د. عبد اللطيف البوني
aalbony@yahoo.com
رحم الله استاذنا محمد الفاتح الذي درسنا اللغة العربية في المرحلة الثانوية، فقد جاء الى مدرستنا منقولاً نقلاً تعسفياً من العاصمة لأنه كان لديه رأى في مناهج اللغة العربية، وكان يصفها بعدم المعاصرة والتخلف، وما زلت اذكر قوله في درس الكناية عندما جاءت عبارة (كثير الرماد) وهي كناية عن الكرم، قال كثير الرماد معناها في الزمن دا (وسخان).. تذكرت كلامه هذا قبل أيام عندما كتبت مقالاً أوردت فيه مقطع من أغنية شعبية يغنيها الكابلي يقول (كاتال في الخلاء وعقبان كريم في البيت) فكتبها الشاب الذي طبعها لي (مسكال) وعند التصحيح قال لي انه كان يظن انني اقصد ان الرجل (بتاع) mis -call)) فأيقنت ان الهوة بيننا وبين هذا الجيل قد اتسعت.
هذه الرمية تقودني الى جلسة في مناسبة اجتماعية مع رهط من الأساتذة الاجلاء كانوا يذرفون فيها الدمع على ضياع التعليم وتردي المستويات وان تلاميذهم لا يعرفون حتى كتابة الاملاء وهم جالسون لامتحان الشهادة الثانوية، وطفقوا يتناقشون في أسباب التردي هل هو المنهج أم الاستاذ أم المؤسسة أم الطريقة. لقد كانوا في حالة يأس كامل من أي اصلاح، اللهم إلا اذا عادت بخت الرضا ومستر قريفث ولوح الاردواز.
ظللت مستمعاً لهم لما في كلامهم من فائدة وفي أول مداخلة لي قلت لهم: ان التلميذ الذي وصفتموه بأنه لا يستطيع ان يكتب جملتين صحيحتين، هذا التلميذ يستطيع ان يلعب بالموبايل يكتشف نغمات ويرسل رسائل واغاني وصوراً ويشغل تلفزيون واذاعة ويجعلنا ننظر اليه مشدوهين فوافقوا على ذلك، فقلت لهم اذاً فهو ليس غبياً بل أذكى مننا نحن واتيحت له معارف وتقنيات لم تكن متاحة لنا فأمنوا على هذا ولكنهم اخذتهم العزة بالاثم واصروا على ما بدأوا به النقاش بأن (اولاد الزمن دا ما نافعين) وان التعليم انتهى (والمدارس دي حقو يقفلوها لأنها مضيعة للوقت).
أجد نفسي متفقاً مع هؤلاء الاساتذة الاجلاء بأن هذه المدارس يجب اغلاقها وبأعجل ما تيسر ولكن ليس من منطقهم، انما من منطق آخر وهو ان هذه المناهج التي تدرس لأولادنا مناهج متخلفة أكل عليها الدهر وشرب، ولا تنتج إلا مزيداً من التخلف، مناهج لا تراعي مطلوبات العصر ولا تقنياته، مناهج لا تستصحب ان هذا التلميذ قد شاهد الديجتال ولعب بالريموت كنترول واستعمل الموبايل قبل ان يدخل المدرسة، لقد اصبحت البيئة الخارجية أكثر تقدماً من بيئة المدرسة في كثير من أنحاء السودان ان لم نقل معظمه، فقديماً كانت المدرسة أجمل مبنى في القرية مع الشفخانة، اليوم المدرسة أكثر الأبنية بؤساً في القرية، قديماً كان المعلم هو الوحيد الذي يفك الخط في القرية، وكان الآباء عندما يودعون لديه ابناءهم يقولون له (ليك اللحم ولينا العضم)، فاليوم البيت فيه الجريدة والمجلة والدش وربما كمبيوتر.
انني استغرب في هذه الزحمة من مدارس خاصة ونموذجية و(الماعارف ايه) في حين ان المناهج بينها وبين القرن الواحد والعشرين ملايين السنوات الضوئية، مناهج لا تصنع فاقداً تربوياً بل فاقداً عصرياً.. فلو تكرمتم تجرأوا وابدأوا بإعراب جملة (البغلة في الابريق
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم