البحث عن محمد نجيب محمد علي: (وماذا ورثنا من الشعر غير الشجن! وغير البكاء على عاديات الزمن) .. بقلم: عالم عباس
توارى صديقي الخائف ، وألقى “تعاويذه على شرفات المدينة”، فلم يغن ذلك عنه مما يلاقي شيئاً. ثم ألقى في وجه الشعر قصائد” ضد الإحباط”، عسى ولعل، فإذا به يقنع من غنيمته بالإياب مردداً( فما ظفرت بوصلٍ ولا انا عنه سال)! وما زال في ريبه يتردد وهو الشاعر، ويستبد به الخوف، وهواجسه له بالمرصاد
حسناً لنتبع هذا الهارب إذ يدلنا إلى أين نبحث عنه:
هذا الشاعر (الخائف، المتلصص)، الذي لا يكاد يثق بأحد، يدخل في جيوب السر جهراً، يفتش عن دم يصبح حبراً، وعن لغة تزلزله ويكسو قلبه العريان شعراً.! لايخدعنكم الشاعر، لن تعرفوه!
محمد نجيب ، الطيب الهادئ الرقيق، حتى إذا اعتلى المنبر صهل، وأرعد وزمجر، وعبس وبسر، احمرت عيناه، وانتفخت أوداجه، وإذا هو مع القصيدة في نزال غير متكافئ، يقطره الشعر ويعتصره، فلايبقى منه شيء! إذا لم تتأملوا هيأته وهو يلقي القصيد فلن تعرفوه.! ربما، بل من المؤكد أن الشعر يقتله ويحييه، ودائما قصة الشاعر والمرأة مكمن الحيرة، وهنا ومع محمد نجيب، فتش عن المرأة!
لكنا لا نقر ولا نسلم بما خلص إليه، ولا كسابقه الذي أدَّعَى أنه بِحُبِّ الغانيات عليم، فصار يزعم أنهن إذا شاب شعر المرء أو قل ماله فليس له في ودهن نصيب، ربما ذاك نصيبه هو، فكل إناء بما فيه ينضح! وهنا صاحبنا النجيب يعلق عليها كل إخفاقاته ويصفها بكل ما هو وحشي وكأنها مصاصة الدماء “دراكولا” ومع أن الأسطورة تقول أن دراكولا رجل، إلا أن نجيب، وبإصرار عجيب يقول:
وبعد هذا الطلاق الرجعي للعشق، غاب صاحبنا في مهاربه العديدة، وما نظن إلا حيث نظنه أن يكون، ما بين المرأة والشعر، هنا نبحث عن محمد نجيب، ففي دروب العشق أثر خطواته في الطريق إلى عبقر، وهناك فمن طقوس الإدلاج في هذا الوادي أن ..
في البحث عن محمد نجيب محمد علي من خلال هذا الديوان يستوقفنا أمران، أولهما أننا في سبتمبر، وهي مصادفة لا تمر مرور الكرام. كنا في مدارسنا في زماننا الغابر، إذا خرجنا في مظاهرة، وتصدى لنا الشرطة بالبمبان كنا نرد بالحجارة ونهتف: “نحنا الطلبة سلاحنا الطوب”! ذلكم أقصا ما نفعله من عداء تجاه الشرطة، وهكذا كانت تفعل أطفال غزة، وكانت الشرطة أقصا ما تواجهنا بها الغاز المسيل للدموع وبقدر، وربما السياط أحياناً، لكننا عشنا في زمن رأينا الحجارة في أيدي الأطفال والطلاب تقابل بالرصاص الحي، ولا يحدث ذلك إلا في السودان وإسرائيل – مع البون الشاسع في المقارنة – وهكذا، استعاد الحجر كل محمولاته البيولوجية والتاريخية و الرمزية: الحجارة التي تنبجس عيونا من الماء، وجلمود صخر امرئ القيس وأمنية أوس بن حجر(ما أطيب العيش لو أن الفتى حجرٌ تنبو الحوادث عنه وهو ملموم، إلى وإلى وإلى وإلى محمد نجيب محمد علي:
ويبشرنا بحقيقة سهلة ميسورة، بأن العدو جبان، وأن ما نراه ليس إلا مظهراً من مظاهر خوفه ولكننا لا نعلم فيخبرنا بالسر اليسير الخطير:
هذا الرائي الذي صقله وجَمَّلَهُ العشق وأضناه الهوى، والذي نبحث عنه ونجد أثره في كل مليح وفي كل موقف إنساني وبكل ضعف البشر، غنى أعذب أغانيه في قصيدته ” تداعيات في غرفة الإنعاش” فإن تذكر المطلعون قصيدة أمل دنقل (الغرفة رقم 8)،وهو يصف حالته على فراش المرض/الموت، فقصيدة محمد نجيب ينضح عشقاً وإنسانية وكل ما يتطلع إليه الشعر من عذوبة وتفرد
دعونا نترك الشاعر يرتاح قليلاً، فقد وجدناه، بعد بحث ممتع، ريثما يعود إلى منآته ومتعزله، أو يعاود الهروب من جديد.
لا توجد تعليقات
