باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 19 يونيو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

البضاعة التي لا تفسد .. الرق وتجارة الرقيق في تاريخ السودان

اخر تحديث: 19 يونيو, 2026 8:18 مساءً
شارك

د. الرشيد خليفة
في البدء كانت القوة
قبل أن تُخترع الفلسفة وتُكتب الشرائع وتُرسم خرائط الأمم، كان البشر قد اكتشفوا بديهيةقك بسيطة: إذا هزمتَ عدوَّك ولم تقتله، فماذا تفعل به؟ كانت الإجابة الأولى قتله، والثانية تركه لحاله، والثالثة، وهي الأذكى والأكثر ربحاً، إبقاءه ليعمل. هكذا، في لحظة حسابية بهيجة، وُلد الرق.
يشير المؤرخون إلى أن الرق في التاريخ الإنساني يسبق كل الظواهر الاجتماعية المنظمة، ربما بما فيها الدعارة نفسها [1]. فحين كانت المرأة المأسورة تُستعمل لأغراض جنسية، كانت لا تزال في جوهرها «مِلكاً» لمن أسرها، أي أن مفهوم التملك جاء أولاً، والاستثمار الجنسي لاحقاً. أما ادعاء أن الدعارة هي «أقدم مهنة في العالم» فهو شعر أكثر منه تاريخ؛ المهنة الأقدم هي العبودية لأنها لم تكن تتطلب رضا أحد.
وتاريخياً، لم يكن الرق حكراً على لون أو عرق [2]. العبيد في روما كانوا من الجرمان (Germanic peoples) من ألمانيا، وإسكندنافيا وهولندا. وكذلك من الغاليين (Gauls) سكان فرنسا وبلجيكا وسويسرا وشمال إيطاليا وهؤلاء من الشعوب السلتية (Celtics peoples). وايضاً، عبيد روما كانوا من السلاف (Slavs) سكان روسيا وبولندا واوكرانيا وبلاد البلقان التي تشمل صربيا وكروشيا وبلغاريا وغيرها، وكلمة «slave» الإنجليزية مشتقة من «slav» أي الأوروبي الأبيض. العبيد في مصر الفرعونية كانوا من كل الألوان. والعبيد في الجزيرة العربية قبل الإسلام كانوا من العرب أنفسهم. الرق حالة طبقية قبل أن يكون حالة عرقية، تحولت إلى عنصرية متكاملة فقط حين احتاج الاقتصاد الاستعماري الغربي لتبرير أخلاقي لما يفعله في أفريقيا.
كوش والنوبة، حين كان النهر يحمل البشر بدل البضاعة
في السودان القديم، أرض النوبة والكوشيين، كان الرق جزءاً عضوياً من النظام الاقتصادي منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد على الأقل. حملات الفراعنة المصريين جنوباً كانت تعود بالذهب والعاج والأبنوس والعبيد [3]. وكان الكوشيون بدورهم يأخذون بضاعتهم من أعماق أفريقيا ويعيدون تصديرها شمالاً.
مملكة كرمة (2500–1500 ق.م.) تُمثل أقدم كيان سوداني منظم، وكانت ضمن اقتصادها شبكة للحصول على البشر من الجنوب والغرب [3]. لكن الرق الكوشي كان في مجمله «رقاً منزلياً»، العبد يعمل في البيت والحقل والجيش، وليس في مصنع يطحنه. أشعل ذلك فكرة خاطئة لاحقاً مفادها أن رق الأفارقة «رحيم» مقارنة بما جاء بعده، مغالطة أخرى اخترعها من لم يكونوا عبيداً.
في مرحلة مملكة مروي (300 ق.م. — 350 م)، تطورت العلاقات التجارية مع العالم اليوناني والروماني والحبشي، وصار تصدير العبيد جزءاً من المنظومة الاقتصادية الكبرى التي شملت الحديد والذهب والسلع الكمالية [3].
الممالك المسيحية، حين باركت الكنيسة ولم تُحرِّم ✝️
جاءت المسيحية إلى النوبة في القرن السادس الميلادي، وقامت ممالك مقرة وعلوة ونوباتيا بتلقي العقيدة الجديدة. لكن العقيدة لم تأتِ بإلغاء الرق [4]. فالمسيحية في جوهرها الكنسي التاريخي لم تُحرّم الرق صراحة، بل قبلته وطالبت فقط بالتعامل الرحيم مع العبيد. ومعاهدة البقط الشهيرة (652 م) بين النوبة المسيحية والفاتحين العرب تضمنت بنداً صريحاً على تسليم عدد محدد من العبيد سنوياً (360)، بمعدل عبد يومياََ، كجزء من الجزية، وهو ما يجعلها واحدة من أغرب اتفاقيات السلام في التاريخ، إذ وقّع فيها طرفان على استمرار تجارة البشر بشكل مؤسسي [4].
موقف الكنيسة تاريخياً كان ملتبساً: القديس أوغسطين اعتبر الرق نتيجة الخطيئة الأصلية وليس ظلماً بالضرورة. البابا نيقولاوس الخامس عام 1452 أصدر بولة حِبرية (Papal Bull)، وهي وثيقة رفيعة عليها ختم البابا، تُجيز صراحة استعباد وثنيي أفريقيا. ولم تبدأ الكنيسة في مقاومة الرق بشكل جدي إلا حين بدأ الرأي العام الأوروبي يتغير في القرن الثامن عشر، فأن تأتي متأخراً خير من أن لاتأتي [5].
سلطنة سنار الزرقاء، تجارة منظمة وعبيد على قوائم الميزانية
قامت سلطنة الفونج (سنار) عام 1504، وصارت من أكثر الكيانات السودانية انخراطاً في تجارة الرقيق بشكل مؤسسي. فقد كانت حروب الغزو الجنوبية، على بلاد النيلات، وتضم ضفاف نهر النيل الأبيض وفروعه (نهر السوباط وبحر الجبل وبحر الزراف) وبلاد الشلك والدينكا والنوير وقبائل جبال النوبة، تُدرعلى السلطنة مدخولاً منتظماً من البشر كسلعة [6]. هذا رغم أن الفونج أنفسهم يُظن أنهم من قبائل جنوب السودان أو هضاب الحبشة. العبيد يُصدَّرون شمالاً إلى مصر، ويُستبقى بعضهم في الجيش «الجهادي» كمقاتلين. شريط النيل صار طريقاً لتجارة لبشر قبل أن يصبح طريقاً لتجارة لقطن.
الاقتصاد الفونجي كان يعتمد جزئياً على «الرقيق العسكري»، ظاهرة شائعة في الدول الإسلامية، حيث يُشتَرى العبيد أو يُؤسَرون ثم يُدمجون في الجيش، وأحياناً يصلون إلى مناصب عالية [6]. وهذا يقودنا إلى تلك الحيرة الفلسفية الرائعة: العبد الذي يحمل السيف، هل هو حر؟
لم يترك الفونج للباحث نصاً مدوَّناً في الرق، ربما لأنه كان ممارسة يومية عادية في المجتمع السناري، بل تركوا حِجَجاً شرعية متفرقة – أقدمها وثيقة من عام 1724، وأخرى من 1754 توثّق نزاعاً بين شركاء على قيمة جارية حَمِلت بطفل بغير إذن سيدها، فحُسم الأمر بفتوى فقيه القرية لا بمرسوم سلطاني [16]. وكان الفرد العادي غير الميسور يشارك آخرين في جارية واحدة للخدمة المنزلية. ووثّق رحالة أوروبيون ما عجز عنه أهل الديوان: كرمب يصف قافلة الرقيق مصفّدة بالسلاسل تسير خلف الجمال كالكلاب، وبروس يقدّر سنة 1773 قوةً عسكرية حول سنار تضم نحو 14 ألف من الأرقاء، وبركهارت يرصد بعد أربعين عاماً تصدير ما بين 15 و20 ألف رأس من العبيد سنوياً عبر بربر وشندي وسواكن، يُفحصون في السوق كالأبقار – الفم والأسنان – وتتفاوت أسعارهم حسب السن والجنس والصحة والمنشأ [16]. وفي القصر كان الرقيق يعمل حرساً وحريماً ومدرّبين للأمراء المحبوسين عن أمهاتهم كي لا ينازعهم إخوة على العرش، وفي زوايا العبادة كانوا هبات ونذوراً لشيوخ الصوفية يكدحون على السواقي والشواديف بدل سادتهم. أما الصلة بين عمل الرقيق في الزراعة ومالك الأرض، فبقيت، كما يقرّ المؤلف نقد نفسه، فرضية مفتوحة لم يحسمها سبولدنق ولا غيره، هل هم من أملاك صاحب الأرض أم مؤجرين من شخص آخر؟[16].
سلطنة دارفور، سوق الرقيق الأكبر في أفريقيا الوسطى
سلطنة الكيرا في دارفور (القرن السابع عشر حتى 1916) كانت المحطة الكبرى للتجمع في شبكة تجارة الرقيق عبر الصحراء. درب الأربعين، الطريق الممتد من كجبي شمال الفاشر إلى أسيوط في مصر، حمل من البشر ما لا تحمله طرق كثيرة [7]. التقديرات تشير إلى أن عشرات الآلاف كانوا يسلكونه سنوياً، كثيرون منهم لم يصلوا إلى نهايته.، حتى بعد وداع السلطان ودعاءه لهم في الفاشر بسلامة الوصول. كانت الصحراء لا تتقاضى أجراً لكنها تأخذ حصتها بصورة أو أخرى.
لم يكن الرقيق في دارفور تابعاً عابراً للاقتصاد، بل ركيزة نُسجت مع نشأة السلطنة نفسها: ملوك التنجر والداجو استرّقوا جيرانهم الأفريقيين جنوباً قبل أن تجمعهم أسرة الكيرا الفوراوية تحت تاج واحد، وفق أعراف “حزام السافانا” السابقة على الشريعة التي تبنتها السلطنة لاحقاً [17]. وكانت الغزوة – لا السوق – أمضى آلية للاسترقاق: يصدر السلطان 50-60 تصديقاً خطياً سنوياً يحدد مسارها ووجهتها، وتدفع بعض القبائل مثل قبائل الفرتيت، في دار فرتيت جنوب دارفور والشمال الغربي لبحر الغزال، أتاوة سنوية من تلقاء نفسها قوامها 200 رأس درءاً لغزوها. ويرى أوفاهي أن هذه الغزوات لم تكن ترفاً أو رياضة صيد، بل شرطاً لبقاء الدولة نفسها عسكرياً وسياسياً [17]. يوزَّع حصاد الغزوات من العبيد كالآتي: للسلطان العشر من العشائر أو القبائل التي تمر عليها الغزوة أو تمر بمنطقتها. ثم يأخذ حصته كممول للغزوة، ثم يأخذ الخمس من التجار والقبائل عند دخول الرقيق إلى السوق أو مغادرة القوافل. ولرجال الغزوة حصة مكافأةََ على أدوارهم من بناء الزرائب إلى اقتفاء الأثر.
  بلغ نفوذ الرقيق في السلطنة ذروته في الخصيان: فمنصبا “الأبوة” و “الباب” لا يتولاهما إلا خصي وسُلطتِهما توازي سلطان السلطان نفسه. هذا نمط معروف تاريخياً في الممالك الإسلامية وغير الإسلامية. يحكى أن أحد أعيان القصر الملكي يدعى محمد كرا خصى نفسه بيده ليستبق تهمة الخيانة. منصب الأبوة أو “الشيخ الأب” هو منصب بمثابة الوزير الأول ومسؤول السجون ووزارة الداخلية. يلية رتبة منصب “الباب” وصاحبة مسؤول عن حراسة باب السلطان وحرمه وأوامره نافذة على البوابين وجميع أهل الإذن فهو حاجب أعلى بين السلطان وكل من يريد الوصول اليه. لماذا الخصيان؟ هذان المنصبان يقتضيان الدخول الحر على الحريم والسلطان في أشد لحظاته خصوصية، وكان الخصيان يُعتبرون الأكثر ثقة وولاءً للسلطان لأنهم لا ذرية لهم ولا عشيرة تسانده، فولاؤهم مطلق لسيدهم وحده — وهذا بالضبط ما جعل الرقيق المخصي ركيزة سياسية لا مجرد خادم.
  وكان الرقيق في حد ذاته عملة: سعر الأمة 30 تكية (والتكية قطعة 1×9 أذرع من قماش الدمور تستعمل كعملة نقد وجمعها تكاكي) في مدينة كوبي عام 1793، وانحدر إلى 10 دولارات ماري تريزا (أو تالرا، عملة فضية نمساوية) عام 1805. أي سعر الأمة الواحدة في زمن التدهور الإقتصادي يساوي تقريباً 250-260 دولاراً كقيمة معدنية (قيمة الصهر) في الوقت الحاضر. والتقدير التقريبي المعدّل بالتضخم التاريخي يضع قيمة 10 تالرات فضية من عام 1805 في مكان ما بين 2000 و4000 دولار بالقوة الشرائية الحالية تقريباً. ولذلك سمينا هذه التجارة بضاعة لا تفسد.
  توثّق وثيقة عام 1847 (رقم 25 عند أبو سليم) إقطاعاً كاملاً يضم خمسين رقيقاً كان ضمن أرض موهوبة من السلطان – في إشارة إلى تشابك ملكية الأرض والبشر لا انفصالها [17]. ففي نظام الحاكورة” (نظام الإقطاع الأرضي في دارفور)، كان السلطان يمنح أحد الأعيان أو القادة قطعة أرض زراعية (حاكورة) كهبة أو مكافأة. وما توثقه هذه الوثيقة تحديداً هو أن الأرض الممنوحة لم تكن “أرضاً فارغة” — بل جاءت مع خمسين شخصاً مستعبَدين يعملون عليها، كجزء لا يتجزأ من الهبة نفسها.
وهنا الفكرة المحورية: هذا يُثبت أن الرقيق في دارفور لم يكن سلعة تُباع وتُشترى بمعزل عن الأرض فحسب (كما في الأسواق)، بل كان أحياناً جزءاً عضوياً من نظام الملكية العقارية ذاته — تماماً كما تُورَّث الأشجار أو الآبار مع الأرض، كان البشر يُورَّثون معها أيضاً. حين يمنح السلطان حاكورة، فهو يمنح الأرض وقوة العمل البشرية عليها كوحدة واحدة لا تنفصل. هذا يكشف عمق ترسّخ الرق في البنية الاقتصادية للسلطنة — لم يكن مجرد تجارة خارجية (تصدير عبر درب الأربعين)، بل كان نظاماً داخلياً متجذراً في صلب الملكية والإقطاع نفسه.
  أسوأ ما في تجارة الرقيق في دارفور أنها لم تكن همجية بلا نظام، بل كانت مرتبة ومحسوبة ومؤسسية. للرقيق أسعار حسب العمر والجنس والصحة. للجواري سعر أعلى من العبيد العاملين. للأطفال سوق خاصة. كل هذا كان يجري في دولة ذات قضاء وأمراء وعلماء دين، مما يكشف أن الظلم المنظم أخطر من الظلم العشوائي بكثير [7].
العبيد والموالي والجواري والغلمان، قاموس الذل
في الحضارة العربية الإسلامية، تطور مفهوم الرق وتفرّع في تسميات متعددة، لكنها ليست مترادفات:
«العبد» هو المصطلح العام للرقيق، من أي جنس أو مهمة. «المولى» (والجمع: موالي) هو المُعتَق أو التابع، كان كثير من الموالي سابقي العبيد الذين حصلوا على الحرية وارتبطوا بسيدهم السابق برابط ولاء يشبه العلاقة القبلية. «الجارية» أو «الأمة» هي الأنثى المملوكة، وكانت للجواري سوق خاصة، خصوصاً في القصور والحريم. «الغلام» يشير للعبد الذكر الشاب، وكان يُستخدم أحياناً في السياق العسكري أو الخدمي [2].
والفارق الكبير: المولى يختلف عن العبد تماماً، لأنه تحرر. لكن الموالي في الدولة العباسية صاروا قوة سياسية كبرى. خلفاء عُيِّنوا وأُقيلوا على يد الموالي الأتراك. وهذا ما يجعل التاريخ الإسلامي مثيراً، نظام الرق أفرز أحياناً من جاء ليحكم أسياده.
أما «الخصيان» أو «المخصيون» فكانوا أكثر جرائم هذا نظام الرق بشاعة، يُخصى الأطفال لخدمة الحريم، وكانت معظم عمليات الخصاء تجري في السودان قبل التصدير لأن الشريعة الإسلامية تُحرّم الخصاء لكنها لم تُحرّم شراء من خُصي بالفعل، فجوة قانونية استُغلت بمهارة.
الإسلام والمسيحية من الرق، مواقف لا تُقرأ في خطب الجمعة
الإسلام لم يُلغِ الرق، لكنه ضيّق مساراته وشجع على العتق. القرآن الكريم يذكر الرقاب في سياق الكفارات والبر كأعمال ثواب، لكنه لم يُصدر حكماً صريحاً بإلغاء الرق [8]. النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يُعتق العبيد ويوصي بحسن معاملتهم، وبعض أصحابه كانوا عبيداً معتَقين كبلال الحبشي. لكن المؤسسة الدينية الإسلامية في مجملها عبر التاريخ لم تتخذ موقفاً إلغائياً، وبعض العلماء دافعوا صراحة عن الرق باعتباره نظاماً شرعياً.
الفقه الإسلامي قيّد مصادر الرق: لا يجوز استعباد المسلم الحر، ولا يجوز استعباد المعاهد. نظرياً، الرق مقيد بالجهاد وأسرى الحرب. عملياً، وجدت الأسواق دائماً طرقاً للتحايل [8].
المسيحية الغربية كانت أكثر مرونة في تأقلمها مع الرق ثم في معارضته. كنيسة إنجلترا ذاتها امتلكت مزارع ومزارع في الكاريبي بعمالة مستعبدة. لكن أيضاً من رحم المسيحية البروتستانتية خرجت الحركة الإلغائية الكبرى، ويلبرفورس وكلاركسون وغيرهم. التاريخ يحب أن يُعطيك البطل والجاني في نفس الدين.
الخديوية المصرية-التركية، الاستعمار يُنظّم الرق ثم يُلغيه
حين جاء محمد علي وخلفاؤه إلى السودان (1820 فصاعداً)، لم يكن هدفهم الحضارة، كان هدفهم الذهب والعبيد والجنود [9]. الحملات العسكرية التركية-المصرية جنوباً في بلاد النيلات كانت غزوات منظمة لجمع البشر. وُثّق المؤرخون أن آلاف السودانيين نُقلوا قسراً لتشكيل الجيش «الجهادي» الذي أراد محمد علي به غزو الشرق.
في عهد الخديوية، بلغت تجارة الرقيق في السودان ذروة منظمة لم تسبقها: تجار الرقيق العرب والأتراك والأوروبيون فتحوا طرقاً جديدة في قلب أفريقيا. الزبير رحمة منصور، التاجر السوداني الأشهر، بنى إمبراطورية تجارية في منطقة بحر الغزال قائمة على العاج والرقيق، وصار أقوى من الخديوي نفسه في بعض الأوقات. حين أرسل الخديوي غوردون باشا لإلغاء تجارة الرقيق، كانت المفارقة سيدة الموقف: مسيحي بريطاني يُرسله حاكم مسلم لتطبيق قانون ضغطت عليه لندن [9].
المهدية، ثورة التحرر وسوق الرقيق
الثورة المهدية (1881–1898) أسقطت الخديوية، وأعلنت دولة إسلامية خالصة. لكنها في موضوع الرق أطلقت يد السوق من جديد، بل استخدمت الجهاد مسوّغاً لمزيد من الاسترقاق، خصوصاً لأبناء الجنوب الذين وصفهم الفقه الرسمي للمهدية بأنهم خارج دائرة الإسلام [10]. الخليفة عبد الله التعايشي بنى قوته العسكرية جزئياً على الجهادية، وهم غالباً عبيد أو أبناء عبيد مُجنَّدون قسراً أو طوعاً.
لم تكن المهدية حركة تحرر شاملة، كانت حركة تحرر من المحتل الأجنبي، مع الإبقاء على بنى الاستعباد الداخلي. هذا تناقض أصيل تشترك فيه كثير من حركات التحرر في التاريخ: تطالب بحرية شعبها وتُبقي على قيود شعب آخر.
الاستعمار البريطاني، الإلغاء بالورق
جاء الاحتلال الأنجلو-مصري (1898) رافعاً شعار القضاء على تجارة الرقيق، وكان ذلك مسوّغاً شعبياً مقبولاً في بريطانيا التي كانت قد أصدرت قانون إلغاء الرق عام 1833 [11]. لكن التطبيق كان انتقائياً وخاضعاً للضرورة السياسية:
الإدارة البريطانية خشيت أن يؤدي الإلغاء الفوري إلى زعزعة استقرار النظام الاقتصادي السوداني الذي كان يعتمد على العمالة المستعبدة في الزراعة. فقنّعت الإلغاء بمراحل: لا تسجيل للعبيد الجدد، عدم اعتراف الدولة بعقود البيع، منح العبيد حق طلب الحرية. لكن المنظومة الاجتماعية الفعلية استمرت [11].
الشاهد الأبلغ: حتى الثلاثينيات من القرن العشرين، كانت تقارير الإدارة البريطانية في السودان تُشير بهدوء إلى بقايا الرق في المناطق الريفية والغربية، دون تدخل يُذكر.
ما بعد الاستقلال، الرق بلا سلاسل وبلا ورق
استقل السودان عام 1956، ووقّع على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. قانوناً، انتهى الرق. اجتماعياً، انتهى بمراحل.
حروب الجنوب أفرزت ظاهرة استعباد فعلي: خلال الحرب الأهلية، خصوصاً في الفترة 1983–2005، وثّقت منظمات حقوقية دولية حالات خطف واسترقاق لأبناء جنوب السودان ومناطق جبال النوبة وجنوب كردفان [12]. منظمة «كريستيان سوليداريتي إنترناشيونال» وغيرها أثارت قضايا تُشير إلى مئات الألوف من الحالات.
النزاع في دارفور منذ 2003 أضاف فصلاً مؤلماً آخر، تقارير عن عبودية جنسية ورق منزلي في سياق العنف المنظم الذي مارسته مجموعات مسلحة [12]. والحروب الأهلية عموماً تُعيد إنتاج الرق لأنها تُعيد إنتاج منطق «المنتصر يملك المهزوم».
أما في البنية الاجتماعية اليومية، فلا يزال مفهوم «أبناء العبيد» أو الانتماء لقبائل ذات تاريخ استعباد يُلقي بظلاله على زواجات مرفوضة ووظائف موصودة وكبرياءات جريحة، في صمت مدوٍّ لا تشمله القوانين [13].
إلغاء الرق العالمي، سيرة قانون أتى متأخراً
الحركة الإلغائية الغربية نشأت في نهاية القرن الثامن عشر في بريطانيا وأمريكا. ويليام ويلبرفورس وحملته البرلمانية أفضت إلى إلغاء تجارة الرقيق البريطانية عام 1807، وإلغاء الرق في المستعمرات البريطانية عام 1833 [14].
أمريكا أبقت على الرق حتى الحرب الأهلية وإعلان الإلغاء عام 1865. البرتغال وإسبانيا وهولندا وفرنسا أنهته تدريجياً بين 1830 و1888 [14]. لكن إلغاء الرق الرسمي لم يُلغِ العنصرية التي أبدعها الرق، ولا الفوارق الاقتصادية التي خلّفها.
في السودان، أصدر الحكم الثنائي مراسيم لإلغاء الرق بين 1898 و1924، لكن التطبيق الفعلي كان جزئياً [11]. واتفاقية منظمة العمل الدولية لعام 1930 وميثاق الأمم المتحدة لعام 1948 وتقنين عام 1956 رسّخت الإلغاء الدولي [15]. السودان أصبح طرفاً في هذه الاتفاقيات، لكن المسافة بين التوقيع والتطبيق ظلت دراما مستقلة بذاتها.
بضاعة عمرها كعمر الطمع
الرق ليس شذوذاً في التاريخ الإنساني، بل كان القاعدة. الشذوذ هو إلغاؤه. إلغاؤه لم يأتِ من تحوّل روحي جماعي مفاجئ في ضمير البشرية، جاء من تقاطع عوامل اقتصادية (الثورة الصناعية أغنت عن العمل العضلي الرخيص) وحركات حقوقية (كثيرون منهم كانوا من أبناء الكنائس البروتستانتية) وضغوط سياسية دولية.
في السودان تحديداً، ترك الرق ندبة في النسيج الاجتماعي لم تُشفَ بعد. التفاوتات بين الشمال والجنوب، بين الوسط والهامش، بين من «حُكم» ومن «خُدم»، كلها مجاري لنهر قديم ظنناه جفّ لكنه فقط غار تحت الأرض.
وفي نهاية المطاف، لو سألنا التاريخ: كم استمر الرق في السودان؟ سيجيب بهدوء مُزعج: منذ فجر الحضارة وحتى الأمس، وما زال يتنفس في الزوايا التي لا تطالها الكاميرات.
 
المراجع
[1] Orlando Patterson, Slavery and Social Death: A Comparative Study. Harvard University Press, 1982.
[2] Bernard Lewis, Race and Slavery in the Middle East: An Historical Enquiry. Oxford University Press, 1990.
[3] Derek A. Welsby, The Kingdom of Kush: The Napatan and Meroitic Empires. British Museum Press, 1996.
[4] Jay Spaulding and Lidwien Kapteijns, ‘The Organisational Roles of Women in Pre-Colonial Sudan’, Northeast African Studies, 1991.
[5] Hugh Thomas, The Slave Trade: The Story of the Atlantic Slave Trade 1440–1870. Simon & Schuster, 1997.
[6] Jay Spaulding, The Heroic Age in Sinnar. Red Sea Press, 2007.
[7] R.S. O’Fahey, State and Society in Dar Fur. Hurst & Company, 1980.
[8] Rudolph Peters, Islam and Colonialism: The Doctrine of Jihad in Modern History. Mouton, 1979.
[9] P.M. Holt and M.W. Daly, A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day. 6th ed., Longman, 2011.
[10] P.M. Holt, The Mahdist State in the Sudan 1881–1898. 2nd ed., Oxford University Press, 1970.
[11] Ahmad Alawad Sikainga, Slaves into Workers: Emancipation and Labor in Colonial Sudan. University of Texas Press, 1996.
[12] Human Rights Watch, ‘Slavery and Slave Redemption in Sudan’. Human Rights Watch Report, March 1999.
[13] Jok Madut Jok, War and Slavery in Sudan. University of Pennsylvania Press, 2001.
[14] Adam Hochschild, Bury the Chains: Prophets and Rebels in the Fight to Free an Empire’s Slaves. Houghton Mifflin, 2005.
[15] Suzanne Miers, Slavery in the Twentieth Century: The Evolution of a Global Problem. AltaMira Press, 2003.
[16] محمد إبراهيم نقد، علاقات الرق في المجتمع السوداني، دار عزة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية عام 2003، ص 57-73
 [17]محمد إبراهيم نقد، المصدر السابق، ص 74-82
rkhalifa747@gmail.com

الكاتب
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الأخبار
الأبيض.. المدينة التي قد تحدد مسار الحرب في السودان
بيانات
بيان من الحركة الشعبية لتحرير السودان/ شمال /جناح الحلو
منبر الرأي
هندسة الكراهية
تعليق على حديث الرسول ﷺ عن أبناء نوح .. بقلم: د. أحمد الياس حسين
منبر الرأي
ضرورة القراءة النقدية للفترة الانتقالية التي تلت ثورة ديسمبر

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

كلمات في رثا الفيتوري .. شعر: صلاح الدين التهامي المكي

طارق الجزولي
منبر الرأي

الاستفتاء … من شروط العودة الثانية للمسيح وقيام القيامة ! … بقلم: ثروت قاسم

ثروت قاسم
منبر الرأي

وقفات في ذكرى غيابه !! بقلم: يحيى العوض

يحي العوض
منبر الرأي

النخب المصريه الآن فقط .. فهمت ما كان يدور فى السودان! .. بقلم: تاج السر حسين

تاج السر حسين
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss