الكتابة للمستقبل
د. صلاح أحمد الحبو
ليس التفكير في مستقبل السودان قفزاً على واقع الحرب أو انشغالاً بالمستقبل على حساب مآسي الحاضر، بل هو محاولة لفهم الجذور التي قادت إلى هذا الانهيار حتى لا تتكرر. فالحروب لا تنشأ من فراغ، وإنما تمثل النتيجة النهائية لاختلالات تراكمت في بنية الدولة عبر عقود، الأمر الذي يجعل استشراف المستقبل ضرورة وطنية، لا ترفاً فكرياً.
ومن هذه الزاوية، تستحق التجربة النيوليبرالية في السودان قراءة نقدية تتجاوز الجدل التقليدي بين مؤيدي اقتصاد السوق ورافضيه. فالمشكلة لم تكن في تبني سياسات التحرير الاقتصادي بحد ذاتها، ولا في اقتصاد السوق بوصفه نموذجاً، وإنما في غياب الذكاء التاريخي للدولة؛ أي القدرة على إدراك الترتيب الصحيح للإصلاحات وفق منطق بناء الدولة وتطورها.
فمنذ برامج الإصلاح الهيكلي في أواخر سبعينيات القرن الماضي، مروراً بموجات الخصخصة في تسعينياته، ووصولاً إلى سياسات التحرير الواسعة بعد انفصال جنوب السودان، اتجهت الدولة إلى إصلاح الاقتصاد قبل أن تُنجز إصلاح مؤسساتها (1)(2)(3). لقد حُررت الأسعار قبل ترسيخ سيادة القانون، وتراجع دور الدولة قبل إعادة تأهيلها، واتسع دور السوق قبل بناء المؤسسات القادرة على تنظيمه، فاختل التسلسل التاريخي للإصلاح، وهو الاختلال الذي حوّل كثيراً من السياسات إلى نتائج مغايرة لأهدافها.
إن التجربة السودانية تؤكد أن السوق لا يسبق الدولة، بل يفترض وجودها. فلا يمكن لاقتصاد تنافسي أن ينمو في غياب مؤسسات مستقلة، وقضاء فاعل، وإدارة عامة كفؤة، ومنظومة حوكمة تحمي المنافسة وتمنع الاحتكار. ولذلك فإن إخفاق التجربة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه فشلاً للنيوليبرالية وحدها، وإنما بوصفه دليلاً على غياب الدولة القادرة على إدارة التحول الاقتصادي بوعي تاريخي.
وهنا يبرز مفهوم الذكاء التاريخي للدولة باعتباره معياراً لنجاح الإصلاح؛ فهو ليس القدرة على اتخاذ القرارات، بل القدرة على معرفة أي الإصلاحات يجب أن تسبق غيرها. فالدولة التي تسبق فيها السياساتُ المؤسساتَ، والاقتصادُ القانونَ، والإدارةُ الشرعيةَ، إنما تعكس خللاً في ترتيب البناء الوطني، مهما بدت سياساتها منطقية في ظاهرها.
ومن ثم، فإن السودان بعد الحرب لا يحتاج إلى استعادة النقاش القديم بين الدولة والسوق، بقدر ما يحتاج إلى استعادة هذا الذكاء التاريخي، عبر إعادة ترتيب أولويات الإصلاح: بناء المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز الحوكمة، وإعادة بناء الثقة العامة، ثم إطلاق الاقتصاد في بيئة مؤسسية مستقرة. فالإعمار الحقيقي يبدأ بإصلاح الدولة قبل إصلاح السوق.
إن الدرس الذي ينبغي أن يحكم المستقبل السوداني ليس رفض النيوليبرالية أو تبنيها، وإنما إدراك أن نجاح أي سياسة اقتصادية يظل رهناً بصحة التسلسل التاريخي للإصلاح. فالدول لا تنهار لأنها اختارت السوق أو الدولة، بل لأنها أخطأت ترتيب البناء. وعندما تستعيد الدولة السودانية ذكاءها التاريخي، يصبح الاقتصاد رافعةً للتنمية، لا سبباً جديداً لإعادة إنتاج الأزمات
habobsalah@gmail.com
