قرار البرهان (الأمر الدستوري رقم 1 لسنة 2023) القاضي بتجميد نشاط النقابات والاتحادات المهنية واتحاد عام أصحاب العمل، وتوجيه مسجل النقابات بتكوين لجان تسيير جديدة خلال أسبوع من تاريخ صدور القرار( الأول من فبراير 23)، يعهد اليها بتسيير العمل وعقد جمعيات عمومية في مدة أقصاها ثلاثة اشهر، تعبير عن عداء سلطة الانقلاب للحركة النقابية. يأتي هذا القرار في إطار عملية الخداع المستمر الذي تمارسها سلطة الانقلاب حتى يصير انقلابها أمرا واقعا، أمام الشعب السوداني وأمام العالم. لقد أشرت مرارا لخطورة الجهة الاسلاموية التي تخطط للجنة الأمنية، منذ انقلاب 11 أبريل، مرورا بكل ما قام به المكون العسكري، خلال الفترة الانتقالية الأولى والثانية، واكبرها أثرا ما قام به في جوبا مع الحركات المسلحة. وما القرارات المتعددة التي صدرت حول النقابات الا جزء من ذلك المخطط، بتحسبه من خطورة قيام نقابات على سلطتهم.، لنرى ماذا فعلوا منذ انقلابهم في 11 أبريل 2019 عندما ازاحوا البشير.
” أصدر المجلس العسكري في السودان قرارا بتجميد نشاط النقابات والاتحادات المهنية والاتحاد العام لأصحاب العمل السوداني، وذلك في اجتماعه صباح الأحد 28 أبريل 2019. كما نص القرار على تكليف عدد من اللجان لحصر وضبط العهد والأصول والمعاملات المالية مع تخويل اللجان سلطة القيام باي أعمال أو واجبات تمليها الظروف وتتعلق بالنواحي الاجتماعية والتكافلية والإنسانية لمنسوبي النقابات والاتحادات المختلفة. ووجه القرار مسجل تنظيمات العمل بالشروع في تكوين لجان تسيير لمهام هذه التنظيمات لحين انعقاد الجمعيات العمومية.”
نلاحظ ان القرار صدر بعد حوالي الأسبوعان من تاريخ عزل البشير، وفي ظل حراك جماهيري متعاظم، وغضب هائل على النظام السابق، وعلى منظماته. كما نلاحظ، أيضا، ان القرار كلف مسجل تنظيمات العمل على تكوين لجان تسيير. فالمسجل هو جزء اصيل من النظام السابق، واداة فعالة له في السيطرة على العمل النقابي، ولعب أدوارا مهمة في ذلك. تلك الملاحظات تقودنا لاستنتاج ان القرار قصد به امتصاص الغضب الجماهيري، والانحناء امام العاصفة، ولكنه حافظ على سيطرة عناصر النظام السابق على العمل النقابي، رغم تجميده. وتأكيدا لهذا الاستنتاج ننشر خبر وكالة الاناضول بتاريخ 22 مايو 2019:
” قرر المجلس العسكري الأربعاء 22 مايو 2019 الغاء تجميد نشاط النقابات والاتحادات المهنية والاتحاد العام لأصحاب العمل. جاء ذلك في بيان صادر عن اعلام المجلس العسكري اطلعت عليه وكالة الاناضول. وأوضح البيان أن المجلس العسكري عكف على مراجعة القرارات التي تم اتخاذها خلال هذه المرحلة الاستثنائية التي تمر بها بلادنا، وذلك حفاظا على المصالح العامة والخاصة. وأضاف في هذا الإطار تم معالجة قرار تجميد التنظيمات النقابية في ضوء القوانين المنظمة للعمل النقابي في البلاد والاتفاقات الدولية المتعلقة بهذا الشأن. وتابع انه تم التوصل الى ضرورة فك تجميد هذه التنظيمات التزاما بالمواثيق الدولية وتثبيتا للمكاسب التي يحققها تقلد السودانيين لهذه المنظمات بمواقع إقليمية ودولية غاية في الأهمية.”
نرى هنا العجلة في ارجاع نفس القيادات، التي فرضها النظام، بعد 3 أسابيع من تجميدها. ورغم ان لجان التسيير التي كونها المسجل، كانت من نفس الكوادر، الا ان المجلس العسكري يريد ان تعود بكامل سلطاتها السابقة، وبنفس كوادرها، مما يشكل اعترافا صريحا بدعمه لها. الأمر الذي يوضح ان قرار التجميد كان محاولة للانحناء امام عاصفة المد الجماهيري، وفي انتظار أن تمر أو تخبو. كما ان قرار فك التجميد تم في إطار بحث المجلس العسكري عن حاضنة جماهيرية له. فقد جمع رجالات الإدارة الأهلية والتنظيمات الصوفية وغيرها في إطار مواجهته لقوى الحرية والتغيير. وهكذا شكل القرار دفعة قوية للعناصر التي سادت الحركة النقابية خلال النظام السابق، وارجعها معززة مكرمة لمواقع القيادة مرة أخرى. الأمر الذي ساعدها في إعادة تنظيم صفوفها، والتحرك بفعالية، داخليا وخارجيا.
نلاحظ ارتباط غريب، يثير التساؤل، وهو ارتباط فك التجميد بالمذبحة التي تمت امام القيادة العامة للقوات المسلحة في فجر 3 يونيو 2019. وكانت التصريحات وكل الأدلة تشير للتخطيط المسبق لتنفيذ المذبحة، ويصير طبيعيا ان قرارا لفك تجميد النقابات يصدر قبل عشرة أيام من المذبحة، وفي ظل خلافات حادة بين المجلس العسكري، المتمسك بالسلطة، وقوى الحرية والتغيير الرافضة لانفراده بالسلطة، وإصرار المجلس العسكري بانها لا تمثل الثورة او الشعب السوداني.
حل النقابات مرة أخرى:
أدت المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، عن طريق وساطة الاتحاد الافريقي، الي الوصول لشراكة بين الطرفين. وكان ضمن ما تم التوصل اليه تكوين لجنة لإزالة التمكين لمحاربة فساد النظام السابق واسترداد الأموال المنهوبة، مهمتها الأساسية فكفكة دولة الحزب الواحد وإزالة فساده. وكان من ضمن قرارات تلك اللجنة القرار الآتي، الذي نشر بموقع الحرة بتاريخ 14 ديسمبر 2019:
” أصدر رئيس لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال الفريق الركن ياسر عبد الرحمن العطا قرارا الجمعة 14 ديسمبر 2019 يحل المكاتب التنفيذية ومجالس النقابات المنشأة بموجب قانون النقابات لسنة 2010، وحل المكاتب التنفيذية ومجالس الاتحادات المهنية لسنة 2004، وحل المكاتب التنفيذية ومجالس الإدارات المنشأة بموجب قانون أصحاب العمل لسنة 1992. ونص القرار على حجز العقارات المسجلة بأسماء النقابات والاتحادات المهنية واتحاد أصحاب العمل وحجز الآليات والسيارات ووسائل النقل المسجلة بأسمائهم وحظر التصرف فيها. ونص القرار على تعيين لجان لتسيير النقابات والاتحادات المهنية واتحاد أصحاب العمل وتصريف اعمالها الضرورية.”
صدر القرار بعد سبعة أشهر من فك حظر النقابات والاتحادات، وهي فترة أكثر من كافية، لإجراء تغييرات أساسية وكبيرة في الوثائق والحسابات البنكية والممتلكات، حسب ما ظهر من تجارب كثيرة سابقة.
أصدر البرهان قرارا جديدا في 22 نوفمبر 2022 بتشكيل لجنة برئاسة مسجل عام تنظيمات العمل وذلك لتكوين لجان تسيير النقابات والاتحادات المهنية واتحاد أصحاب العمل لحين انعقاد جمعياتها العمومية. وبعد تصاعد موجة الإضرابات وسط العاملين، أصدر قرار الأول من فبراير.
هذه القرارات توضح منهج متكامل لإغراق الحركة النقابية في صراعات وخلافات وانشغال بمعارك جانبية، وفي نفس الوقت تمنح الفلول فرص كبيرة لإعداد انفسهم وترتيب اوراقهم وتجهيز كوادر الصف الثاني والثالث للدفع بهم في معركة الانتخابات. من الجانب الآخر تتحمل كل القوى السياسية والنقابية مسئولية ما حدث. سأفرد مقالات قادمة لمناقشة هذه القضايا.
الآن هناك تحدي كبير هو: كيف نواجه هذا القرار الأخير والخطير من البرهان؟
الخطوة الأولى والاساسية تجميع العاملين في كل مهنة في جبهة موحدة لهزيمة مخطط السلطة، واستعادة الحركة النقابية ديمقراطية، قوية وموحدة. العدو الأساسي هو فلول الاسلامويين ومن عمل معهم خلال الثلاثة عقود الماضية، وساعدهم على تخريب الحركة النقابية.
مواجهة القرار والمخطط تستدعي عدة خطوات، لا تتعارض ويجب تنفيذها معا:
• تقديم شكوى عاجلة لمنظمة العمل الدولية ضد تدخل السلطة التنفيذية في العمل النقابي مما يتعارض مع قوانين المنظمة.
• قيادة حملة وسط القواعد ترفض القرار وتكشف تفاصيل المخطط وتحشدها خلف الهدف الموحد.
• نواصل حملة كشف عدم ديمقراطية قانون 2010 والمخاطر الناتجة عنه على حقوق العاملين.
• الاستعداد المبكر للانتخابات، لان الفلول وسلطتها الانقلابية تخطط لمفاجأة النقابيين بموعد الانتخابات وتجعلهم يقاطعونها. من المهم التأكيد أن الحركة النقابية، رغم نقدها القاسي لقنون النقابات لسنة 1948، لكنها استخدمته لبناء النقابات. وعندما أصدر نظام عبود قانون 1960، ورغم سوءته، الا ان النقابات استخدمته، مما أصاب السلطة بالهلع من قرارات مؤتمر النقابات في 1963، مما جعلها تزور القرارات.
• التمسك الحازم بإرث الحركة النقابية المتمثل في شعاراتها وفي مقدمتها النقابة للجميع ولكل حزبه، وقوتنا في وحدتنا.
siddigelzailaee@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم