الإنسحاب من الإنتخابات .. أبغض حلال الديمقراطية ..!! … بقلم: نصر الدين غطاس

للديمقراطية شمولية أو لنقل إنفراد بالرأي أكثر مما هو متوفر للعسكر أو لحكوماته ، ذلك أن الديمقراطية تعزز بالنفس أنفة وإنكفاء علي الذات أكثر مما هو متاح للشمولية .. فالإحساس بمعية الجمهور وتفويضهم لذاك الحزب أو غيره يغري بذلك الإنفراد والإعتداد بالرأي وخيلائه .. راينا ذلك في الحزبين الكبيرين في الديمقراطية الاخيرة ، والتي أداروها ب(خراقة) لم تجعل للمؤسسة العسكرية بداً من سلك طريق واحد يعيد للبلد هيبتها وكرامتها ، فالحزبين الكبيرين وقتها (الامة والإتحادي) كانا يتصرفان بتلك الطريقة المستنكفة عن الآخرين والتي لم يكونوا يرون غيرها صواباً ، وطالما هم الذين حشد لهم الشعب أصواته فلينفردوا بكل الحكومة وإن لم تتوفر لهم القدرة والإرادة والقرار الصائب ثم التوكل علي الله الواحد وإتخاذ القرار ..!! ، وتلك كلها أمراض كانت تحمل فيروساتها الأحزاب الطائفية المجبولة علي (طلب الرئاسة والولاية) ..!! ، وهذه في ديننا ممنوعة البتة (إنا لا نولي هذا الأمر من طلبه) هكذا تحدث رسولنا الكريم ..!! ، وعند بداية التحضيرات التي بدأت للإنتخابات التي فرغنا منها تواً .. تحسست أحزابنا الموغلة في تاريخيتها جمهورها الذي غابت عنه بإختيارها ، هذا إذا وضعنا في الإعتبار أن لكلي الحزبين واجهات دينية يمكنها أن تجمع أنصارها حولها ، ولكن في الواقع هي فارغة من مثل تلك الأفكار .. مثل خلو عقلها من (محكم) الإدارة السياسية الراشدة التي إتبعتها يوم جاءت للبرلمان في صيف عام (86) ..!! ، قلنا أنها تحسست جماهيرها بجملة من اللقاءات فلم تجد شيئاً يجعلها تسير في طريق حتفها المسمي ب(الإنتخابات) ..!! ، فعمدت للدعوة سراً لمقاطعة التسجيل .. وهذه أيضاً غيب عنها عقلها المضروب ب(ران) كثيف من عدم الإدراك والتمييز بأن ليس لها من الجماهير ما يمكنها من إفشال المشروع التنموي الكبير .. مشروع التحول الديمقراطي ..!! ، فذات السبب الأول (عدم وجود أنصار) كان يجب أن يجعها تتحقق من عدم قدرتها علي إفشال التسجيل ..!! ، ولكن لأن هكذا هي النظرات التي تطلقها الطائفية .. تقدم بين يدي نفسها كل (موبقات) العمل السياسي الراشد وتأتي لا حقاً لتسأل عن جمهورها وأنصارها .. مهما كانت مدة الغياب ومهما كان ضعف عطائها وحضورها وسطهم ..!! ، فهي تبقي علي قياداتها بالأسماء دون أن تعبأ برأي وسط قاعدتها ، وتفترض أن إختيارات (الأئمة والمولانات) هي محل مباركة دائمة من القاعدة ولا أحد يناقشها وأن ثمة إجماع تام عليها .. هكذا يفكر هؤلاء الناس ..!! ، لم يلتفت هؤلاء الناس للمتغيرات العالمية أو حتي الداخلية ومدي أثيرها في ولاءآت الناس وأفكارهم ، وأن جيلاً جديداً بدأ يتكون له فهم ورأي ورؤية خاصة به ، لم يعبأ هؤلاء بأن أي حدث يقع هناك في أقصي الشرق له إسقاطاطة علي أرضنا هنا .. في السودان ، لم يتصور هؤلاء أن ثمة جيلاً جديداً لم يشهد تجارب ديمقراطية ولم يدلي بصوت في إنتخابات شملت كل البلد .. خلا تلك التي ربما يكون قد شارك بها داخل حرم مؤسسته التعليمية (الجامعات) ..!! ، وهناك .. لا يوجد (سيد) ولا (إمام) ولا (خليفة) هناك فقط الأفكار والعقائد ..!! ، هؤلاء وغيرهم لم يشاركون في تلك الأنظمة ، والآخرين الذين فعلوا .. تم غسل أفكارهم بناصع القول وإلتزامة جانب الحق ، في خطاب سياسي لم يعهدوه من قبل .. تبعة  نوع جديد من العمل الميداني غير طعم الحياة ولونها ورائحتها ، لكل هذا رأي أهل (الأحزاب الطائفية) السابقة هؤلاء .. أن لا مكان لهم في عهد (السودان الجديد) الذي تمت صياغتة وفق مفهوم جديد ..!! ، تبين للطائفية السياسية أن سمارها أو ما بقي منهم إنفضوا عنها فعلاً لا قولاً .. فالأكرم لهم عدم إختبار شعبيتهم عبر إنتخابات (وفق متابعتهم لإعدادها) توفرت لها كل أسباب النزاهة والرقابة من الداخل والخارج والإعداد الجيد ، وخير لهم الإحتماء بما حصلوا علية من (مقاعد) قبل (ربع قرن) من الزمن شب فيه جيل جديد ليس لهم منه شيئ ..!! ، آثرت الطائفية (الإنسحاب) كخطوة أخيرة تعالج إخفاقهم في مشروعهم (تعطيل الإنتخابات) بعدم مشاركتهم ، وإضفاء نوع من عدم المشروعية لإنتخابات لم يشاركوا فيها ، ونسبة لذات السبب السابق الذي جعلهم خارج التغطية .. الإلمام بمستحقات المرحلة وإدراك كل قوانينها ..!!، ما دروا بأن إنسحاب أي حزب من المشاركة الإنتخابية هو أيضاً من أدوات العملية الديمقراطية و ليس خارجاً عنها ، والإنسحاب لا يمنع قيام الإنتخابات ولو بقي مشاركاً حزباً واحداً سيفوز بالتزكية و .. الأخيرة هذه (التزكية) هي أيضاً من مفردات الإستحقاق الديمقراطي وأمر متعارف علية ..!! ، فإنسحاب تلك الأحزاب التي لم تراعي ل(سنها العمرية) ما درت إنها قد أكملت صورة الممارسة الديمقراطية ببلدنا ولم تنقص منه شيئاً ، وأن إنسحابها هذا ليس أكثر من كونة .. أبغض الحلال للديمقراطية ..!!

 

نصرالدين غطاس      

Under Thetree [thetreeunder@yahoo.com]

عن د. عبد اللطيف البوني

شاهد أيضاً

غازي وعرمان , حالة التشاؤل .. بقلم: د. عبد اللطيف البوني

اترك تعليقاً