محمد عبد المنعم صالح
هاهي الأرض تعلن، في لحظة خاطفة، أن الإنسان ليس سوى احتمال صغير داخل كون هائل، وأن وجوده، مهما بدا صلبا، معلق بخيط بالغ الضعف ..
ففي اللحظة التي تهتز فيها الأرض، أو يثور نهر أو بحر، أو تعصف الرياح بما شيده الإنسان عبر عقود، يسقط القناع الذي ارتداه العقل الحديث وهو يعلن انتصاره على الطبيعة، ويتبدد ذلك الوهم القديم الذي أقنع الإنسان بأنه أصبح سيد الكون وحاكم مصيره..
الكوارث ليست فقط ما تهدمه من بيوت وبشر ، بل ما تهدمه من أفكار.. إنها تزلزل تصوراتنا عن القوة، وعن السيطرة، وتعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي.. كائنا محدودا يقف أمام كون لا محدود لا يدور حول رغباته، ولا يخضع لإرادته..
منذ ذمن بعيد ، حاول الإنسان أن يروض الطبيعة، وأن يحولها إلى فضاء قابل للحساب والتوقع.. ومع كل تقدم علمي، ازداد يقينه بأنه اقترب من امتلاك العالم. غير أن زلزالا واحدا، أو بركانا أو إعصارا أو ..أو.. يكفي ليعيد صياغة المشهد كله، ويذكره بأن المعرفة ليست مرادفا للهيمنة، وأن التكنولوجيا مهما بلغت، لا تلغي ضعف و هشاشة الوجود الإنساني..
في لحظات الكوارث ، تتراجع الضوضاء التي صنعتها الحياة اليومية.. تتلاشى الصراعات الصغيرة، وتسقط أوهام التفوق الاجتماعي، وتتوارى الحسابات الضيقة، ليقف الجميع أمام السؤال ذاته.. ما معنى أن نكون بشرا في عالم لا يمنح أحدا ضمانة للبقاء؟..
في تقديري إن الكوارث توقظ في الإنسان أسئلة ظل يؤجلها طويلا. منها مثلا ، ما معنى الحياة إذا كان الموت قد يطرق الباب دون موعد؟ وما قيمة الإنجاز إذا كان يمكن أن يتحول إلى أنقاض في لحظات؟ وهل الأمن أو الأمان الذي نبحث عنه حقيقة أم مجرد شعور مؤقت نصنعه لأنفسنا كي نستطيع مواصلة الحياة ؟ ..
الطبيعة لا تعرف الانتقام، ولا تمنح المكافآت، ولا تفرق بين صالح وطالح. إنها لا تتحرك بمنطق العدالة الأخلاقية الذي يتطلع إليه الإنسان، بل بمنطق القوانين الكونية التي لا تعترف بالعواطف ولا بالمكانة ولا بالنفوذ.. ومن هنا ينشأ ذلك الصراع العميق داخل وعينا ..
في تقديري أيضا أن هذه الكوارث، رغم قسوتها، ليست نهاية المعنى، بل قد تكون بدايته. فهي لا تكشف فقط ضعفنا ، وإنما تكشف أيضا أعظم ما فينا. ففي اللحظات التي قد تنهار فيها بعض المباني، تنهض بعض القيم. وحين تتصدع الحوائط ، ربما قد تتماسك الأيادي.
في تلك اللحظات، يسقط ترتيب الأولويات الذي صنعناه بأيدينا. تختفي الفروق بين الغني والفقير، وبين القوي والضعيف، وبين صاحب السلطة والعابر المجهول. الجميع يقفون أمام الحقيقة ذاتها: أن الإنسان، مهما اتسعت قدراته، يبقى كائنا قابلا للانكسار..
هذه الظواهر تهمس لنا بأننا لسنا سادة هذا الكون، بل عابرون فيه. وأن قيمة الإنسان لا تقاس بقدرته على إخضاع الطبيعة، بل بقدرته على أن يبقى إنسانا حين تكشف الطبيعة عن عظمتها، وتذكره بأن الحياة ليست وعدا بالخلود، وإنما فرصة قصيرة لنصنع فيها معنى، ونزرع رحمة، ونبني عالما أكثر عدلا ..
mmoniem855@gmail.com
