الإيمان ، الأعمال و الجزآء

فيصل بسمة
بسم الله الرحمن الرحيم و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.
{ مَنۡ عَمِلَ صَـٰلِحࣰا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ فَلَنُحۡیِیَنَّهُۥ حَیَوٰةࣰ طَیِّبَةࣰۖ وَلَنَجۡزِیَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ }
[سُورَةُ النَّحۡلِ: ٩٧]
و العمل يعني ممارسة نشاط معين ، و يتطلب بذل مجهود ذهني و بدني منفصلين أو مجتمعين لإنجاز غرض و الحصول على نتيجة أو ناتج ، و الهدف من العمل هو تحقيق غاية معينة ، و يستغرق العمل الزمن ، و يتطلب الجهد و الطاقة ، و قد يكون الهدف من العمل إيجابياً بغرض تحقيق الخير و المنفعة الذاتية/الشخصية ، و في هذه الحالة يتخذ العمل صفة الخصوصية ، و غالباً ما ينصب في دآئرة تلبية الطموحات الشخصية و متطلبات المعيشة و ما شابه ذلك من الأمور الحياتية الدنيوية ، و قد تمتد المنفعة الشخصية لتشمل آخرين تحت كفالة ذلك العامل ، أو قد يكون العمل إيجابياً لكنه عام يهدف إلى منفعة الآخرين و المجتمع ، و تندرج مثل هذه النوعية من العمل النبيل النافع تحت بند الأعمال الطوعية الخيرية ، و عموماً يمكن تصنيف كل هذه الأعمال الإيجابية ، الخآصة و العامة ، تحت مسمى العمل الصالح…
و جذر الإسم صالح هو الفعل صَلَحَ ، و من تصريفاته يَصلُحُ صَلَاحاً و صَلَاحَةً و صَلَاحِيَةً و صُلُوحاً فهو صَلِيح و صَالِح ، و الشخصُ الصالحُ هو الخَيِّرُ المستقيمُ المؤدي لواجباته ، و هو أيضاً الخليقُ الجديرُ ذو الأهلية ، و المصالحةُ تعني إنهآءُ الخصام و الجفآء و العداوة و إحداث السلم ، و الفعل أصلحَ ضد أفسدَ ، مما يعني أن الصلاح هو نقيض الفساد…
أما الإيمانُ فهو إسمٌ مشتقٌ من الأمن و الأمان ، و المسميان يفيدان الإستقرار و الطمأنينة و عدم الخوف و ما يترتب على ذلك من إرتفاع معدل الثقة بالنفس و الإرتياح و الرضا ، و قد عَرَّفَت المعاجم و المصادر الإيمان على أنه مطلق التصديق ، أما الشرع الإسلامي فقد عَرَّفَ الإيمان على أنه التصديق و التسليم و القبول و الإذعان و الإيقان و الإقرار بكل ما جآء به الرسول النبي محمد بن عبدالله صلى الله عليه و سلم…
و قد بَيَّنَ البيانُ القرءانيُ أن العملَ الصالحَ ، إلى جانب إلتزام الحق و الصبر ، يجلبُ المنفعةَ و الكسبَ ، و يجنبُ الإنسانَ الخسرانَ:
{ وَٱلۡعَصۡرِ (١) إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَفِی خُسۡرٍ (٢) إِلَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلصَّبۡرِ (٣) }
[سُورَةُ العَصۡرِ: ١-٣]
و الخسر و الخسران مسميات تفيد و تقود إلى معاني كثيرة مثل: النقصان و الضلال و الفساد و الهلاك و التلف و العطب و التبديد و كذلك الغبن و الضياع ، و المؤمنون العاملون الصالحات ، و على خلاف كل تلك المسميات و المعاني ، مبشرون بتكفير السيئات و أحسن الجزآء:
{ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَیِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِیَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِی كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ }
[سُورَةُ العَنكَبُوتِ: ٧]
و قد ألزم الله سبحانه و تعالى ذاته الإلهية المقدسة كما جآء في الآيات القرءانية المذكورة بأنه سوف يحي من عمل صالحاً حياةً طيبةً ، و أنه سوف يُكَفِّرَ عنه سيئاته ، و أنه سوف يتخير له جزآءه من أحسن الأعمال التي عملها ، بل أنه ، سبحانه و تعالى ، قد إلتزام أيضاً بإدخال المؤمن العامل للعمل الصالح في زمرة الصالحين:
{ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُدۡخِلَنَّهُمۡ فِی ٱلصَّـٰلِحِینَ }
[سُورَةُ العَنكَبُوتِ: ٩]
كما تكفل برفع درجات العمل الصالح:
{ مَن كَانَ یُرِیدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِیعًاۚ إِلَیۡهِ یَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّیِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ یَرۡفَعُهُۥۚ وَٱلَّذِینَ یَمۡكُرُونَ ٱلسَّیِّـَٔاتِ لَهُمۡ عَذَابࣱ شَدِیدࣱۖ وَمَكۡرُ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُوَ یَبُورُ }
[سُورَةُ فَاطِرٍ: ١٠]
و قد ربط الله سبحانه و تعالى حسن الجزآء بشرط الإيمان ، مما يجعل كل عمل ليس ركيزته الإيمان في موضع الهبآء المنثور:
{ وَقَالَ ٱلَّذِینَ لَا یَرۡجُونَ لِقَاۤءَنَا لَوۡلَاۤ أُنزِلَ عَلَیۡنَا ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوࣰّا كَبِیرࣰا (٢١) یَوۡمَ یَرَوۡنَ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةَ لَا بُشۡرَىٰ یَوۡمَىِٕذࣲ لِّلۡمُجۡرِمِینَ وَیَقُولُونَ حِجۡرࣰا مَّحۡجُورࣰا (٢٢) وَقَدِمۡنَاۤ إِلَىٰ مَا عَمِلُوا۟ مِنۡ عَمَلࣲ فَجَعَلۡنَـٰهُ هَبَاۤءࣰ مَّنثُورًا (٢٣) }
[سُورَةُ الفُرۡقَانِ: ٢١-٢٣]
و هكذا يكون جزآء المجرمين على أعمالهم الدنيوية…
و المُجرِمُ إسمٌ مشتق من الفعل أَجْرَمَ ، و من تصريفاته الفعل جَرَمَ و الذي قد يعني كسبَ و أكسبَ و جنىَٰ و قطفَ و كذلك قطعَ ، و قد جآء ذكر الإجرام في القرءان الكريم بما يفيد الأمر المقطوع و إنقطاع الصلة ، و في سياق التكذيب بالرسالات الإلهية و الآيات و الإعراض عنها ، و بما يفيد أن الإجرام هو النقيض المقابل للإسلام:
{ إِنَّ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُوا۟ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَ ٰ⁠بُ ٱلسَّمَاۤءِ وَلَا یَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ یَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِی سَمِّ ٱلۡخِیَاطِۚ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُجۡرِمِینَ }
[سُورَةُ الأَعۡرَافِ: ٤٠]
{ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔایَـٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَاۤۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِینَ مُنتَقِمُونَ }
[سُورَةُ السَّجۡدَةِ: ٢٢]
{ أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ كَٱلۡمُجۡرِمِینَ }
[سُورَةُ القَلَمِ: ٣٥]
و الإجرامُ يعني أيضاً فيما يعني الظلم و إرتكاب المفاسد و الذنوب و المعاصي أو القيام بمخالفةٍ أو جنايةٍ أو فعلٍ أو عملٍ يعاقب عليه التشريع و القانون ، و القانون المقصود في سياق هذا المقال هو شرع الله و الدين أو القانون الإلهي الذي يبين الغرض من الخلق و الوجود ، و هو السنن الكونية و اللوآئح و التعاليم و الأوامر التي تنظم أمور الحياة الكونية الدنيوية ، و هذه التعاليم و الأوامر الإلهية هي من المعينات الأساسية التي تعين و تساعد الإنسان على القيام بتنفيذ تكاليف الخلافة الأرضية على وجهها الصحيح و كما ينبغي ، هذا و قد أعلمنا الله سبحانه و تعالى و ذَكَّرنَا ماهية/جوهر هذه الأوامر الإلهية:
{ إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَـٰنِ وَإِیتَاۤىِٕ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَیَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡیِۚ یَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ }
[سُورَةُ النَّحۡلِ: ٩٠]
و هكذا فإن الله ، سبحانه و تعالى ، لا يأمر إلا بما يجلب الأمن و الخير و المنفعة لبني الإنسان ، و أنه ينهي عن كل ما يقود إلى عدم الإستقرار و الشر و الضرر ، و ذلك على خلاف أوامر الشيطان:
{ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَ ٰ⁠تِ ٱلشَّیۡطَـٰنِۚ وَمَن یَتَّبِعۡ خُطُوَ ٰ⁠تِ ٱلشَّیۡطَـٰنِ فَإِنَّهُۥ یَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدࣰا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ یُزَكِّی مَن یَشَاۤءُۗ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمࣱ }
[سُورَةُ النُّورِ: ٢١]
و كما يكون العمل الإنساني إيجابياً و صالحاً فإنه قد يكون سلبياً و غير صالح ، جآء إستجابةً لأوامر و دوافع شيطانية ، و يهدفُ إلى تحقيق مصلحة ذاتية أو جماعية فيها إبتعاد عن الحق و حياد و ميل عن العدل ، و لا تتم تلك المصلحة الذاتية أو تكتمل إلا على حساب مصلحة/منفعة الآخرين و المجتمع العريض ، كما أنها تنفذ بوسآئل و آليات فاسدة ملتوية و لهذا تأتي النتآئج/المنتجات سلبية و فاسدة و سيئة و غير نافعة حتى و إن كان ظاهرها على خلاف ذلك ، و غالباً ما يؤدي مثل هذا العمل و السلوك الغير مقبول إلى إتساع دآئرة الفساد و إلحاق الأذى و الضرر بالآخرين و المجتمع ، و ذلك هو العمل السيئ أو العمل الطالح ، الذي يحيط بصاحبه و يعمي البصيرة فتضيع المعالم و تتشابه السبل و تتفرق فينتهي الأمر بصاحب/بسالك تلك السبل إلى دآئرة الإجرام و زمرة المجرمين أصحاب النار:
{ بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَیِّئَةࣰ وَأَحَـٰطَتۡ بِهِۦ خَطِیۤـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ }
[سُورَةُ البَقَرَةِ: ٨١]
ختاما:
عموماً ، يندرج عمل الإنسان تحت عنوانين كبيرين هما: العمل الصالح و العمل السيئ ، و العمل مهما كانت طبيعته فإنه إما أن يكون إختيارياً و طوعياً أو يتم عن طريق الإغرآء و الإستمالة أو يكون بسبب القسر و الإكراه ، و في جميع الأحوال فإن الإنسان يُفَعَّلُ نعم: العقل و المشيئة و الإختيار التي أنعم الله عليه بها و يفعل و يعمل بها إيجاباً أو سلباً و وفقاً لحسابات و تقديرات و مصالح خآصة و عامة ، و إذا كان الأمر كذلك فإن على الإنسان صاحب المشيئة و الإختيار تحمل النتآئج و العواقب المترتبة على أفعاله و أعماله ، كما عليه أن يعلم أن الإيمان بالله و هو ميزان/منطلق تقييم الاعمال…
و الحمد لله رب العالمين و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.

فيصل بسمة

fbasama@gmail.com

عن فيصل بسمة

شاهد أيضاً

الفاشر ما بين تصريحات تأسيس وتباكي الكيزان

فيصل بسمةfbasama@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد. …