بقلم: هشام الحلو
حين نذكر “البلابل”، فإننا لا نستحضر مجرد أصوات ثلاثية استثنائية زينت سماء الفن السوداني والعربي، بل نستدعي مؤسسة وجدانية وثقافية رفيعة أعادت صياغة الهوية الموسيقية لبلد يتسع لشتى تجليات الجمال. فالأخوات الثلاث، الشقيقات القادمات من جذور وادي حلفا العريقة — هادية وآمال وحياة عبد المجيد طلسم — لم يكنَّ صاحبات حناجر ذهبية فحسب، بل كنَّ رائدات أحدثن انعطافة جذرية ومفصلية في تاريخ الأغنية السودانية الحديثة، وحفرن في صخر الذاكرة الوطنية إرثاً خالداً لا يطؤه النسيان.
وقبل بزوغ نجم البلابل في مطلع السبعينيات، ظل الغناء الجماعي النسائي محصوراً في إطارات تقليدية ضيقة كأغاني البنات وكورال المناسبات؛ لكن مجيء هذا الثلاثي الفريد، بقيادة واعية ورؤية فنية متقدمة من ملحنين كبار على رأسهم الفنان بشير عباس، وشعراء كبار أغدقوا على التجربة بكلمات نابضة بالحياة مثل إسحاق الحلنقي ومحجوب شريف، نقل الموسيقى السودانية إلى آفاق رحبة ومديات غير مسبوقة. فقد أتقنت البلابل فن “الهارموني” بدقة مذهلة، حيث تتداخل أصواتهن وتتكامل في تناغم ساحر كأنها آلة وترية واحدة، مما منح الأغنية السودانية عمقاً جرسياً لم تعتده من قبل، وساهمتن بكفاءة عالية في إدخال الإيقاعات الحديثة والمعالجات الأوركسترالية المتطورة على السلم الخماسي الساحر دون أن يفقدن الأغنية هويتها السودانية الخالصة، ليثبتن بجدارة أن التراث المحلي قادر على مخاطبة العالم بلغة موسيقية عصرية رفيعة.
ولم تكن أغاني البلابل ترفاً فكرياً عابراً، بل كانت مرآة صادقة وشفافة لنبض الشارع السوداني بمختلف تحولاته ومقاماته؛ فقد حملن هموم الإنسان البسيط وكتبن بحناجرهن ملحمة الالتصاق بالأرض والوجدان، بدءاً من أغنية “عشة صغيرة” التي تقدس البساطة على بهرج القصور، مروراً بأغاني الحنين والوطن، وصولاً إلى الأغاني الوطنية التي ألهبت حماس الجماهير وأرخت لفترات مفصلية من تاريخ السودان الحديث. هكذا أصبح صوتهن بمثابة الدفء الجماعي الذي يلجأ إليه السودانيون في مواسم الغربة والشتات، وصار الاستماع إليهن طقساً رفيعاً من طقوس استعادة الروح والاتصال بالجذور.
وتمثل مسيرة البلابل الفنية الممتدة منذ سبعينيات القرن الماضي علامة فارقة في الموسيقى السودانية والإفريقية من خلال إرثهن المتمثل في كسر القوالب التقليدية كأول ظهور نسائي جماعي علني في السودان، وإحياء التراث النوبي والتسجيل الوطني بحفظ الأغنيات التراثية بروح عصرية في مكتبة الإذاعة والتلفزيون، فضلاً عن التحول إلى رمز ثقافي يمثل الهوية السودانية المتنوعة. كما أضفن للمشهد أسلوب التطريب الجماعي المتناغم القائم على توزيع الأدوار الصوتية بدقة عالية، وتحديث الألحان عبر التعاون مع كبار الملحنين لدمج السلم الخماسي بالآلات الغربية، وتطوير مسرح الاستعراض من خلال الأداء الحركي اللافت والزي النوبي والفلكلوري والثوب السوداني الموحد الذي أضفى بريقاً بصرياً خاصاً على حضورهن المسرحي.
وترك هذا كله أثراً عميقاً تمثل في تمكين المرأة فنياً وفتح الباب واسعاً لظهور الأصوات النسائية والمجموعات الجماعية دون قيود اجتماعية، لتصبح أغانيهن مثل “قطار الشوق” و”نور بيتنا” جزءاً أصيلاً من الوجدان والذاكرة اليومية لكل الأجيال السودانية. وقد تجاوز حضور البلابل حدود المحلية ليطوف عواصم العالم، حيث مثلن الفن السوداني خير تمثيل في المحافل العربية والإفريقية والدولية كن سفيرات للبهجة والسلام، يقدمن الثقافة السودانية بغناها وتنوعها ودفء أهلها، لتكون مسيرتهن الفنية باختصار شهادة حية على أن الفن الحقيقي قادر على مقاومة الخراب، وتضميد جراح الأيام، وبناء أوطان من نور وجمال داخل الروح، حتى وإن اشتدت عواصف النفي والبعاد.
hishamissa.issa50@gmail.com
