الأشياء الصغيره التي تحكم العالم
منبر نور مقالات من بطون كتب ونبض الواقع
مدخل:
هل يمكن أن يحمل العالم شيء لا يتجاوز بضعة جرامات؟
لو سألنا الناس:
ما أعظم الاختراعات في التاريخ؟
لجاءت الإجابات:
العجلة
الكهرباء
الطائرة
الحاسوب
لكن قليلًا من الناس من يقول:
المسمار.
ومع ذلك فإن هذه القطعة المعدنية الصغيرة أمسكت الحضارة من أطرافها، وربطت أجزاءها، وساعدت الإنسان على الانتقال من البناء البدائي إلى العمران الحديث.
ولعل هذه هي رسالة هذه السلسلة من مقالات منبر نور ،، ، بعنوان الأشياء الصغيره التي تحكم العالم والتي تشير الي
أن الحضارات لا تقوم دائمًا على الأشياء الضخمة، بل كثيرًا ما تستند إلى تفاصيل صغيرة لا يلتفت إليها أحد.
أولًا:
قبل المسمار… كيف كان الإنسان يبني؟
تحدثت كتب تاريخ الهندسة عن أن الإنسان القديم كان يعتمد على:
الحبال
الأوتاد الخشبية
الوصلات اليدوية
الأحجار المتشابكة
وكان البناء يحتاج إلى جهد ووقت كبيرين
، كما أن كثيرًا من المنشآت كانت أقل قدرة على مقاومة الزمن.
ثم جاء المسمار ليغيّر طريقة التفكير في البناء،
قبل أن يغيّر طريقة البناء نفسها.
ثانيًا:
المسمار في بطون الكتب
في كتاب Structures: Or Why Things Don’t Fall Down يشرح J. E. Gordon أن نجاح المنشآت لا يعتمد فقط على المواد الكبيرة
كالحديد
والخرسانة،
بل أيضًا على وسائل الربط بينها.
فالقطعة الصغيرة قد تكون هي الحلقة التي تحفظ تماسك البناء كله.
وهذا درس هندسي، لكنه في الوقت نفسه درس اجتماعي وإداري.
ثالثًا:
الاقتصاد الذي صنعه المسمار
لو توقف إنتاج المسامير في العالم أسبوعًا واحدًا، لتعطلت صناعات كثيرة، منها:
صناعة الأثاث
البناء
السفن
السكك الحديدية
التغليف الخشبي
الصناعات المعدنية
وهكذا نجد أن صناعة صغيرة تدعم سلاسل إنتاج ضخمة بمليارات الدولارات.
إن الاقتصاد الحديث لا يقوم على المنتجات النهائية فقط،
بل على آلاف المكونات الصغيرة التي لا يلاحظها المستهلك.
رابعًا:
المسمار في الإدارة
في الإدارة يوجد ما يمكن أن نسميه “المسمار البشري”.
ذلك الموظف الذي لا يراه أحد،
لكنه إذا غاب تعطلت المؤسسة.
قد يكون:
أمين الأرشيف.
فني الصيانة.
مسؤول الشبكات.
أو عامل المخازن.
وجوده هادئ، لكن أثره كبير.
وفي هذا يقول Peter Drucker في كثير من كتاباته إن نجاح المؤسسة يعتمد على تكامل الأدوار، لا على شهرة الأشخاص.
خامسًا:
من المسمار إلى المجتمع
كم من إنسان يعيش بين الناس مثل المسمار:
لا يتصدر المشهد
، ولا يطلب الأضواء، لكنه يربط بين القلوب، ويصلح ذات البين، ويحفظ استقرار الأسرة أو المؤسسة.
هؤلاء لا تكتب أسماؤهم في العناوين الكبرى، لكن التاريخ الحقيقي
كثيرًا ما يصنعه أمثالهم.
سادسًا:
حكمة الأشياء الصغيرة
يروي التراث الإنجليزي مثلًا مشهورًا يقول:
“لفقدان مسمار ضاع الحذاء،
ولفقدان الحذاء ضاع الحصان
، ولفقدان الحصان ضاعت المعركة، ولفقدان المعركة
ضاعت المملكة.”
وقد استشهد به كثير من كتب الإدارة وإدارة المخاطر، ليبين أن إهمال التفاصيل الصغيرة قد يقود إلى خسائر كبرى.
وهذا ينسجم مع ما تؤكد عليه المدارس الحديثة في الجودة، التي ترى أن المشكلات الكبرى تبدأ غالبًا من أخطاء صغيرة لم يُلتفت إليها في وقتها.
سابعًا:
الدرس الحضاري
المسمار يعلمنا أن قيمة الشيء لا تقاس بحجمه، بل بوظيفته.
وكذلك الإنسان.
فكم من شخص بسيط غيّر حياة أمة
بعلمه
أو أمانته
أو إخلاصه
، بينما لم يترك أصحاب المناصب الرفيعة أثرًا يذكر.
إن الحضارات ليست أبراجًا شاهقة فقط، بل هي أيضًا ملايين “المسامير” التي تثبت تلك الأبراج.
خاتمة
حين تمسك بمسمار صغير، قد لا يخطر ببالك أنك تمسك قطعة أسهمت في بناء
البيوت،
والجسور،
والسفن،
والمصانع،
والمدارس، والمستشفيات.
وهكذا يعلمنا هذا الجسم الصغير درسًا عظيمًا:
ليس كل ما هو صغير قليل الأثر
، وليس كل ما هو كبير عظيم القيمة.
فالحضارة، كما الحياة، تقوم على توازن بين الكبار والصغار
، وبين الظاهر والخفي، وبين من تُسلَّط عليهم الأضواء ومن يعملون بصمت.
المراجع –
Structures: Or Why Things Don’t Fall Down – J. E. Gordon.
The Design of Everyday Things – Don Norman.
مؤلفات Peter Drucker في الإدارة والتنظيم المؤسسي.
ليست الحضارات ما نراه فوق الأرض فقط، بل أيضًا ما يختبئ داخل الجدران من مسامير، وما يختبئ داخل المؤسسات من رجال ونساء يعملون في صمت.
عبد العظيم الريح مدثر
اقتصادي متقاعد من
المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا
مؤسس منبر نور البحثي
sanhooryazeem@hotmail.com
