خالد البلولة
يشهد العالم اليوم تحولات تقنية متسارعة غيّرت كثيرًا من المفاهيم والأدوار في الاقتصاد والتعليم والإعلام والسياسة. فقد أسهمت الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل بيئات العمل والإنتاج والتواصل، وأصبحت التكنولوجيا عنصرًا فاعلًا في صناعة القرار وإدارة المعرفة وتقديم الخدمات.
وفي مجال الإعلام على وجه الخصوص، أحدثت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي تحولًا جذريًا في إنتاج المحتوى ونشره واستهلاكه،فأصبح الجمهور شريكًا في صناعة الخبر والرأي، وتراجع احتكار المؤسسات الإعلامية التقليدية للمعلومات أمام فضاء رقمي مفتوح وسريع التأثير.
تظل معايير التحقق والدقة والتوازن والموضوعية هي المعيار الأساسي للحكم على صحة الأخبار، لكن الوسائط التي تحمل الخبر قد تغيرت،واندمجت الصحافة والإذاعة والتلفزيون والعلاقات العامة داخل البيئة الرقمية،وأصبح الهاتف الذكي غرفة أخبار متنقلة واستديو تصوير ومنصة نشر متكاملة،بينما باتت غرف الأخبار تعتمد بصورة متزايدة على المهارات الرقمية المتعددة.
ومن هنا لا يبدو منطقيًا أن تستمر كليات الإعلام في تدريس المناهج بالطريقة نفسها التي كانت سائدة قبل سنوات. فالمطلوب ليس إلغاء الأساسيات،وإنما إعادة بنائها في إطار جديد يجمع بين تعليم الخبر والتحرير وأخلاقيات المهنة وتشريعات الإعلام، وبين مهارات صحافة الهاتف المحمول، والتحقق الرقمي،وإدارة المنصات الرقمية، وصناعة المحتوى متعدد الوسائط، وصحافة البيانات،والذكاء الاصطناعي، والأمن الرقمي.
ويكشف هذا التحول الرقمي عن بروز فئة من المؤثرين الذين أصبحوا يمارسون أدواراً إعلامية في تغطية الأحداث ونقلها مباشرةً عبر الهواتف الذكية،.ويعد نموذج أحمد صبري مثالا لهذا التحول.امتلك الحضور في الميدان والمصداقية والقدرة على توظيف الهاتف النقال والمنصات الرقمية بفاعلية، فأصبح يعتمد عليه كثير من الناس، كمصدر للمعلومات وسبق مؤسسات إعلامية كاملة في الوصول إلى الحدث.
ويبقى السؤال:كيف نُخرِّج إعلاميًا محترفًا قادرًا على العمل عبر مختلف المؤسسات والمنصات الرقمية مع الحفاظ على قيم المهنة وأخلاقياتها؟
أعتقد أن الإجابة تبدأ بالانتقال من تدريس الوسائط إلى تدريس الكفاءات الإعلامية. فبينما تتغير الوسائل والتقنيات باستمرار، تبقى المهارات المهنية الأساسية أكثر ثباتًا. لذلك ينبغي أن تُبنى المناهج على الجدارات المهنية لا على الوسيلة نفسها.
ومهما تطورت التقنيات،فإن جوهر الإعلام يظل قائمًا على البحث عن الحقيقة، والتحقق من المعلومات،والدقة والموضوعية، واحترام كرامة الإنسان وخصوصيته،والالتزام بالمسؤولية الاجتماعية وأخلاقيات المهنة.
إن مهمة كليات الإعلام اليوم،تخريج اعلاميين يمتلكون مهارات قادرين على إنتاج المحتوى باساليب مبتكرة لمختلف المنصات، الرقمية المؤسسات الاعلامية الاخري ومتمسكين في الوقت نفسه،بقيم التحقق والدقة والمسؤولية الاجتماعية والأخلاق المهنية.
dr.khalidbalula@gmail.com
