتميز بالجمود المؤسسي وضعف المرونة، وهو ما استمر تأثيره حتى بعد الاستقلال، حيث لم يتم تفكيك البنية الاستعمارية أو إعادة هيكلتها بما يتناسب مع احتياجات الدولة الوطنية.

ويظهر التحليل التاريخي أن الاستعمار لم يترك فقط مؤسسات إدارية، بل ترك “منطق إدارة” قائم على السيطرة المركزية وتهميش المشاركة المحلية، وهو ما جعل إعادة إنتاج هذا المنطق بعد الاستقلال أمراً شبه تلقائي داخل النخب الحاكمة.

كما أن استمرار هذا النموذج أدى إلى ضعف التوطين المؤسسي، حيث بقيت الإدارة العامة منفصلة عن السياقات الاجتماعية المحلية، ما خلق فجوة دائمة بين الدولة والمجتمع.

1.2.2 تطور الخدمة المدنية من الفترة الاستعمارية إلى ما بعد الاستقلال

شهدت الخدمة المدنية تحولاً تدريجياً من نموذج مهني يعتمد على الكفاءة والحياد النسبي إلى نموذج مسيّس يخضع لاعتبارات الولاء والانتماء السياسي. وقد ساهمت التحولات السياسية المتكررة والانقلابات العسكرية في إعادة تشكيل الجهاز الإداري وفق منطق إعادة توزيع السلطة بدلاً من منطق الكفاءة المؤسسية.

إن هذا التحول يعكس ما يمكن وصفه بالانتقال من بيروقراطية مهنية إلى بيروقراطية سياسية، حيث أصبحت الوظيفة العامة أداة للتمكين السياسي وليس أداة لتقديم الخدمة العامة بكفاءة (Evans, 1995).

ويمتد هذا التحول ليشمل إعادة تعريف مفهوم الوظيفة العامة نفسه، حيث لم تعد الوظيفة مرتبطة بالاستقرار الوظيفي أو المسار المهني، بل أصبحت مرتبطة بتغير مراكز النفوذ السياسي، مما أدى إلى ارتفاع معدل دوران القيادات الإدارية.

كما أن هذا التحول أدى إلى تآكل الثقافة المؤسسية القائمة على القواعد والإجراءات، واستبدالها بثقافة شبكية غير رسمية تعتمد على العلاقات الشخصية.

1.2.3 دور الخدمة المدنية في بناء الدولة

تؤدي الخدمة المدنية في الدولة الحديثة وظائف متعددة تشمل التخطيط، والتنفيذ، وإدارة الموارد العامة، وضمان استمرارية السياسات العامة. غير أن الأداء الفعلي لهذه الوظائف في السودان يعاني من ضعف واضح في التكامل بين مستويات التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ المؤسسي.

ويعكس هذا الضعف غياب التنسيق بين المؤسسات المختلفة، وضعف نظم الحوكمة الداخلية، مما يؤدي إلى تراجع القدرة على تحويل السياسات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

ويظهر في الحالة السودانية غياب ما يُعرف بـ“سلسلة القيمة المؤسسية”، حيث لا توجد علاقة واضحة بين صياغة السياسة العامة وتنفيذها وتقييمها، مما يؤدي إلى انفصال كامل بين مستويات الدولة المختلفة.

كما أن ضعف نظم البيانات والمعلومات المؤسسية يجعل عملية اتخاذ القرار غير مبنية على الأدلة، مما يضعف كفاءة التخطيط ويزيد من احتمالات الفشل التنفيذي.

1.2.4 العلاقة بين الأداء الحكومي والاستقرار السياسي

تتسم العلاقة بين الأداء الحكومي والاستقرار السياسي في السودان بطابع تبادلي معقد، حيث يؤدي ضعف الأداء الإداري إلى تآكل الثقة في الدولة، مما يفتح المجال أمام عدم الاستقرار السياسي، في حين يؤدي عدم الاستقرار السياسي إلى مزيد من إضعاف المؤسسات الإدارية.

ويزداد هذا التعقيد في ظل وجود النزاعات المسلحة التي تعمل كعامل وسيط يعمّق اختلالات الأداء المؤسسي ويعيد إنتاج دوائر العنف وعدم الاستقرار (UNDP, 2016).

ويمتد هذا الأثر ليشمل الاقتصاد السياسي للدولة، حيث تؤدي النزاعات إلى إعادة توزيع الموارد خارج الأطر المؤسسية الرسمية، مما يعزز الاقتصاد غير الرسمي ويضعف قدرة الدولة على فرض النظام المالي والإداري.

كما أن استمرار هذا النمط يؤدي إلى تآكل تدريجي في مفهوم الدولة ذاتها، حيث تتعدد مراكز القوة داخل الدولة الواحدة.

1.3 مشكلة الدراسة

1.3.1 تدهور الكفاءة المؤسسية

يرتبط تدهور الكفاءة المؤسسية بغياب نظم الحوكمة الداخلية الفعالة، وضعف آليات الرقابة والمساءلة، إضافة إلى غياب نظم القياس المؤسسي للأداء، مما يجعل عملية تقييم الأداء الإداري غير دقيقة وغير منهجية.

ويمتد هذا التدهور ليشمل ضعف القدرة على التخطيط الاستراتيجي، وانخفاض مستوى التنسيق بين الوحدات الحكومية، مما يؤدي إلى ازدواجية في الأداء وتضارب في السياسات.

1.3.2 التسييس والمحاصصة

أدى التسييس إلى إعادة تشكيل الجهاز الإداري عبر شبكات الولاء السياسي، مما أضعف مبدأ الحياد المؤسسي.

ويمتد هذا الأثر ليشمل إعادة إنتاج النخب داخل الجهاز الإداري عبر آليات غير رسمية تعتمد على الانتماء السياسي والاجتماعي، مما يؤدي إلى إقصاء الكفاءات المهنية.

1.3.3 ضعف نظم التوظيف والترقية

يعاني نظام التوظيف والترقية من اختلالات بنيوية تتمثل في غياب معايير الجدارة، وضعف توصيف الوظائف، وغياب المسارات المهنية الواضحة.

ويؤدي ذلك إلى انهيار الحافز المؤسسي، وضعف الاستثمار في التدريب، وغياب التطوير المهني المستمر داخل الخدمة المدنية.

1.4 أسئلة الدراسة

1.4.1 أسباب ضعف الخدمة المدنية في السودان

تشمل الأسباب التاريخية والمؤسسية والاقتصادية، مع تأثير الاقتصاد الريعي (North, 1990).

ويمتد هذا التأثير ليشمل ضعف العلاقة بين الدولة والمجتمع نتيجة الاعتماد على الموارد الريعية بدلاً من الضرائب المباشرة.

1.4.2 أثر التحولات السياسية على بنية الخدمة المدنية

أدت التحولات السياسية إلى إعادة تشكيل الجهاز الإداري وفق منطق السلطة.

ويؤدي ذلك إلى عدم استقرار مؤسسي مزمن يعوق بناء جهاز إداري مستدام.

1.4.3 نماذج الإصلاح الممكنة

تتطلب التكييف المحلي للنماذج الدولية.

ويؤدي النقل غير المتكيف إلى فشل مؤسسي متكرر.

1.4.4 العلاقة بين الإصلاح الإداري وبناء السلام

يرتبط الإصلاح بالعدالة التوزيعية.

ويمثل ذلك أساساً لاستدامة الاستقرار الاجتماعي.

1.4.5 أثر النزاعات المحلية على فعالية الإدارة

تؤدي النزاعات إلى إضعاف الإدارة المحلية.

وتعيد تشكيل السلطة المحلية خارج الإطار الرسمي للدولة.

الفصل الثاني: الإطار النظري والدراسات السابقة

2.1 تمهيد

يرتكز هذا الفصل على بناء الأساس النظري الذي يفسر إشكالية ضعف كفاءة الخدمة المدنية في السودان ضمن سياق أوسع يتعلق بتطور نظريات الدولة والإدارة العامة. ويُعد الإطار النظري أداة تفسيرية تربط بين الظاهرة محل الدراسة (تدهور الأداء المؤسسي) وبين البنى الفكرية التي حاولت تفسير العلاقة بين الدولة والإدارة والمجتمع (Weber, 1947).
ويمتد هذا التفسير إلى تحليل الدولة بوصفها بناءً مؤسسياً يقوم على الشرعية القانونية-العقلانية، حيث تصبح الخدمة المدنية أحد أهم أدوات تحويل السياسات إلى مخرجات فعلية، مع ما يترتب على ذلك من أهمية مركزية للبيروقراطية في استقرار الدولة الحديثة.
كما يهدف هذا الفصل إلى تحديد موقع الدراسة ضمن النقاشات النظرية المتعلقة بالبيروقراطية، الحوكمة، وإصلاح القطاع العام في الدول النامية، مع التركيز على خصوصية البيئات الهشة التي تتسم بضعف المؤسسات وتداخل السياسي بالإداري (Fukuyama, 2013).
وفي حالة السودان، يتطلب هذا التحليل فهم التفاعل بين الدولة الحديثة والإرث التقليدي للإدارة الأهلية والبنى الاجتماعية المحلية، وما ينتج عنه من ازدواجية معيارية في السلطة التنفيذية والإدارية.

2.2 مفهوم الخدمة المدنية

2.2.1 التعريفات الكلاسيكية

تُعرَّف الخدمة المدنية في الأدبيات الكلاسيكية بأنها جهاز إداري محايد يعمل على تنفيذ سياسات الدولة وفق قواعد قانونية وتنظيمية صارمة، ويستند هذا المفهوم إلى النموذج الويبرِي الذي يرى البيروقراطية كنظام عقلاني يقوم على التسلسل الهرمي وتقسيم العمل والامتثال للقواعد (Weber, 1947).
ويفترض هذا النموذج أن الشرعية تنبع من القانون وليس من الأشخاص، وأن الكفاءة تتحقق عبر التخصص الوظيفي والانضباط المؤسسي.
وقد نشأ هذا النموذج في سياق الدولة الأوروبية الحديثة كرد فعل على الفساد الإداري والمحسوبية الإقطاعية، ما يجعله نموذجاً تاريخياً مرتبطاً بظروف نشأته.
وفي التطبيقات المقارنة، خاصة في الدول النامية، تم نقل هذا النموذج دون استيعاب السياقات الاجتماعية والسياسية المختلفة، مما أدى إلى فجوة بين النموذج النظري والممارسة الواقعية.
كما يفترض الفصل بين المجال السياسي والإداري، غير أن هذا الفصل يتعرض للاهتزاز في البيئات التي تتغلغل فيها الاعتبارات السياسية داخل الجهاز الإداري.

2.2.2 التعريفات الحديثة

تتجه التعريفات الحديثة إلى توسيع مفهوم الخدمة المدنية ليشمل ليس فقط التنفيذ، بل المشاركة في صياغة السياسات العامة، وإدارة الموارد، وتقديم الخدمات ضمن إطار الحوكمة التشاركية (Osborne, 2010).
ويعكس هذا التحول انتقال الدولة من نموذج السيطرة الهرمية إلى نموذج الشبكات المؤسسية، حيث تتفاعل الدولة مع السوق والمجتمع المدني في إنتاج السياسات العامة.
كما أصبح الموظف العام فاعلاً معرفياً وليس مجرد منفذ، مما يتطلب مهارات تحليل السياسات والتفاعل مع أصحاب المصلحة.
وفي الدول النامية، غالباً ما يتم تبني الخطاب الحديث دون تغيير فعلي في البنية المؤسسية، مما يؤدي إلى “حداثة شكلية” لا تعكس تحولاً حقيقياً في الأداء.

2.2.3 وظائف الخدمة المدنية في الدولة الحديثة

تتعدد وظائف الخدمة المدنية لتشمل صياغة السياسات العامة، تنفيذها، إدارة الموارد العامة، تقديم الخدمات، وضمان استمرارية الدولة.
وتتداخل هذه الوظائف مع بعضها بشكل متزايد في ظل تعقد الدولة الحديثة، حيث لم يعد بالإمكان الفصل الصارم بين التخطيط والتنفيذ.
ويبرز في السياقات الحديثة تحول مهم يتمثل في انتقال الخدمة المدنية من جهاز تنفيذي مغلق إلى منظومة حوكمة متعددة المستويات تعتمد على التنسيق الأفقي والرأسي بين المؤسسات (Peters, 2010).
كما أن الخدمة المدنية أصبحت تلعب دوراً في إدارة المخاطر المجتمعية مثل الكوارث والنزاعات والأزمات الاقتصادية، وهو ما يتطلب مرونة مؤسسية عالية.
وفي السياق السوداني، يتعقد هذا الدور بسبب ضعف التنسيق المؤسسي وتداخل السلطات المركزية والمحلية، مما يؤدي إلى ضعف في استجابة الدولة للاحتياجات المجتمعية.
كما أن التداخل بين الوظائف السياسية والإدارية يؤدي إلى إعادة إنتاج علاقات الزبائنية داخل الجهاز الإداري، مما يضعف مبدأ الحياد المهني.

2.3 نظريات الإصلاح الإداري

2.3.1 نظرية البيروقراطية الكلاسيكية

تركز هذه النظرية على التنظيم الهرمي الصارم، والامتثال للقواعد، وتوحيد الإجراءات بهدف تحقيق الاستقرار والحياد الإداري (Weber, 1947).
وقد تم تصميم هذا النموذج لضمان قابلية التنبؤ في الأداء الإداري ومنع التلاعب الشخصي بالسلطة.
غير أن التطبيق الصارم للقواعد قد يؤدي إلى ما يسمى “الجمود البيروقراطي”، حيث تصبح الإجراءات هدفاً بحد ذاتها.
وفي الدول النامية، يؤدي ضعف التدريب وغياب الرقابة إلى تحويل البيروقراطية إلى جهاز جامد غير قادر على الاستجابة للتغيرات.

2.3.2 الإدارة العامة الجديدة

تقوم هذه المقاربة على إدخال مبادئ القطاع الخاص إلى الإدارة العامة، مثل الكفاءة، النتائج، والمنافسة (Hood, 1991).
وقد نشأت هذه النظرية في سياق إصلاحات الدولة في بريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا خلال الثمانينات والتسعينات.
وتعتمد على عقود الأداء، الخصخصة الجزئية، وإعادة هيكلة الجهاز الحكومي.
لكن تطبيقها في الدول النامية غالباً ما يؤدي إلى ضعف العدالة الاجتماعية بسبب التركيز على الكفاءة الاقتصادية دون مراعاة البعد الاجتماعي.

2.3.3 الحوكمة الرشيدة

تركز الحوكمة الرشيدة على الشفافية، المساءلة، سيادة القانون، والمشاركة (Kaufmann et al., 2010).
وتعتبر هذه المقاربة استجابة لفشل النماذج البيروقراطية التقليدية في تحقيق التنمية المستدامة.
وتفترض وجود مؤسسات قوية قادرة على فرض القواعد وتطبيق القانون بشكل عادل.
غير أن ضعف المؤسسات في الدول الهشة يجعل تطبيق الحوكمة الرشيدة محدوداً أو شكلياً في كثير من الحالات.
كما ترتبط الحوكمة الرشيدة بوجود مجتمع مدني فعال قادر على مراقبة الأداء الحكومي.

2.3.4 الدولة التنموية

يركز هذا النموذج على دور الدولة القوي في قيادة التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر جهاز إداري كفء وقيادة سياسية مستقرة (Evans, 1995).
وقد تمثل هذا النموذج في تجارب شرق آسيا مثل كوريا الجنوبية واليابان.
ويعتمد على بيروقراطية مهنية مستقلة نسبياً عن الضغوط السياسية.
غير أن نجاح هذا النموذج يتطلب شروطاً مؤسسية صارمة مثل الانضباط الإداري، والقدرة على التخطيط طويل المدى.

2.3.5 الإدارة العامة الرقمية

تقوم على استخدام التكنولوجيا الرقمية لتحسين الكفاءة والشفافية وتقليل الفساد وتسريع تقديم الخدمات (Dunleavy et al., 2006).
وتشمل رقمنة الإجراءات الحكومية، إنشاء منصات خدمات إلكترونية، وتحليل البيانات الحكومية.
ويؤدي هذا النموذج إلى تقليل التفاعل البشري الذي يعد أحد مصادر الفساد الإداري.
غير أن ضعف البنية التحتية الرقمية في الدول النامية يشكل عائقاً رئيسياً أمام تطبيقه.

تحليل التفاعل بين هذه النماذج في سياق الدول النامية

في الدول النامية، يتم تبني عناصر من هذه النماذج بشكل انتقائي دون تكامل مؤسسي.
وينتج عن ذلك ما يمكن وصفه بـ”الازدواجية المؤسسية”، حيث توجد هياكل حديثة شكلياً لكنها تعمل بمنطق تقليدي.
كما يؤدي هذا التداخل إلى تضارب في السياسات بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والاستقرار السياسي.

تقييم حدود تطبيق كل نموذج في بيئة دولة هشة

تواجه هذه النماذج قيوداً مرتبطة بضعف الدولة، هشاشة المؤسسات، وتغلغل العلاقات غير الرسمية.
كما أن ضعف سيادة القانون يقلل من فعالية آليات المساءلة والشفافية.
وتؤدي النزاعات السياسية إلى تعطيل استمرارية الإصلاح الإداري، مما يجعل أي نموذج إصلاحي عرضة للتراجع.

2.4 مؤشرات تقييم الأداء الحكومي

2.4.1 الكفاءة

تعني استخدام الموارد بأقل تكلفة ممكنة، وتشمل الكفاءة المالية والبشرية والتنظيمية.

2.4.2 الفعالية

تقيس مدى تحقيق الأهداف السياسية والإدارية المعلنة.

2.4.3 الشفافية

تعكس مدى توفر المعلومات وإمكانية الوصول إليها من قبل المواطنين.

2.4.4 المساءلة

تشير إلى قدرة النظام الإداري على محاسبة المسؤولين عن الأداء.

2.4.5 جودة الخدمات العامة

تقاس عبر سرعة الخدمة ودقتها واستمراريتها.

2.4.6 رضا المواطنين

يعكس مستوى الثقة في المؤسسات الحكومية.

2.4.7 سرعة الاستجابة المؤسسية

تعكس قدرة الدولة على التفاعل مع الأزمات.

2.4.8 إدارة الأزمات

تشمل الاستعداد والاستجابة والتعافي من الأزمات.

إدراج مؤشرات الابتكار المؤسسي والتحول الرقمي والمرونة المؤسسية

يشمل الابتكار المؤسسي تطوير حلول جديدة للمشكلات الإدارية.
ويعكس التحول الرقمي مستوى استخدام التكنولوجيا في الإدارة العامة.
أما المرونة المؤسسية فتعني قدرة المؤسسات على التكيف مع الصدمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
كما يمكن إضافة مؤشر “القدرة على التعلم المؤسسي” الذي يقيس مدى استفادة المؤسسات من التجربة والخطأ.

2.5 الدراسات السابقة

2.5.1 الدراسات العربية

تشير الدراسات العربية إلى أن التسييس وضعف الحوكمة يمثلان العاملين الرئيسيين في تدهور الخدمة المدنية (علي، 2018).
كما تركز هذه الدراسات على أثر النظم السلطوية في إضعاف البيروقراطية المهنية.

2.5.2 الدراسات الأفريقية

توضح الدراسات الأفريقية أن ضعف الدولة المؤسسية يعود إلى الإرث الاستعماري وتغلغل الشبكات غير الرسمية (Mkandawire, 2001).
كما تشير إلى أن الدولة في أفريقيا غالباً ما تعمل عبر شبكات زبائنية بدلاً من مؤسسات رسمية.

2.5.3 الدراسات الدولية

تركز الدراسات الدولية على العلاقة بين جودة المؤسسات والنمو الاقتصادي (Kaufmann et al., 2010).
وتؤكد أن المؤسسات القوية شرط أساسي للتنمية المستدامة.

2.5.4 الفجوة البحثية

تتمثل الفجوة في ضعف الدراسات التطبيقية حول السودان، وغياب التحليل المتكامل الذي يربط بين الإصلاح الإداري وبناء السلام والتنمية.
كما تفتقر الأدبيات إلى دراسات تربط بين الاقتصاد السياسي وبنية الخدمة المدنية في السياق السوداني.

2.6 الإطار المفاهيمي للدراسة

يقوم الإطار المفاهيمي على نموذج يربط بين التسييس كمتغير مستقل، والكفاءة كمتغير تابع، والحوكمة كمتغير وسيط، والاستقرار السياسي كمتغير سياقي.
ويفترض النموذج أن زيادة التسييس تؤدي إلى انخفاض الكفاءة المؤسسية.
كما أن تعزيز الحوكمة الرشيدة يؤدي إلى تحسين الأداء المؤسسي وزيادة الثقة العامة.
ويمتد النموذج ليشمل تأثير العوامل الاقتصادية والاجتماعية مثل التعليم، التنمية، والبنية التحتية.
كما يتضمن النموذج العلاقات التفاعلية بين الدولة والمجتمع في إنتاج الأداء الإداري.
ويفترض أيضاً أن النزاعات المسلحة تمثل متغيراً مدمراً يعيد تشكيل المؤسسات ويضعف قدرتها على الاستمرار.

الفصل الثالث: منهجية الدراسة

3.1 تمهيد

تتناول هذه الدراسة منهجية البحث بوصفها الإطار الإجرائي الذي يحدد كيفية جمع البيانات وتحليلها وتفسيرها لفهم ظاهرة الإصلاح الإداري في الخدمة المدنية في السودان. تعتمد المنهجية على مقاربة متعددة الأساليب تهدف إلى الإحاطة بالبنية المؤسسية والتاريخية والسياسية للظاهرة، بما ينسجم مع طبيعة الدراسات في الإدارة العامة والعلوم الاجتماعية (Creswell, 2018).

3.2 نوع الدراسة ومنهجها

تُصنف الدراسة ضمن البحوث النوعية ذات الطابع التحليلي التفسيري، مع توظيف البيانات الكمية بوصفها داعمًا تكميليًا عند الحاجة، بما يسمح بفهم الظواهر المؤسسية في سياقها الواقعي (Bryman, 2016).

3.2.1 المنهج الوصفي التحليلي

يركز هذا المنهج على وصف بنية الخدمة المدنية في السودان وتحليل وظائفها واختلالاتها المؤسسية، مع تفسير العلاقات بين المتغيرات الإدارية والسياسية. يعتمد على تحليل الوثائق والتقارير الرسمية لفهم الواقع الإداري كما هو (Saunders, 2019).

3.2.2 المنهج التاريخي

يُستخدم المنهج التاريخي لتتبع تطور الخدمة المدنية منذ الفترة الاستعمارية وحتى المرحلة الانتقالية الحديثة، بهدف فهم الجذور البنيوية للمشكلات الحالية وربطها بالسياقات الزمنية والسياسية المختلفة (Flick, 2018).

3.2.3 المنهج المقارن

يهدف هذا المنهج إلى مقارنة تجربة السودان في الإصلاح الإداري مع تجارب دولية مختارة مثل رواندا وسنغافورة وإثيوبيا، لاستخلاص أنماط نجاح وإخفاق قابلة للتكييف مع السياق السوداني (George and Bennett, 2005).

3.2.4 منهج دراسة الحالة

يعتمد هذا المنهج على تحليل حالات مؤسسية محددة داخل الخدمة المدنية السودانية مثل وزارات أو وحدات إدارية أو برامج إصلاح، بهدف فهم ديناميكيات العمل الداخلي وآليات اتخاذ القرار (Yin, 2018).

دمج المناهج لتحقيق تحليل متعدد الأبعاد

تعتمد الدراسة على دمج المناهج الوصفية والتاريخية والمقارنة ودراسة الحالة لتكوين رؤية شاملة للظاهرة من زوايا متعددة، بما يقلل من محدودية كل منهج على حدة (Creswell, 2018).

تحقيق التكامل بين التحليل الكمي والنوعي

يتم توظيف البيانات الكمية مثل المؤشرات الإدارية والإحصاءات الحكومية لدعم التحليل النوعي القائم على المقابلات وتحليل الوثائق، بما يعزز قوة النتائج واستنتاجاتها (Bryman, 2016).

3.3 مجتمع الدراسة وعينتها

يشمل مجتمع الدراسة الفاعلين داخل الجهاز الإداري للدولة في السودان، بما في ذلك الموظفين العموميين، القيادات الإدارية، صناع القرار، ووحدات الخدمة المدنية على المستويات المختلفة.

تحديد الفاعلين الرئيسيين داخل الجهاز الإداري

يركز التحليل على القيادات العليا في الوزارات، مديري الإدارات الوسطى، موظفي الخدمة المدنية التنفيذية، ووحدات الإصلاح المؤسسي.

إدراج مستويات الحكم المركزي والولائي والمحلي

تغطي العينة مستويات الحكم الثلاثة لضمان فهم التباينات في الأداء الإداري بين المركز والأقاليم والمحليات، بما يعكس طبيعة النظام الإداري اللامركزي.

3.4 مصادر البيانات

3.4.1 المصادر الأولية

تشمل المقابلات شبه المنظمة مع المسؤولين، والملاحظات الميدانية، والاستبيانات عند الحاجة للحصول على بيانات مباشرة من الفاعلين داخل الجهاز الإداري (Flick, 2018).

3.4.2 المصادر الثانوية

تتضمن التقارير الحكومية، الدراسات الأكاديمية، وثائق المنظمات الدولية، والأدبيات المتخصصة في الإدارة العامة والسياسات العامة (Saunders, 2019).

دمج البيانات الكمية والنوعية

يتم الجمع بين البيانات الإحصائية والبيانات الوصفية لتكوين صورة متكاملة عن واقع الخدمة المدنية، مع مراعاة عدم اختزال الظاهرة في بعد واحد.

تقييم موثوقية المصادر وتحيزها المحتمل

يتم فحص المصادر من حيث درجة الموثوقية والسياق السياسي لإنتاجها واحتمالات التحيز المؤسسي أو السياسي.

3.5 أدوات جمع البيانات

3.5.1 المقابلات

تُستخدم المقابلات شبه المنظمة لاستكشاف الخبرات المباشرة للموظفين والمسؤولين وفهم الديناميكيات غير الرسمية داخل المؤسسات (Yin, 2018).

3.5.2 تحليل الوثائق

يشمل تحليل القوانين واللوائح والتقارير الرسمية ووثائق الإصلاح الإداري لفهم الإطار المؤسسي الحاكم للخدمة المدنية.

3.5.3 الدراسات الميدانية

تُستخدم الملاحظات الميدانية لفهم بيئة العمل الإداري وسلوك الموظفين داخل المؤسسات الحكومية.

توظيف أدوات متعددة للتحقق من النتائج

يتم استخدام أكثر من أداة لجمع البيانات بهدف تقليل التحيز وتعزيز موثوقية النتائج.

ضمان التثليث المنهجي للبيانات

يعتمد البحث على التثليث بين المقابلات والوثائق والملاحظات لضمان صحة النتائج وتماسكها (Creswell, 2018).

3.6 أدوات التحليل

3.6.1 التحليل المؤسسي

يهدف إلى دراسة البنية التنظيمية وآليات اتخاذ القرار داخل الخدمة المدنية.

3.6.2 تحليل السياسات العامة

يركز على تحليل السياسات الحكومية المتعلقة بالإصلاح الإداري وتقييم آثارها.

3.6.3 تحليل أصحاب المصلحة

يحدد الفاعلين المؤثرين في عملية الإصلاح مثل الحكومة والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني.

3.6.4 تحليل الاقتصاد السياسي

يفسر العلاقة بين السلطة السياسية والبنية الاقتصادية وأثرها على الجهاز الإداري.

3.6.5 تحليل الشبكات المؤسسية

يدرس العلاقات الرسمية وغير الرسمية بين المؤسسات داخل الدولة.

تحليل العلاقات غير الرسمية داخل المؤسسات

يكشف تأثير الشبكات غير الرسمية على اتخاذ القرار الإداري وتوزيع الموارد داخل الجهاز الإداري.

3.7 صدق وثبات الدراسة

يتم ضمان الموثوقية من خلال التثليث المنهجي ومراجعة الأدوات البحثية والتأكد من الاتساق الداخلي للنتائج (Bryman, 2016).

استخدام التثليث المنهجي لضمان الموثوقية

يعتمد البحث على مقارنة مصادر متعددة للتحقق من صحة البيانات وتقليل التحيز.

اختبار الاتساق الداخلي للأدوات

يتم فحص أدوات جمع البيانات للتأكد من توافقها مع أهداف البحث.

3.8 الاعتبارات الأخلاقية

تلتزم الدراسة بمبادئ السرية واحترام المشاركين والحصول على الموافقات اللازمة قبل جمع البيانات، مع تجنب أي تحيز في التحليل (Flick, 2018).

ضمان سرية المعلومات وعدم التحيز

يتم إخفاء هوية المشاركين وحماية البيانات الحساسة المتعلقة بالمؤسسات.

الالتزام بمعايير البحث العلمي المؤسسي

يشمل الالتزام بالقواعد الأكاديمية والمعايير الدولية في البحث العلمي.

3.9 القيود المنهجية

تواجه الدراسة قيودًا تتعلق بصعوبة الوصول إلى بعض البيانات داخل المؤسسات الحكومية، وضعف الشفافية في بعض السياقات، وتأثير البيئة السياسية على جودة المعلومات.

عن عبد المنعم مختار

عبد المنعم مختار

شاهد أيضاً

الاقتصاد السياسي لقوات الدعم السريع في السودان:(الجزء الثاني)

الاقتصاد السياسي لقوات الدعم السريع في السودان: الدولة داخل الدولة، مصادر التراكم، شبكات النفوذ، وتحولات …