قال تعالي :(أفمن يمشي مكباًّ على وجهه أهدي أم من يمشي علي صراط مستقيم.) صدق الله العظيم.
كان من المفترض أن نتعرف علي البرنامج الاقتصادي السياسي الاجتماعي لحكومة الثورة منذ تكوينها الأول قبل نيف وعام؛ ولكن ذلك لم يحدث، ولم تقل حكومتنا أو حاضنتها: (هاؤم اقرءوا كتابية)، بل سارت بدفع الثورة وزخمها وبالنوايا الحسنة والأحلام الوردية والشعارات، في محاولات جيدة أحيانا ومتعثرة أحياناً أخرى لتلبية المطلوبات وتحقيق شعارات الثورة – وأهمها تفكيك دولة النظام البائد وإرساء دعائم العدالة الانتقالية وتحقيق السلام وتحسين أوضاع الشعب المعيشية، والإصلاح الإداري والهيكلي لدولاب الحكم.
ثم رأت الحاضنة السياسية وحكومتها أن الاعتماد على كاريزمية الوزراء وحماسهم وإبداعهم واستشعارهم لنبض الشارع وتفاعلهم مع شعارات الثورة فقط لم يجد فتيلا، فقد بدا واضحاً أن ثمة حطب ناشف dead wood لا بد من إزالته ليستقيم الاعوجاج ويستقر المسار؛ وبالفعل تم إعفاء سبعة وزراء موسومين بضعف الأداء، (وتم استثناء وزير التجارة – أقلهم خبرة وأضعفهم أداءً بدليل الفوضى الضارب أطنابها بالسوق، وصفوف الخبز والبنزين طوال فترة مكوثه بالوزارة)، وحل محل كل منهم نائبه أو موظف آخر رفيع بمؤسسته، واستمر هذا الوضع الكسيح المؤقت غير مضمون العواقب لسبعة شهور، مما ساهم في عدم استقرار البلاد.
وانداحت الفترة المنصرمة والحالة الاقتصادية تمشي من سيء لأسوأ، وشعبنا يعاني الأمرين، والأوضاع الأمنية تتردى نحو الهاوية، تفاقمها تفلّتات دموية عنصرية ومناطقية شملت جميع أطراف الوطن، تحركها الفلول وخفافيش الدولة العميقة التي ما انفكت تنشب أظافرها في مؤسسات الحكم، خاصة الأجهزة الأمنية؛ واهتزت هيبة الدولة، وأغرى ذلك الوضع المهزوز بعضاً من جيراننا الذين تربّصوا بنا الدوائر، والذين لم نتحسّب لأي افتئات أو عدوان او استغلال لظروفنا من جانبهم، فامتصوا خيرات بلادنا عبر التحصينات الحدودية السائبة، واغرقوا أسواقنا ببضائع مسرطنة بائرة ورديئة الصنع؛ ومنهم من توسّع في أراضينا المتاخمة له بلا كابح او شرعية قانونية، وغمر حواضرنا بهجرة كثيفة من البروليتاريا الرثة التي لا تحمل أوراقاً ثبوتية، ولا تتمتع بأي نوع من المهارات سوى التسوّل والتكدس تحت ظلال الأشجار.
وفي هذه الأثناء، ألقى في روعنا مجلس السيادة الذي أكثر من التدخل في الشؤون التنفيذية، مثل العلاقات الخارجية التي لا تقع في دائرة اختصاصه كجسم تشريفي رمزي، ألقي في روعنا أن أهم الأولويات هي، أولاً:
1. رفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب .
وفي سبيل ذلك اتخذت الحكومة عدة قرارات استراتيجية خطيرة دون استشارة أهل السودان؛ إذ كثفت الاتصالات بحكومة دونالد ترامب الممعنة في الرجعية والشوفينية، وهي في رمقها الأخير، طالبة منها العون في هذا الصدد. ودخل وزير الخارجية مايك بومبيو في تحركات ماكوكية بالشرق الأوسط ركزت على مصر والسعودية والإمارات والسودان، شعارها (آكلك منين يابطة!)، إلى أن أعد المسرح التراجيدي بعنتيبي عاصمة يوغندا، حيث التقي الفريق البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتنياهو كأول ظاهرة سودانية من نوعها، ولا مثيل لها على المستوى العربي إلا زيارة الرئيس المصري أنور السادات المباغتة لإسرائيل قبل واحد وأربعين عاماً. ولقد أقسم رئيس الوزراء دكتور حمدوك أنه لم يسمع بتلك الزيارة إلا من أجهزة الإعلام، بينما أقسم البرهان بأنه لم يخطر رئيس الحكومة فقط، إنما أخبر جميع رؤساء أحزاب الحرية والتغيير بتلك الخطوة مسبقاً؛ وحتى الآن لم نتبين أيهما أكثر صدقاً، بل لم يخضع الأمر لأي مناقشات تذكر، إنما تم طمره بعقلية “شيلني واشيلك” وسايكلوجية عفا الله عما سلف، تحت إرزام ودخان المعارك المشتعلة بالشارع السياسي التي ما فتئت تؤججها صفوف الخبز والبنزين وشح الأدوية لا سيما المنقذة للحياة، ومستلزمات الحياة الضرورية.
بيد أننا تأكدنا من حقائق لا مراء فيها من واقع تلك الأحدوثة:
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم