بقلم مرتضى القسم عوض الكريم
إن الاستبداد يفسد العمران إفسادا، ويضعف الأخلاق ويُفسدها ويمحوها محوا، ويجعل الإنسان جسدا بلا روح، وهيكلا بلا ضمير، وصورة بلا حقيقة.
وقد شخص الداء العلامة ابن خلدون فقال قولته الخالدة: “الظلم مؤذن بخراب العمران”، وقال: “إن القهر يفسد النفوس ويجعلها خاملة، قعيدة عن اكتساب الفضائل، عاجزة عن دفع الرذائل”.
وهو عين ما كشفه المفكر علي شريعتي حين قال: “الاستحمار هو أن يُشغل الإنسان بالتوافه عن القضايا الكبرى”، وما الاستبداد إلا مصنع الاستحمار الأكبر، يجعل الإنسان كافرا بنعم مولاه، لأنه لم يملكها حق الملك ليحمده عليها حق الحمد، ساخطا على قومه لأنهم أعوان البلاء عليه، حاقدا على وطنه لأنه غير آمن فيه، ولا مستقر فيه.
وهنا يحضر تشخيص المفكر مالك بن نبي: “إن القابلية للاستعمار هي التي تستدعي الاستعمار”، وكذلك فإن القابلية للاستبداد من جهل وجهالة، وضعف وعي وقلة قانون، هي التي تستدعي الاستبداد وتطيل أمده، حتى ينشأ المجتمع متنافرا متباغضا، يحقد بعضه على بعض، ويكيد بعضه لبعض.
ويزيدها بيانا المفكر راشد الغنوشي بقوله: “الاستبداد أصل كل فساد، فإذا غابت إرادة الأمة غابت الأخلاق من الحياة العامة، وصار النفاق هو العملة الرائجة، والكذب هو السياسة الراجحة”.
ويختصرها رفيق دربه الأستاذ عبد الفتاح مورو ببلاغة حكيم: “الحرية قبل الشريعة، ولا شريعة بلا حرية، والمستبد لا يهدم المعارضة فحسب، بل يهدم الإنسان في داخلك، حتى تغدو خائفا من ظلك، حذرا من أهلك”.
وما جرى في السودان شاهد:
إن ما نراه اليوم في السودان الجريح ليس طبعا في أهله، فأهل السودان هم أهل النجدة والكرم، أهل المروءة والحكمة، أهل النخوة والتكافل، ولكنها حصاد مر لعقود من غياب دولة القانون، وتقديم الولاء على الكفاءة، والقبيلة على الوطن، والغنيمة على القيمة.
فلما غاب القانون حضرت الفوضى، ولما غاب العدل حضر الحقد، ولما غابت المؤسسات حضرت الميليشيات، فتفرقنا أيدي سبا، وصرنا شذر مذر. وصدق ابن خلدون: “إذا فسدت الدولة فسدت الرعية، وإذا صلحت الدولة صلحت الرعية”.
فأسير الاستبداد لا يملك شيئا يحرص عليه، ولا يحافظ عليه، لا مالا يأمن سلبه، ولا شرفا يأمن هتكه، ولا حقا يأمن ضياعه. فهو فاقد لحب وطنه لأنه يود لو يرحل عنه، وضعيف الحب لأسرته لأنه غير مطمئن على بقائه معها، ومختل الثقة بأحبابه لأنه يعلم أنهم مثله مستضعفون، قد يضطرون إلى الإضرار به وهم له باكون.
وهنا يعلمنا نيلسون مانديلا سر المخرج: “ما من أحد يولد كارها لإنسان آخر بسبب لونه أو عرقه، الناس تعلمت الكراهية، وإذا كان بالإمكان تعليمهم الكراهية، فبالإمكان تعليمهم الحب، فالحب يأتي للنفس أكثر طبيعية من الكراهية”، والاستبداد هو المدرسة الكبرى لتعليم الكراهية.
في ظل الاستبداد تنقلب الموازين انقلابا، وتُعكس المفاهيم انعكاسا؛ فطالب الحق فاجر، وتارك الحق مطيع، والمشتكي المتظلم مفسد، والنبيه المدقق ملحد، والخامل المسكين صالح أمين.
وقد تابع الناس الاستبداد في تلبيساته، فسموا الغيرة عداوة واعتداء، والشهامة عتوا واستعلاء، والحمية حماقة وجهالة، والرحمة مرضا وعلة. وجاروه في اعتباراته المنكوسة، فصار النفاق سياسة وكياسة، والتحايل مهارة وشطارة، والدناءة لطفا ورقة، والنذالة دماثة وخفة.
وأقل ما يورثه الاستبداد أنه يرغم حتى الأخيار على إلف الرياء وإلف النفاق، ولبئس الإلفان، وأنه يعين الأشرار على إنفاذ غيهم وإمضاء فسادهم، آمنين من كل تبعة، سالمين من كل محاسبة.
*والخلاص..من هذا الاستبداد هو ما قاله الغنوشي: “الديمقراطية ليست ترفا فكريا، بل هي طوق النجاة الوحيد”.
وقال مورو: “الوطن لا يبنى بالحقد بل بالحب، ولا بالظلم بل بالعدل”.
وقال ابن خلدون: “العدل أساس العمران، وبه صلاح الزمان”.
ولن ينهض السودان إلا بثلاث جامعات:
عدلٌ يسود: بسيادة حكم القانون على الحاكم والمحكوم بلا استثناء.
حريةٌ تقود: باستقلال القضاء وصون كرامة الإنسان وحرية التعبير.
مؤسساتٌ تخلد: فلا تُبنى الدولة على الأشخاص، بل يُبنى الأشخاص على الدولة.
فالاستبداد مقبرة الأخلاق، ومحرقة القيم، ومذبحة الضمائر، والعدالة حياة الأمم ونجاة الشعوب، وما سادت أمة إلا بالعدل، وما هلكت أمة إلا بالظلم، وإن السودان أمانة في أعناقنا، ولن يحفظ الأمانة إلا الأحرار العادلون.
